8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستنفارُ الخارجيّ لا يحمي الاستحقاق فقط بل "النموذج" أصلاً

لدى التدقيق في أبعاد الحركة الدولية والعربية بشأن "الأزمة اللبنانية"، يمكن بوضوح تبيُّن أن الاستنفار الخارجي الذي بلغ ذروته هذا الأسبوع لا تحرّكه فقط القناعةُ بحقّ لبنان في أن يكون له رئيسٌ يتولّى مهامه وفقاً للدستور، إنما تحرّكه القناعةُ بـ"نموذج" لبنان أو "لبنان النموذج" في منطقة الشرق الأوسط.
بوش وساركوزي: النموذج اللبناني
في ختام القمّة الأميركيّة ـ الفرنسيّة مساء الأربعاء، أعلن الرئيس جورج بوش باسمه وإسم الرئيس نيكولا ساركوزي أن الولايات المتحدة وفرنسا مهتمّتان بتحقيق السلام في الشرق الأوسط وأنهما تريدان أن يكون هذا السلام على صورة لبنان ومثالِه. وقال بوش إن النموذج اللبناني هو الحلّ في فلسطين وهو الحلّ في العراق.
وهذا الموقف الأميركيّ ـ الفرنسيّ المشترك لا يكتفي بـ"رفع" لبنان إلى مرتبة النموذج، بل هو يعني أن تفجير لبنان هو تفجير إقليمي. وهكذا، فمن وجهة نظر واشنطن وباريس، إن الحلّ في لبنان هو المدخلُ إلى الحلّ في المنطقة، والتفجير في لبنان هو تفجير في المنطقة ولها.
إذاً، ببلوغ الاستنفار الدولي بشأن الأزمة اللبنانية ذروته، يتأكد أن للبنان هذه الأبعاد وأن لـ"صيغته" هذه الأهمية، وأن الدعم الدولي للبنان وإستقراره وإستقلاله هو دعمٌ لفُرص الحلّ الإقليمي.
السعودية وأولوية لبنان
في الجانب العربي من تلك الحركة الخارجية، لا تختلفُ الصورة على الإطلاق.
فالعناية التي تُبديها المملكة العربية السعودية بلبنان إنما هي عنايةُ بـ"الصيغة" اللبنانية. وتدخّلت المملكة مرّات عدّة عندما أدركت أن أصابع الفتنة تتحرّك ونجحت في وأد الفتنة. ومن يُتابع الحركة السعودية بدقّة حول "الملفّات" الإقليمية، لا تخفى عليه حقيقة أن هدفها حماية لبنان.. لا بل حاولت الإهتداء بالتجربة اللبنانية، وتجربة إتفاق الطائف بالتحديد، من أجل مساعدة الفلسطينيين، فكان إتفاق مكّة الفلسطيني. وفي الحركة الخارجية التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حالياً، والتي قادته إلى الاتيكان، لا شك أن الالتقاء السعودي ـ الاتيكاني كان كبيراً بين "لبنان النموذج" كما تراه المملكة و"لبنان الرسالة" كما يراه الكرسيّ الرسوليّ.
مصر و"إرفعوا أيديكم عن لبنان"
و"العودة" المصريّة إلى لبنان، في السنوات الثلاث الماضية، لا يخفى أنها هادفةٌ إلى حماية "الصيغة" اللبنانية. والمملكة ومصر هما الدولتان العربيّتان الأساسيّتان اللتان رفعتا الصوت عالياً ضدّ أخطار التفجير في لبنان على المنطقة ككلّ.
مرّتان صرخ الرئيس حسني مبارك "إرفعوا أيديَكم عن لبنان". في الثمانينات من القرن الماضي "هتفَ" بهذا العنوان، وعاد إليه ثانيةً قبل أسابيع قليلة. و"الهوس" المصريّ بلبنان جعل وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط يحذّر أول من أمس من خطر جرّ لبنان إلى الحرب الأهلية. وفي المرّتين كان الشعار يصيبُ النظام السوري بـ"التحديد".
وليس سرّاً في هذا السياق أن المملكة ومصر حاولتا.. حتى انعقاد القمة العربية الأخيرة في الرياض في نيسان الماضي إفهام النظام السوري بأن الزمن تحوّل، وبأن وصايته على لبنان انتهت، وبأن عليه التوقّف عن التدخّل فيه. كما أنه ليس سرّاً أن هاتين الدولتَين العربيّتَين سعتا إلى حماية نظام الأسد من السقوط إن هوَ عدّل سلوكه. لكنه تمادى، فقرّرتا منعه من إسقاط لبنان.
تتمّة القرار المأخوذ في الـ2004
إلامَ تهدف هذه المقدّمات جميعاً؟
الهدفُ الأول هو القول أن الإهتمام الدولي والعربي بلبنان هو أبعد من كونه مجرّد إهتمام بالإستحقاق الرئاسي.
والثاني هو لفت الإنتباه إلى أن هذا الإهتمام يشكّل التتمّة المنطقية للقرار الدوليّ ـ والعربيّ ـ الذي إتّخذ قبل الـ2004 وتبلور في الـ2004 بإنهاء "التفويض" المعطى للنظام في دمشق "بـ" لبنان. وهو الأمر الذي لم يفهمه نظام الأسد حتى بصدور القرار 1559، لكنه أُجبر على فهمه في الـ2005، فقتلَ الرئيس رفيق الحريري معلناً أنه فهم. وبكلام آخر، فإن الإستنفار الدوليّ ـ العربيّ الراهن يذكّر بـ"المطرقة" التي إنهالت على رأس النظام في الـ2005 وأجبرته على الإنسحاب من لبنان.
لا حرب أهلية
غير أن الهدف الثالث، والأهم، هو أن النظامَين الدولي والعربي ـ أي المجتمع الدولي كلّه ـ يعلنان شبكة أمان ضدّ تفجير لبنان.
هدّد النظام السوري وحلفاؤه وأدواته بالفراغ والفوضى. وهدّدوا بالحرب الأهلية وأعدّوا لها العدّة. والإستنفار الدولي والعربي هو لإفهام النظام السوري ليس فقط أن الحرب الأهلية ممنوعة في لبنان، بل هي لن تحصل حتماً.
ولو كان المجتمع الدوليّ ـ والعربيّ ـ مقتنعاً بأن نظام الأسد وحلفاءه، بالرغم من الإمكانيات التي يملكون، قادرون على جعل الحرب الأهلية "قدراً" لا فكاك منه، ولو كان مقتنعاً أصلاً بأن التمسّك بحصول الإستحقاق ضمن المهلة الدستورية يُطلق شرارة الحرب الأهلية أو أنه يجب الرد على "مشروع حرب أهلية" بـ"مشروع حرب أهلية"، هل يظن أحد أن دول العالم كانت سوف "تتردد" في تسليح قوى التصدي للوصاية السورية؟ طبعاً لا، لكن لا 14 آذار تحمل "مشروع حرب أهلية" ولا المجتمع الدولي والعربي في هذه الوجهة.
...والإستحقاق سيجري
تأسيساً على كل ما تقدّم، لا بد من القول أن الإستنفار الدوليّ ـ العربيّ لا يهدف فقط إلى حماية الإستحقاق الرئاسي، بل إلى حماية الإستقلال اللبناني وإلى منع الحرب الأهلية أي إلى منع تفجير لبنان الذي يعني تفجيراً إقليمياً.
لا بدّ أن يكون ذلك كله مفهوماً بالفعل. وأكثر من ذلك لا بدّ أن يكون مطمئناً للبنانيين. فعندما يُطوّقُ النظام السوري إلى هذا الحد، فمعنى ذلك أن القرار الدولي والعربي الحاسم قد اتخذ: الإستحقاق سيجري والتفجير ممنوع.
لذلك، وعلى "سبيل المثال"، عندما سُئل الموفد الرئاسي الفرنسي كلود غيان أمس ما إذا كانت فرنسا ستؤيد إنتخاب الرئيس "بالنصف زائد واحد"، أجاب أن بلاده تؤيد "التوافق".
بالتأكيد، لا يعني جواب الموفد الفرنسي إنحيازاً إلى خيار دستوري ضد آخر، أو ترجيحاً لمواصفات معينة على أخرى أو تشجيعاً لشخصية معينة في مقابل أخرى. إنه يعني أن الموفد الفرنسي واثق بأن الإستحقاق الرئاسي سيحصل، وأنّ حصوله ليس موضع شك، وأن مقومات حصوله متوافرة، ويعني أن المجتمع الدولي برمته موجود في بيروت لتأمين هذا الاستحقاق ولن يغادر قبل أن يضمن إنتقال لبنان إلى مرحلة سياسية جديدة.
بهذا المعنى، صارت ظروف حصول الاستحقاق بـ"التوافق"، أي "التوافق" على حصوله "أفضل" من أي يوم مضى. وهو سيحصل بالتوافق أو بالأكثريّة المطلقة. سيحصل حتماً.
صار البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير محاطاً بنسبة أعلى من الأمان الدولي والعربي. وأن يتسلم رسالة خطية من الرئيس ساركوزي، فذلك لا معنى له ـ ولا حاجة إلى معرفة ما تضمنته الرسالة ـ إلا أن الرئيس الفرنسي يشجعه على الإقدام و"قطف" اللحظة.
..إلا إذا!. والإستدراك واجب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00