8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك يدرّس الاستقلال.. و"الديالكتيك" أيضاً

في قراءة تحليلية لـ"نصّ" عظة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الأحد الماضي، حيث ورد ما مفاده أنّ "التفرّد (في إجراء الانتخابات الرئاسية) كالتخلّف (عن المشاركة فيها) لهما عواقب وخيمة على الوطن بأكمله"، يمكنُ الوصول إلى استنتاجين.
الأول، بسيط أو مبسّط أو تبسيطي، ومؤداه أنّ البطريرك يضعُ على قدم المساواة، أي بنفس الدرجة من الخطورة، تعطيل الإستحقاق الرئاسي وانتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة (أي "النصف زائد واحد"). وهذا الاستنتاج مبسّط بالضبط لأنه متأتٍ من قراءة "حرفية" للنصّ.
"نفي النفي": السبب والنتيجة
بيد أنّ الإستنتاج الآخر يستند إلى ما يمكن وصفه بالقراءة "الديالكتيكية" ـ وللكنيسة ديالكتيكها أيضاً ـ ويقوم على تقدير أنّ رأس الكنيسة يعرف حقّ المعرفة أنّ ذهاب الأكثرية إلى "النصف زائد واحد" هو ردّها على التعطيل، أي أنّه يعرف أنّ "النصف زائد واحد" هو نتيجة للتعطيل، وينتفي بانتفاء مسبّبه. وبما أنّ هذه هي حقيقة الأمر، وبما أنّ البطريرك يعرفها، لماذا لا يُقرأ نصّ العظة على أساس أنّ الأولوية فيها هي للتحذير من التعطيل ـ أو "التخلّف" عن الواجب ـ وليس فيها مساواة بين السبب والنتيجة؟.
ثمّة إعتباران وراء "إقتراح" هذه "القراءة المركّبة". أولهما أنّ مجلس المطارنة الموارنة يصدر اليوم بيانه الشهري و"قد" يأتي متضمّناً" المعادلة" الواردة في عظة الأحد، الأمر الذي "يجب" ألا يشكّل صدمة لأحد، خصوصاً لأكثرية 14 آذار و"ناسها".
قولان ما قبل الفراغ وما بعده
أمّا الاعتبار الثاني، فهو يتّصل بـ"اللحظة السياسية". ذلك أنّه ليس خافياً أنّ البطريرك إنما يتحدّث ويعلن موقفه في مرحلة ما قبل وقوع الفراغ في سدّة الرئاسة، فيحضّ على عدم التعطيل، وعلى إجراء الإستحقاق بالتوافق.. أي أنّه موقف ما قبل الأيام العشرة الأخيرة. لكن هل يمكن أن يكون لدى أحد شكّ في أنّ سيّد بكركي سيكون له قولٌ "آخر" أو "مختلف" فيما لو ثبتت عنده "نيّة الفراغ" لدى فريق "المعارضة"؟. بكلامٍ آخر، من الطبيعي أن يكون ثمّة قولان، ما قبل الفراغ وما بعده أي في لحظة "إتضاحه". وينطلق هذا التقدير من أنّه سبق للبطريرك أنّ حدّد الفراغ في رئاسة الجمهورية بوصفه الخطر الأكبر لا بل بوصفه "الشرّ المستطير". وهو أول المعنيين عندئذٍ بتحديد الوجهة والمسار.
التسمية من جانب صفير مرتبطة بضمانتَين
أغلب الظنّ إذاً أنّ الموقف البطريركي على مرحلتين أو بالصلة مع "لحظتَين".
غير أنّه، وفي ما يتجاوز الموقف السياسي المبدئي، ثمّة سؤالٌ يتكرّر في الآونة الأخيرة: لماذا لا يحزم البطريرك أمره ويقدّم لائحة إسمية بمرشحين رئاسيين ليتمّ التوافق على أحدهم أو الانتخاب من بينهم؟
في اعتقاد كثير من "العارفين" أنّ المطالبين بأن يقوم البطريرك بالتسمية فئتان: فئة صادقة مستعدّة فعلاً للالتزام بما ومن يطرحُه توافقاً أو إنتخاباً، وثانية "خبيثة" بالفعل، وهي التي لا بدّ من تسليط الضوء على ما تستهدفه.
تعتقد هذه الفئة "الخبيثة" والمتشكّلة من "المعارضة" أو معظمها أنّ تكليف البطريرك بمهمّة التسمية سيدفعه إلى "التصادم" مع "المجتمع السياسي المسيحي"، فإما أن يدخل في هذا "الصدام" وإما أن يمتنع، وعندئذٍ في الحالتين تكون ذريعة التعطيل موجودة: بما أنّ البطريرك لم يسمّ، وبما أنّ الإستحقاق الرئاسي "يتوقف" على كلمته.. فلا إستحقاق رئاسياً إذاً!
لذلك، وكي لا يعلَّق الفراغُ في الرئاسة على "مِشجب" بكركي، كان البطريرك واضحاً في طلب ضمانتَين. ضمانة أن يؤخذ باللائحة الاسمية أي إمّا أن يتمّ التوافق على أحد الأسماء وإمّا أن يُصار إلى إنتخاب واحد منهم في المجلس النيابي، وضمانة أن يؤمّن حضور جلسة المجلس للتصويت.. لـ"الانتخاب".
إعتبارات بطريركية "مبدئية"
لذلك فإنّ العقبة في وجه قيام البطريرك بتقديم لائحة إسمية حتّى الآن، هي غياب ضمانتَي الإلتزام.
على أنّ لرأس الكنيسة اعتباراتٍ أخرى كما يقول "العارفون". فهو يرى في اختيار كلّ طائفة مَن يمثّلها في موقع القرار ضمن الشراكة الوطنية نذير "إجهاز" على إتفاق الطائف بما هو ميثاق للعيش المشترك ونذير إنقضاض على قواعد الشراكة. ويعتبر أنّه إذا كانت الطائفتان الإسلاميّتان الشيعيّة والسنّية تستطيعان الآن بتوازنات القوى داخل كلّ منهما أن تفرضا مَن تختاران في موقعَي رئاسة المجلس النيابي ورئاسة الحكومة، فإنّ توازن القوى داخل الطائفة المارونية "متحرّك" وثمّة إنقسام سياسي حادّ، لا بل أكثر من ذلك، يعتقد أنّ الصراع على الإستحقاق الرئاسي يؤطره إنقسام سياسي "لبناني" عام. وفضلاً عن ذلك كله يرى أنه إذا كان ثمة تطابق ـ في المرحلة الراهنة ـ بين الطوائف الإسلامية وأحزابها، وهو الأمر الذي لا يجوز استمراره ضنّاً بالعيش المشترك، فإن الكنيسة ليست الحزب السياسي للطائفة المارونية، والبطريرك ليس رئيس حزب سياسي يفرض نظامُه الداخلي أن يكون الرئيس أو الأمين العام آمراً ناهياً مُطاعاً.
إذاً، إن عدم استجابة البطريرك إلى مطالبته بالتسمية "حتى الآن" يعود إلى اعتبارات كثيرة، أهمّها غياب الضمانتَين المشار إليهما آنفاً. ولكن!
الالتزام الدوليّ العربيّ وقمّة عبدالله ـ بنديكتوس
بين رفضه تعليق الفراغ على مِشجب بكركي وبين عدم حصوله على الضمانتَين حتى الآن، يبدو أن البطريرك "يتابع" الموقف الخارجي في ضوء التحركات والاتصالات الدولية والعربية. ولا شك أن البطريرك "يلاحظ" إهتماماً دولياً ـ عربياً بموقفه، لا بل تطلّباً دولياً ـ عربياً لموقف "عملي" من جانبه، حتى ندر أن يخلو تصريحٌ لمسؤول دولي أو غربي أو عربي من إشارة إلى البطريرك وإلى "لائحة صفير". وأكثر من ذلك، لا شك أن شبكة الحماية الدولية ـ العربية للاستحقاق الرئاسي اللبناني تسعى إلى الإرتكاز على موقفه هو بالدرجة الأولى لبنانياً، وتعلن استعدادها لـ"حماية" موقفه والسير خلفه. وهذا أمرٌ لا تُخفيه الاتصالات المكثّفة مع الكرسي الرسولي في الاتيكان، حتى لَيمكن القول أن القمة التاريخية بين خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والحبر الأعظم أمس، ترمُز الى التقاء القيادتين الإسلامية والمسيحية حول لبنان ونموذجه وصيغته.
هذا الجانب الدولي ـ العربي يدخل في حساب البطريرك للمرحلة المقبلة.. مرحلة ما بعد ثبوت نيّة الفراغ لدى النظام السوري وحلفائه.
مَن فتحَ معركة الاستقلال سيُكملها
وجانبٌ آخر "لبناني" يدخل في حسابه أيضاً.
ليس من حقّ أحد أن يقرأ البطريرك من خلال موقفٍ من هنا وآخر من هناك، أي أن يقرأه بـ"المفصّل" وليس بـ"الجملة".
فـ"هذا" البطريرك بالذات هو الذي فتح معركة إستعادة استقلال لبنان وسيادته وحريّته وقادها ابتداء من أيلول 2000، وهو الذي أكد أن إستقلال لبنان لا يتحقّق إلاّ بالوحدة المسيحية ـ الإسلامية. وهو الذي شدّد باستمرار منذ العام 2005 على أن إستقلال لبنان لم يصبح معطى ناجزاً بعد، وأن التدخّل السوري لم يصبح "وراءَنا".
وفي قناعته التي تعبّر عنها مواقفه وعظاته ان هذا الإستحقاق الرئاسي بالذات، مصيريّ بكل ما للكلمة من معنى، بالنسبة إلى الوجود المسيحي وإلى العيش المشترك وإلى استقلال لبنان، لا بل هو ـ أي الاستحقاق ـ من وجهة نظره استحقاق استقلالي بامتياز، أي أن هذا الاستحقاق بالذات يجب أن يقلب صفحة سوداء من تاريخ البلد ويفتح صفحة الاستقلال الناجز. فهل من حقّ أحد أن يشكّ في تصميم البطريرك وعزمه على إستكمال معركة الاستقلال عبر الاستحقاق الرئاسي الراهن؟
ليس في كلّ ما تقدّم لعبة "كلمات متقاطعة". فما يقوله سيد بكركي الآن هو لـ"لحظة" ما قبل الفراغ في الرئاسة.. وإمتناعُه عن التسمية وراءه اعتبارات مبدئية وسياسية.. لكن البطريرك لن يتخلّى عن مسيرة الاستقلال اللبناني في "اللحظة" التي تلي ثبوت "نيّة الفراغ". سيكون الأساس في شبكة الحماية اللبنانية لاستحقاق لبنان واستقلاله. وسيكون لبنانياً ـ اتيكانياً ـ عربياً ـ دولياً بلا ريب.
فـ"يا أيها اللبنانيون"، إنتظروا بطريرك ما بعد الثاني عشر من تشرين الثاني!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00