شكلت زيارة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بيروت أول من أمس حدثاً بكل ما للكلمة من معنى، إذ انطوت على أبعاد استثنائية من زوايا نظر عدّة.
فإذا كان ممّا لا شك فيه أنّ الاهتمام المصري بلبنان لم يتوقف يوماً سواء عبر إستقبال القاهرة للوفود اللبنانية أو عبر الجامعة العربية وأمينها العام المصري أو عبر السفارة في العاصمة اللبنانية، فإنّ زيارة أبو الغيط مثّلت حضوراً مصرياً مباشراً هذه المرّة على خطّ الأزمة اللبنانية.
مصر ومنع الفتنة الإسلامية ـ الإسلامية
ولم يُخفِ أبو الغيط الحافز المباشر إلى هذه الزيارة. قال إنّ إنفجار الأزمة اللبنانية لو حدث سيكون خطراً على المنطقة يفوق في حجمه الأخطار الناجمة عن الأوضاع في العراق وفلسطين. وقال في المقابل إنّ النجاح في تحقيق إختراق على صعيد الأزمة اللبنانية ستكون له إنعكاسات إيجابية على المنطقة.
إنّه إعلان مصري واضح عن "أهمية" لبنان. ذلك أنّ الانفجار لو حصل بمثابة تحدٍّ "مصيري" لمصر والنظام العربي، والنجاح في احتوائه هو نجاح "مصيري" أيضاً لمصر والنظام العربي. فلا يخفى على الوزير المصري، حتّى لو لم يقُل ذلك مباشرة وعلناً، أنّ الانفجار في لبنان لن يكون سوى فتنة إسلامية ـ إسلامية، سنّية ـ شيعية يمتد لهيبها في الإقليم.
الجناحان السعودي والمصري
وإذا كان الوزير المصري ـ الديبلوماسي ـ في معرض تشديده على "رفع الأيدي" عن لبنان لم يسمّ النظام السوري على نحوٍ مباشر، فمن الواضح أنّه لم يكن يتكلم عن ايطاليا، لا بل هو استمع إلى كلّ من التقاهم من 14 آذار يؤكدون له أنّ النظام السوري هو مصدر التخريب والتعطيل وأنّ المطلوب تحرير لبنان واستحقاقه واستقراره من نظام الأسد، ولم "يعترض".
بهذا المعنى، يشكّل الموقف المصري الداعي إلى "رفع الأيدي" عن لبنان استكمالاً لـ"الطوق العربي" حول نظام الأسد في دمشق. وإذا كان الموقف السعودي المؤكد على "رفع الأيدي" والرافع للغطاء العربي عن هذا النظام هو "الفكّ الأول من الكمّاشة"، فإنّ الموقف المصري هو "الفكّ الثاني". وهكذا فإنّ جناحَي النظام العربي يعلنان إرادة الحماية العربية ـ الإسلامية ـ للبنان.
بري: أبعد من س.س.
حتّى الآن، كان الرئيس نبيه برّي يقول إنّ المشكلة الرئيسة للبنان تكمن في الخلاف السعودي ـ السوري وإنّ الحلّ يبدأ من المصالحة السعودية ـ السورية، وهو ما رمز إليه بحرفَي "س.س.". لكن على ما يبدو، فإنّ النظام السوري في ضفّة والنظام العربي كله في ضفّة أخرى، لأنّ نظام بشار الأسد يُناصب مجمل النظام العربي ومصالحه العداء. ولعلّ الرئيس بري، الذي ذُكر أنّه تحدّث مع الوزير أبو الغيط عن "س.س."، يُدرك الآن استحالة تحقيق اختراق على هذا الخطّ طالما أنّ النظام في سوريا "على حاله"، فيستنتج أنّ المهمّة الملقاة على عاتقه هي إنقاذ الإستحقاق الرئاسي "بالرغم" من "س.سوريا" بل بحماية "س.السعودية" ومصر.
إنّ أهمية زيارة أبو الغيط تكمن إذاً في تأكيد الحضور المصري على خطّ الاهتمام بلبنان لكل الاعتبارات المذكورة من جهة، وفي كونها تستكمل تطويق النظام العربي بجناحيه المصري والسعودي لتخريب النظام السوري من جهة أخرى.
"مبادرة دولية" منتظرة
بيد أنّ ثمّة بُعداً ثالثاً يقتضي أخذُه في الاعتبار لأهميّته القصوى.
فمع التصاعد المتوقّع للضغط الدولي على نظام دمشق بشأن لبنان وإستحقاقه، تؤكّد مصادر مطّلعة أنّ ثمّة "مبادرة دولية" ستُعلن في الأيام المقبلة من أجل حماية الاستحقاق اللبناني، وفي هذه "المبادرة" ضغوط "نوعيّة" على النظام السوري. والحضور العربي على خطّ حماية لبنان وإستحقاقه، يعني أنّ التتمة المنطقية لما تسمّيها المصادر المطّلعة "مبادرة دولية"، هي تشكيل شبكة أمان ـ أو حماية ـ دولية وعربية "حول" الاستحقاق. وعلى هذا الأساس ستتأكد حقيقتان: الأولى هي أنّ لبنان والأكثرية فيه جزء لا يتجزأ من شرعيتَي النظام العربي والمجتمع الدولي، والثانية هي أنّ الاستحقاق اللبناني قضية لبنانية ـ عربية ـ دولية.
التقرير عن الـ1559: لا ينتهي بالرئاسة
على أيّ حال فإنّ "طليعة" الضغط الذاهب إلى تصعيد، تمثّلت في التقرير الذي قدّمه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود ـ لارسن الأربعاء الماضي الى مجلس الأمن عن القرار 1559.
في هذا التقرير الذي يناقشه مجلس الأمن بعد أيام قليلة ليتخّذ موقفاً، ليست النقطة الأكثر أهمية قول التقرير إن الاستحقاق الرئاسي في لبنان لا يزال "تحت" القرار 1559، بل تأكيده أن القرار يُعتبر غير منفّذ إذا لم تُجرّد "الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية" من السلاح.
يعتبر تقرير لارسن إذاً أن إنجاز الاستحقاق الرئاسي ـ فيما لو أُنجز بالفعل ـ لا يُنهي القرار 1559 ولا يُسقطه، وفي ذلك ردّ مباشر على كل من في لبنان إعتبر أن القرار 1559 يصبح في حكم المنتهي بعد الرئاسة. فمن الواضح أن المجتمع الدولي الذي يدعم استقلال لبنان واستقراره، يرى أن عدم تنفيذ هذا الشقّ من القرار الدولي أدى ليس فقط الى زيادة "حزب الله" لتسلّحه، ولا الى مزيد من تسلّح "الميليشيات غير اللبنانية"، بل الى تشكّل ميليشيات جديدة وإلى فتح المعسكرات، وإلى تصاعد التهريب عبر الحدود اللبنانية ـ السورية.
نصيحة أبو الغيط
إذاً، ما يقوله المجتمع الدولي يفرض علاقةً بين الاستحقاق الرئاسي والـ1559 من زاوية البند المشار إليه آنفاً، أي أن المجتمع الدولي يرى أن يكون الرئيس المقبل "الواجب إنتخابه" ملتزماً بهذا القرار الدولي وسائر القرارات الأخرى.
هنا، جاءت نصيحة أبو الغيط وهي نصيحة بـ"جَمَل". قال إنه "يُستحسن" أن يتفاهم اللبنانيون على القضايا الأساسية في موازاة بحثهم عن التوافق بشأن رئاسة الجمهورية "بحيث يتسنّى للرئيس المقبل تحمّل مسؤولياته بسرعة" كما قال. إنها نصيحة "ضمنيّة" بعدم الفصل بين الرئيس ومواصفاته، ونصيحةٌ بأن لا يتسرّع أحد في إفتراض أن في الإمكان "التخلّص" من القرارات الدولية فيما المُتاح هو "لبننة" تنفيذها.
"الصورة" الثلاثية ورمزيّتها والأدوار
وتبقى "الصورة" التي أنهى أبو الغيط بها زيارته الى بيروت، أي صورة "اللقاء الثلاثي" الذي ضمّه الى الرئيس بري وزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري في "عين التينة".
في "قراءة" لهذه "الصورة"، رأى عديدون أنها ترمز الى الأدوار. فبرّي هو رئيس المجلس النيابي الذي يقع على عاتقه واجب إتمام الاستحقاق. وسعد الحريري هو الأكثرية التي يقع عليها الدور الرئيسي في إختيار الرئيس المقبل. وأبو الغيط هو "الشاهد العربي" على العلاقة بين دورَي رئيس المجلس وممثّل الغالبية.
أما عديدون آخرون، فإذ أكدوا على المعنى الرمزي "العميق" لهذه "الصورة"، فاعتبروا أن الوزير المصري جمع زعامَتين مسلمتين لتأكيد أن الفتنة الإسلامية ـ الإسلامية "ممنوعة" باعتبارها الفتنة "الحتمية والحكمية" ما لم يتمّ الاتفاق اللبناني ـ اللبناني بحماية عربية ودولية على إنجاز الاستحقاق.
كم هي الأيام المقبلة مصيرية إذاً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.