متى يصبح "التوافق" في المسألة الرئاسية ممكناً، وهل هو ممكنٌ فعلاً، وماذا يعني؟
أسئلة تطرح من جملة أسئلة كثيرة في ظلّ "مفاوضات التوافق" القائمة بين الرئيس نبيه بري ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، ووسط رعاية بكركي لحوار مسيحي ـ مسيحي، وفي موازاة الحركة الخارجية الدولية والعربية باتجاه لبنان.
النظام السوري "العقبة"
ينطلقُ الجواب عن هذه الأسئلة من "بديهية" هي أنّ النظام السوري يمثّل العقبة الكبرى أمام "التوافق". فنظام الأسد يريد من الإستحقاق الرئاسي اللبناني أن يكون "ورقة مساومة" بينه وبين المجتمع الدولي، على أساسها "يبيع" المجتمع الدولي حصول الاستحقاق لقاء إسقاط المحكمة الدولية أو مفاعيلها من ناحية واعتراف متجدّد بدوره ونفوذه في لبنان من ناحية أخرى. أمّا إذا كان ذلك متعذّراً أو مستحيلاً، فإنّه يضع الإستحقاق بين حدّين: إمّا رئيس يرضى عنه ويغيّر المعادلة اللبنانية ويعيده إلى القرار اللبناني، وإمّا لا رئاسة جمهورية والفراغ والفوضى.. لتبدأ حلقة جديدة من مساومة المجتمع الدولي وإبتزازه.
هذا التدخّل السوري في لبنان المقرون بالتخريب والإرهاب، والذي يعني تخيير اللبنانيين بين عودة الوصاية من النافذة بعد أن طُردت من الباب وبين الفوضى والحرب، بحاجة إلى توازنٍ يردعه. وهذا التوازن يكون عربياً ـ دولياً أو لا يكون. ذلك انّ الأكثرية الاستقلالية اللبنانية "كفيلة" بالتوازن السياسي الداخلي، لكنها لا تملك وسائل ردع من النوع الذي "يفهمه" النظام في سوريّا.
الردعُ الدولي والعربي
لذلك، ثمّة رهانٌ، نعم رهانٌ، على ردع دولي وعربي لنظام الأسد عن التدخل في لبنان، ولمنع "استضعاف" الحركة الاستقلالية اللبنانية.
من الواضح حتّى الآن أنّ المجتمع الدولي ليس في صدد أي "تسوية" أو "صفقة" مع النظام السوري على حساب إستقلال لبنان وحريته. ومن المعلوم حتّى الآن أنّ المجتمع الدولي بمواقفه يضغط على النظام السوري كي يكفّ يده عن لبنان. لكنّ الردع يحتاج إلى ضغوط من "نوع" مختلف، إلى إجراءات عملية يستشعر هذا النظام آثارها عليه.
يصبحُ "التوافق" اللبناني ممكناً إذاً إذا رُدع نظام الأسد دولياً وعربياً، إذا ما واجه ضغوطاً مادية ملموسة. يُصبح "التوافق" اللبناني ممكناً إذا نجح المجتمع الدولي والنظام العربي في "تحرير" الاستحقاق من براثن النظام السوري.. وإلا فإنّه لن يكون ممكناً. ولذلك فإنّ "التوافق" بهذا المعنى مرادفٌ لردع نظام الأسد عن التخريب والترهيب.
"الشرط الضروري والكافي"
أكثر من ذلك، يمكنُ القول أنّ "تحرير" الاستحقاق الرئاسي من أسر النظام في دمشق، لا يسمحُ فقط بحصول الاستحقاق في موعده، بل يتيحُ التأسيس لحوار "متساوٍ" بين مكوّنات الاجتماع اللبناني، لا بل يساعدُ في الانتقال إلى بحث أمور "الشراكة الوطنية" في ظروف طبيعية، وفي إستعادة الحياة السياسية والدستورية والوطنية إلى سياق طبيعي.
إنّ ردع نظام الأسد عن التخريب والترهيب يكاد يكون "شرطاً ضرورياً وكافياً" للتوافق في لبنان. فهل يُمكن لأحد من "المعارضة" أن يتوافق مع أحد في الأكثرية إذا استمرت طاقة النظام السوري الإرهابية على "مخزونها" الراهن؟. إذاً، إنّ ردع النظام السوري هو رهانٌ لبناني، لكنّه واجب دولي وعربي منعاً لسقوط بلد آخر من بلدان المنطقة في يد الإرهاب ونيران الفوضى.
على أنّه وبالإضافة إلى ما تقدّم ذكرُه، لا بدّ من القول أنّ "التوافق" متى أصبح ممكناً بشرطه "الضروري والكافي" المشار إليه آنفاً، لن تكون ترجمتُه إلا برئيس من 14 آذار. ذلك أنّ "تحرير" الاستحقاق من إرهاب النظام السوري، يعني تلقائياً "تحرير" توازن القوى السياسي من ضغوط القتل والاغتيال والتفجير، ومن التهديد بالويل والثبور و"عظائم الأمور".. و"تحريره" من العملية الإنقلابية الجارية فصولاً منذ عام تقريباً. كذلك فإنّ "تحرير" الاستحقاق من نظام دمشق من شأنه أن يعيد الاعتبار للقواعد الطبيعية للصراع السياسي. فلا "المعارضة" تستطيع أن تنكر على الأكثرية أكثريتها ولا الأكثرية يمكنها تهميش "المعارضة" خاصة عندما يتعلّق الأمر بأمور "الشراكة الوطنية"، لكن تحت سقف عملية بناء الدولة.
"التوافق" وفقاً للمعاني السابقة جميعاً مرادفٌ إذاً لردع النظام السوري من ناحية ولرئيس من 14 آذار من ناحية أخرى.
بكركي: دورُها في "التوافق"
الآن ثمة "شمّاعة" يعلَّق "التوافق" عليها، وهذه الشمّاعة هي بكركي.
وفي هذا المجال، ثمّة أمورٌ لا بدّ أن تكون واضحةً.
لا شكّ أنّ الكلمة "الأولى" في الاستحقاق الرئاسي يجب أن تكون لبكركي وسيّدها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير. فرئاسة الجمهورية مسألة "لبنانية" بالفعل لكنها إذ ترمز إلى موقع المسيحيين الموارنة في "الشراكة"، مسألةٌ "مسيحية" أولاً.
إذاً، ثمّة ما هو "مفهومٌ" تماماً على هذا الصعيد. فأن يعلن الرئيس بري والنائب الحريري أنّهما "وراء" بكركي و"ينتظرانها"، فذلك مفهوم إذ لا يجوز أن "يظهر" أنّ زعامتَين مسلمتَين تقرّران ولو بتفويض من "جبهتين" مختلطتين مَن يكون الرئيس الماروني للجمهورية، لا بل لا يجوز أن يقرّرا بنفسَيهما أصلاً. وفي جميع الأحوال، من حقّهما ـ أي بري والحريري ـ أن يقولا للموارنة تحمّلوا المسؤولية قبل غيركم.
بيد أنّ تحميل بكركي في وقت لاحق مسؤولية "عدم التوافق" لأنّها لم تقترح لائحة إسميّة على سبيل المثال، سيكون أمراً "مؤسفاً".
إنّ بكركي تحمّلت وتتحمّل مسؤوليتها. شدّدت على أنّ إنجاز الاستحقاق واجب وطني "مهما كلّف الأمر". ولفتت اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً إلى أنّ رئاسة الجمهورية "مسألة وجودية" بالنسبة إلى مسيحيي لبنان.. والشرق. دعت إلى لقاء مسيحي ماروني جامع، ولمّا لم تجرِ الاستجابة لاجتماع "واحد" رعت اجتماعَين.. وفرضت تشكّل لجنة متابعة بين مسيحيي 14 آذار ومسيحيي "المعارضة". واستطاعت أن تفرض ما يمكن تسميته "تحريم" العنف والفتنة المسيحية ـ المسيحية. باختصار، ما قامت به بكركي حتّى الآن هو تمهيد "الظروف المسيحية" للاستحقاق، أي جعل الساحة المسيحية أرضاً رافضةً للفتنة بمناسبة الاستحقاق.
وعلى افتراض أنّ بكركي تقدّمت بلائحة اليوم هل يمكن ضمان أنّ "مفاوضات التوافق" ستعتمدها، على الأقل من جانب "المعارضة"؟ فكيف إذا كانت بكركي ترعى توصّل السياسيين المسيحيين إلى لائحة من تلقاء أنفسهم ومن دون تدخّلها؟ وكيف إذا كانت ترى انّ مهمّتها هي "تنظيم" الخلاف المسيحي ـ المسيحي ديموقراطياً وسلميّاً وليست "إلغاء" هذا الخلاف؟.
..لكنّها ليست "شمّاعة"
مرّة أخرى، لا يجوز جعل بكركي "شمّاعة" أو "ذريعة".. خاصة من جانب "المعارضة". المشكلة في "مكان" آخر.. وفي وسع بكركي اليوم قبل الغد أن تقول رتّبتُ البيت المسيحي بنسبة "مقبولة" فاذهبوا إلى "انتخابات" أو توافقوا على إجراء "انتخابات". لكنّ المشكلة "أمام" البطريرك وليست منه، وحلّها بـ"تحرير" الاستحقاق. فهل تُحمّل الكنيسة ورأسها مسؤوليّة تقع على عاتق المجتمع الدولي والنظام العربي أم ثمّة من يريد إعادة اكتشاف تعذّر اتفاق مارونييّن إثنين على إنسحاب أحدهما للآخر في "أيام الخير" فكيف في "الأيام العجاف"؟.
"ما لم يؤخذ لن يؤخذ"
إذاً، القول إنّ "التوافق" ينتظر بكركي هو "تخريجة" مفهومة "اليوم". لكنّها "تخريجة" لا تصمد طويلاً.
وفي كلّ الأحوال، وفي انتظار إتضاح معالم التوازن الدولي والعربي الرادع للنظام السوري، وفي انتظار نتائج الحراك الداخلي، ثمّة ما تؤكّده أكثرية 14 آذار: ما لم يؤخذ من الأكثرية بالاغتيال والقتل والترهيب لن يؤخذ بالتفاوض.. أي أنّ الأكثرية لن تسلّم أكثريتها وستمارس حقّها إن عُطّل "التوافق".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.