تبلور جزءٌ أساسي من "صورة" الإستحقاق. فالإجتماع العربي ـ الدولي في اسطنبول أول من أمس كرّس موقفاً مشتركاً صارماً بـ"حماية" الإستحقاق الرئاسي اللبناني والمسيرة الإستقلالية اللبنانية.
إسطنبول: التفجير في لبنان = تفجير إقليمي
يَعتبرُ الموقف العربي ـ الدولي المشترك أنّ النظام السوري يشكّل مصدر الخطر "الوحيد" على الإستحقاق والإستقرار. وانطلاقاً من ذلك تمّ إبلاغ نظام دمشق عبر وزير خارجيته وليد المعلّم بأن عليه التوقّف عن ترهيب الإستحقاق وتعطيله أو فرض شروط سورية عليه. وأعلنت الشرعيّتان العربية والدولية أنّ أمن لبنان السياسي والأمني أولوية لهما لا بل اعتبرا أنّ من يتّخذ قراراً بتفجير الوضع اللبناني إنّما يكون في صدد قرار بتفجير إقليمي على نطاق واسع، وسيتحمّل مسؤوليته على هذا الأساس.
التفجير في لبنان = التفجير على نطاق المنطقة بأسرها، قناعةٌ عربية ودولية مشتركة. وإذا كان صحيحاً أنّه لم يتمّ تحديد "العواقب" التي سيتحملها النظام السوري في حال إمعانه في الترهيب والتعطيل، فممّا لا شكّ فيه أنّه سيكون عليه تلقّي عواقب "كبيرة".
"التوافق" بترجمة سوريّة
على أنّ النظام في سوريا، لم يعطِ حيال هذه الرسالة الحازمة مؤشرات إيجابية، حتّى الآن على الأقلّ.
فقد سارع وليد المعلّم بعيدَ لقائه الوزير الفرنسي برنار كوشنير مساء الجمعة الفائت إلى تقديم "الترجمة السورية" لمصطلح "التوافق" الذي شدّد عليه رئيس الديبلوماسية الفرنسية، و"الترجمة السورية" لمفهوم "عدم التدخّل في الشؤون اللبنانية". وفي هذه "الترجمة" أنّ "الرئيس التوافقي" هو الذي "يؤمن بعلاقات طبيعية مع سوريا". ولمّا كان "الإيمان" بعلاقات طبيعية مع سوريا (خاصّة العلاقات "الطبيعية") قاسماً مشتركاً بين اللبنانيين وقد رسم مؤتمر الحوار الوطني في آذار 2006 أسس تلك العلاقة، فإنّ ما يقصده الوزير السوري هو الرئيس الذي يعيد النظام السوري إلى القرار اللبناني.
أمّا "التدخّل" في لبنان من وجهة نظر النظام السوري فهو ليس تدخّلاً سوريّاً بل هو التدخّل العربي والأميركي. وبشأن الطلب من حلفاء دمشق في لبنان السير في "التوافق" من أجل حصول الإستحقاق، كان موقف المعلّم واضحاً: لن تطلب دمشق من حلفائها "التنازل" للفريق الآخر.. معرّفاً بذلك "التوافق" على أنّه "تنازل" وعلى أنّه يعني مصلحة الفريق الآخر.
باريس وواشنطن: هدف واحد
وإذا كانت "الترجمة السورية" لـ"التوافق" قد جرى تظهيرُها على النحو المشار إليه، فإنّ مؤشراً آخر برز في موازاة هذه "الترجمة" ويتمثّل في "تمييز" سوري بين الموقف الفرنسي من ناحية والموقف الأميركي من ناحية أخرى.
انّ هذا "التمييز" خاطئ تماماً. فصحيح أنّ فرنسا أكدت أنها تتحرك حالياً بـ"أفق" جلسة الثاني عشر من تشرين الثاني الجاري، أي أنّها تركّز على المساحة الزمنية التي يمكن أن تنتج تفاهماً لبنانياً قبل أن يُصبح الإستحقاق الرئاسي في الأيام العشرة الأخيرة وفي دائرة "الخيارات المفتوحة"، إلا أنّها أكّدت في الوقت نفسه أنّه سيكونُ لها موقفٌ بعد 12 تشرين الثاني، وحرصت على تأكيد أنّها تتقاسم مع الولايات المتحدة "الأهداف" نفسها. وكذلك، شدّدت باريس على إستقلال لبنان وسيادته، أي على أن يكون "الرئيس التوافقي" رئيساً إستقلالياً وسياديّاً.
..وموقف واحد بعد 12 ت2
إنّ "الفارق" الوحيد بين واشنطن وباريس هو أنّ وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس "قرأت من الآخِر" أي أنّها حدّدت سلفاً ما سيكون عليه موقفُها بعد 12 تشرين الثاني عندما تحدّثت عن "الخيارات الاضطرارية" لـ14 آذار في الأيام العشرة الأخيرة معلنةً دعم هذه الخيارات التي من ضمنها إنتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة، في حين تتريّث فرنسا في الإفصاح عن موقفها بعد 12 تشرين الثاني. والحال أنّ هذا الفارق "تكتيكيّ" بين ديبلوماسية أميركية تريد سلفاً تظهير النتائج، وديبلوماسية فرنسية تريد المرور بمرحلة "تبصير" النظام السوري بعواقب سياسته، ولا شكّ أنّ موقفاً واحداً ستتّخذه العاصمتان. وستكون القمّة الأميركية ـ الفرنسية بين الرئيسين جورج بوش ونيكولا ساركوزي بعد غدٍ محطة دولية حاسمة بالنسبة إلى لبنان.
إحتمالان.. لكن خيار الأكثرية محميّ
تأسيساً على ما تقدّم، يمكنُ القول إنّ الإستحقاق الرئاسي اللبناني في عهدة شبكة حماية دولية ـ عربية. لكنّ هذا الإستحقاق يبقى رهن إحتمالين غير متساويين. الأول هو أن تعطي شبكة الحماية هذه مفعولاً كلّما ظهر أنّ لها إجراءات وخطوات، فيستشعر نظام الأسد الخطر ويرجّح حلفاؤه "التسوية". والثاني هو أن يواصل النظام السوري نهجه و"المعارضة" سلوكها، فتقرّر الأكثرية متابعة المسيرة الدستورية بحماية دولية ـ عربية يمكن "الرهان" على أن تكون لها ديناميّة في لبنان وعلى صعيد القوى السياسية. وبكلام آخر فإنّ الاستحقاق بينَ أن يتمّ بـ"التوافق" ـ بغير المفهوم السوريّ ـ وبينَ أن يتمّ بالأكثرية بعد 12 تشرين الثاني، والاحتمال الأخير هو المرجّح فعلاً.
في ضوء هذا التطوّر الخارجي البارز، أيّ تشكّل شبكة حماية ـ وأمان ـ دولية ـ عربية، من المهمّ جداً تسليط الضوء على شبكة الحماية ـ والأمان ـ اللبنانية.
بكركي الحلقة المركزية في شبكة الأمان
مِنْ نافِل القول أنّ الكنيسة المارونيّة وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، تشكل الموقع المتقدّم في شبكة الأمان اللبنانيّة. لقد بادرَت بكركي في كلّ الاتجاهات. حدّدت الطابع المصيري للإستحقاق الرئاسي بالنسبة الى لبنان ومسيحييه. عيّنت مواصفات الرئيس وأن يكون استقلالياً ملتزماً الدستور والميثاق والقرارات الدولية. سعَت الى جمع القيادات المارونية كي تكون لها الكلمة "الأولى" في الاستحقاق. وهي تعطي للقاءات فرصتها كي تُنتج توافقاً. لكن بكركي ستكون المرجعيّة الأولى المطالَبة بتحديد "الوجهة" بعد 12 تشرين الثاني. وستُحدّد "الوجهة" بالاستناد الى محصّلة "تفاعل" المعطيات الداخلية مع المعطيات الخارجيّة، وفي رأس اعتباراتها أنّ الفراع في الرئاسة هو "الشر المستطير" بعينه.
سليمان وتجربة فؤاد شهاب
على صعيد آخر، تتجه الأنظار إلى الجيش وقيادته.
في تاريخ المؤسسة العسكريّة تجربة يتذكّرها اللبنانيون بـ"احترام" كبير هي تجربة مؤسس الجيش الرئيس الراحل فؤاد شهاب. صحيحٌ أنّ دور الجيش في أزمة العام 1952 بينَ الرئيس الراحل بشارة الخوري والمعارضة آنذاك "صُرف" تعييناً لشهاب رئيساً لحكومة انتقالية سارَعَت الى تنظيم انتخابات رئاسيّة جرت خلال أسبوعين. وصحيح انّ دور الجيش في أزمة العام 1958 التي كانت حرباً داخلية "صُرف" إنتخاباً لشهاب رئيساً للجمهورية لست سنوات. بيد أن ما هو صحيحٌ في تجربة شهاب، علماً انّ الدور "صُرف" سياسياً، هو انّ اللبنانيين بقوا يتذكّرون دور الجيش الحارس للكيان والدولة والنظام، خاصّةً انّ انتقال شهاب إلى سدّة الرئاسة حينذاك لم يكن يتطلبّ تعديلاً للدستور.
اليوم، ولأنّ الجيش أدى منذ 14 شباط 2005 دوراً حارساً للسلم الأهليّ وحامياً للدولة وضامناً للحريّة، ولأن قائد الجيش العماد ميشال سليمان يستطيع أن يتفهم أنّ "صرف" دوره في الأعوام الأخيرة سياسياً تحول دونَه اعتباراتٌ دستورية لا غير، فإنّ ثمّة إقتناعاً في معظم الوسط السياسي بأن في وسعه أن يشكّل التجربة الثانية المحترمة للمؤسسة العسكرية... فيتذكر اللبنانيّون عندئذ انّه حمى إنتقال لبنان من مرحلة الوصاية السورية الى مرحلة الاستقلال عنها، وأنّه حمى الدولة والنظام السياسي بحماية المسار الدستوريّ في البلاد. وفي جميع الأحوال، تدلّ المواقف التي يطلقها قائد الجيش في الأيّام الأخيرة على أن لا همّ له سوى صون وحدة الدولة. وبصرف النظر عما يمكن أن تُقدم "المعارضة" عليه مما تهوّل به الآن، فإنّ الجيش يبقى مسؤولاً، وسيتحمّل مسؤوليته في منع أيّ تخريب وأيّ مشروع فتنة.
"المفترق"
إنّ شبكة الحماية ـ والأمان ـ اللبنانية لا بد أن ترتكز الى حركة 14 آذار سياسياً والى الكنيسة وطنياً ورمزياً والى الجيش وطنياً وأمنياً، وستكون هذه "الشبكة" مفتوحة لكل مَنْ يلتزمُ المسار الدستوريّ والديموقراطيّ السلميّ.
باتَ الاستحقاق على مفترق "دقيق". يمكن أن يتمّ "توافقياً" تدعمه معطيات خارجية تساعد على تحريره من الترهيب السوريّ وعلى لبننته. لكنه يمكن أن يتم في سياق "مواجهة" سياسيّة. وفي الحالة الثانية، لا بدّ من "التحصّن"... والحركة السياسيّة الداخليّة لا بدّ أن تكون هادفة الى توسيع "القاعدة" اللبنانية للمسار الدستوريّ... السلميّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.