8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أسابيع ثلاثة لـ"الفرصة الأخيرة"

بتأجيل جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية أمس إلى الثاني عشر من تشرين الثاني المقبل، يمكن القول إنّ الأسابيع الثلاثة المقبلة هي أسابيع "الفرصة الأخيرة" لإنجاز الإستحقاق الرئاسي "توافقياً".
على أنّ الجدير بالملاحظة هو أنّ مرحلة الأسابيع الثلاثة هذه تبدأ وتستمر وسط تطورات محلية وخارجية مهمة أو بالغة الأهمية مما يقتضي الإحاطة بها.
تحرّك الجنرال و"تموضعه"
على الصعيد المحلي، لا شكّ أنّ التطوّر السياسي الأبرز، يتمثّل في التحرّك الذي بدأه الجنرال ميشال عون منذ بضعة أيام ويستكمله في الأيام المقبلة باتجاه 14 آذار بطيفَيها المسيحي والمسلم، وهو التحرّك الذي يبدو منه أنّ الجنرال قرّر القيام بحركة "تموضع" جديد على الخارطة السياسية.
وأهمية هذا التحرّك أنه أول اختراق من نوعه لـ"خطوط التماس" السياسية والميدانية منذ أن "نُصبت" هذه الخطوط قبل نحو عام من الآن. ذلك أنّ كلّ اللقاءات التي إنعقدت خلال هذا العام، خاصة اللقاءات بين الرئيس نبيه بري ورئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري كانت بمثابة لقاءات "الحوار التفاوضي". ثمّ إذا كان صحيحاً أنّ لقاءات أخرى جرت على قاعدة "ذهاب" بعض أركان 14 آذار عند الطرف الآخر، فإنها المرة الأولى التي "يأتي" مسؤول في "المعارضة" عند 14 آذار، أي المرّة الأولى التي يبادر مسؤول معارض إلى مخاطبة 14 آذار "وجهاً لوجه".
إختراق جيد لـ"خطوط التماس"
بطبيعة الحال، إنّ لتحرّك الجنرال أسباباً سياسية عدة جرى التوقف عندها غير مرّة سابقاً، وفي مقدّمها ما يمكن تسميته أزمة وجود الجنرال وتياره في هذا الموقع المعارض بالتحديد، وأزمة العلاقة بأطراف "هذه المعارضة".. أي أنّ ثمّة إشكالية سياسية أوجبت بحث الجنرال عون عن "تموضع جديد". غير أنه سيكون من الخطأ التعامل مع تحرك رئيس "التيار الوطني الحر" على أنه "تغيير كامل" مثلما سيكون فادحاً التعامل معه بالتقليل من معانيه. فكما انّ محاولة تلمّس موضع "مختلف" تفرضها ضغوط أزمة أو إشكالية معيّنة، فإن "التغيير الكامل" ـ إذا جاز التعبير ـ تمنعه ضغوط إعتبارات اخرى. ولذلك فهو "تغيير جزئي" لكنّه ايجابي.
إذاً، إنّ نتيجة هذا التحرّك حتى لو لم يفضِ إلا إلى اختراق "خطوط التماس"، أي حتى لو لم يتوصل إلى اتفاق "محدّد" مع الآخرين، هي انّ "الفتنة المسيحية ـ المسيحية" التي كان يجري التخويف منها وبها سقطت سياسياً.. و"عملياً".
على الصعيد المحلي، يمثّل هذا الأمر معطىً إيجابياً تبدأ به أسابيع الفرصة الأخيرة وتستمرّ به أيضاً.
بكركي وتعزّز الدور
ونتيجة لذلك، أي بفعل إتجاه الساحة المسيحية نحو الهدوء واستعادة قدر من "المنطق" في علاقات أطرافها بعضها بالبعض الآخر، فإنّ دور البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير سوف يتعزّز. من المُفترض ألا يعود في حالة توجّس وخوف من فتنة على الساحة المسيحية، كما من المُفترض ألا يخيفه إختلاف سياسي أو حتى "إنقسام" سياسي طالما أنه مضبوط سلمياً، ومن المُفترض أيضاً أن يتشجّع لجهة متابعة جهده على صعيد "إعادة تأسيس" لبنان وترسيخ الشراكة المسيحية.
"حزب الله" ومحاولة "فرملة" الجنرال... والتصعيد
في هذه الأثناء، محلياً أيضاً، وفيما يُفترض ألا يشكّل تحرّك رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" باتجاه 14 آذار سبباً لأيّ "إنزعاج" من جانب "حزب الله"، على إعتبار انه ـ أي الحزب ـ إما على معرفة مسبقة بتوجه عون الانفتاحي، وإما ليس في خطر من هذا التحرّك، لأن الجنرال يمكن أن يكون "جسراً" بينه وبين الأكثرية، برز معطيان لافتان صادران عن "حزب الله" في موازاة تحرّك عون.
الأول تمثّل في مسارعة "حزب الله" إلى "تسريب" خبر مفاده أنّ الحزب أودع ترشيح الجنرال إلى رئاسة الجمهورية لدى البطريرك صفير. واللافت هنا أنّ هذا "التسريب"، أتى متزامناً مع لقاء عون بالرئيس أمين الجميل، وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه عون عن لقاء قريب مع سعد الحريري وآخر "ممكن" مع رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط وثالث "محتمل" مع رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية". لكأن الحزب يحاول أن "يفرمل" انفتاح الجنرال عبر "إغرائه" بترشيحه في وقت يعرف الجنرال أنّ "هوى" الحزب ودمشق ليس "هوىً عونياً".
"المعارضة" وحصر التوافق بسليمان
أما الثاني فيتمثّل في التصعيد المتتالي لـ"حزب الله" تارةً بعنوان "الخطط الجاهزة للتنفيذ" وتارة أخرى حول مواصفات "الرئيس التوافقي". لكأن الحزب يستاء من أي لقاء أو إنفتاح، ولكأنه يعلن أن "الحل والربط" مسألة حصرية في يده.
محلياً إذاً، يحصل تحرّك عون في موازاة تصعيد متزايد من قِبَل "حزب الله"، لكنه يحصل أيضاً فيما تتجه "المعارضة" ودمشق الى حصر "الرئيس التوافقي" بقائد الجيش العماد ميشال سليمان. وذلك يعني، بصرف النظر عن مواصفات سليمان أن جزءاً من "المعارضة" ـ غير عون ـ يتجه الى تضييق الخيارات وحصرها.. ربما ليعود الى التهديد بالفراغ، وكل ذلك من غير التوصّل الى تسوية سياسية تظلل الاستحقاق الرئاسي.
الضغط الدولي والعربي
على خط موازٍ، من الواضح أن الضغط الخارجي، العربي والإقليمي والدولي إلى تصاعد خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة. وهدف هذه الضغوط ليس خافياً، وهو منع النظام السوري مباشرةً أو عبر حلفائه من تعطيل الاستحقاق وإحداث الفراغ، أي تحرير الاستحقاق من نظام الأسد لتمكينه من الحصول.
الاتحاد الأوروبي حدّد موقفه ووجه رسالة سياسية قوية وكان واضحاً في تأكيد أن الاستحقاق يجب أن يحصل وسيحصل وسيكون محميّاً. تركيا "نصحت" النظام السوري بتوقّع "مشاكل" فيما لو استمر في التخريب في لبنان. والمجتمع الدولي، بدوله الرئيسية، أنذر دمشق من عواقب سلوكها في لبنان، ولم يعد سراً أن القرارين 1559 و1701 في طريقهما الى "التشديد" في غضون أيام وصولاً الى فرض عقوبات على "المخرّب". والشرعية العربية، أي الدول الرئيسية في النظام العربي تتحرّك لمنع نظام الأسد من إسقاط لبنان.
الفرصة حتى 12 تشرين الثاني
إلامَ تقود كل المقدّمات الآنفة؟
لا شك أنها تقود الى استنتاج أن ثمة وضعاً سياسياً محلياً "يتحرك"، وبـ"تحرّكه" هذا الذي حقّق انفراجاً "أمنياً" على الصعيد المسيحي إنما يضيّق على خيار التصعيد لدى "المعارضة"، وعلى الأقل فإنه "يزركها" حتى لو صعّدت ويضعها وجهاً لوجه أمام سيناريوات كان ولا يزال من مصلحتها إستبعادها.
كما لا شك أن الوضع الخارجي "يتحرّك" وبسرعة.
وهذا يعني، أمام وضعين متحرّكين محلي وخارجي، أن في إنجاز الاستحقاق الرئاسي خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة مصلحةً للجميع. ويعني أن التوافق على إنجازه خلال هذه الفترة أمام فرصة أخيرة، لأن الأمور بعد الثاني عشر من تشرين الثاني تدخل مرحلة "حاسمة" بالنسبة الى الجميع أيضاً.
وموافقة 14 آذار عبر سعد الحريري على تأجيل جلسة أمس توافقياً تعني بالضبط أنها أعطت نفسها والآخرين فرصة أخيرة فعلاً علَّ إدراك المخاطر يغلّب لدى جميع الأطراف حسّ المسؤولية عن البلد. وبهذا المعنى فإن هذه الفرصة الأخيرة تحتمل ـ بسهولة ـ إمكان التوصّل الى تسوية يمليها حسّ المسؤولية لتجنيب لبنان سيناريوات "المواجهة". والأكيد في جميع الأحوال هو أن 14 آذار ستستخدم أكثريّتها لمصلحة تسوية جدّية.. وضدّ الفراغ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00