شيئاً فشيئاً تتّضح اتجاهات الوضع الإقليمي، حيثُ لم يعُد جائزاً القول أنّ "النار تحت الرماد" في المنطقة، بل إنّ المنطقة على فوّهة بركان "قيد الانفجار".
إستقالة لاريجاني وتهديدات "الحرس الثوري"
أول من أمس، إستقال المسؤول عن الملف النووي الإيراني علي لاريجاني، وتمّ استبداله فوراً بسعيد جليلي. لم تتعدّد التفسيرات لهذا "الحدث" بل أجمعت على إعتبار أنّ لاريجاني المستقيل كان يمثّل اتجاهاً "معتدلاً" ضمن جناح "المتشدّدين"، وأنّ المعيّن جليلي هو من أنصار المزيد من التشدّد الذي يمثّله الرئيس محمود أحمدي نجاد. وكذلك، أجمعت على إعتبار أنّ لاريجاني كان يمثّل توجهاً إلى "نوع" من التسوية مع أوروبا، في حين أنّ الآتي مكانه هو نجاد "شخصياً"، ومهمّته إغلاق باب أيّ نوع من أنواع التسوية.
تزامن هذا "التغيير" الذي يتضمّن جوانب أكثر تعقيداً على الصعيد الداخلي الإيراني، مع تهديدات من "الحرس الثوري" بإطلاق أحد عشر ألف صاروخ على "العدوّ" في "الدقيقة الأولى" إذا هوجمت إيران.. وذلك بالرغم من أنّ وزير الخارجية منوشهر متكي كان يؤكد من إقليم "هرات" الأفغاني "الشيعي" أنّ الولايات المتحدة أعجز من أن توجّه ضربة عسكرية إلى إيران.
لا جدال في أنّ هذه "التطورات الإيرانية" تفيد أنّ "شيئاً ما" في طريقه إلى الحصول بين إيران والغرب.
تركيّا والمسألة الكرديّة.. وإيران
في مجال آخر، حدث تطوّر "بارز" أمس على صعيد المواجهة التركية ـ الكردية في منطقة شمال العراق وخسر الجيش التركي عدداً من جنوده. وإذا كان ثمّة جوانب متعدّدة أو أبعاد متعدّدة للمواجهة التركية ـ الكردية أو التركية ـ العراقية، فممّا لا شكّ فيه أنّ هناك جانباً لا يجوز إغفاله هو "إنزعاج" أنقرة من الدور الإيراني في العراق القائم الآن والذي يمكن أن يكون فيما لو أجلَت واشنطن قوّاتها من بلاد الرافدين.
فإيران هي الجهة الإقليمية الوحيدة التي استفادت من الحرب على العراق كما استفادت من غزو أفغانستان. ولتركيا بهذا المعنى حسابات إقليمية راهنة ومستقبلية.
"تناقضات الأسد" والحساب الإسرائيلي
في هذا الإطار، لا بدّ أنّ النظام السوري يجدُ نفسه في وضع صعب. فمن جهة أولى، هو حليف إيران لا بل حوّل سوريا إلى قاعدة إيرانية "متقدّمة". لكنه من جهة ثانية، يحرص على علاقاته بتركيا، وهي قوّة إقليمية حدودية وحليفةٌ أطلسية للولايات المتحدة، لحسابات إسرائيلية أيضاً.
ليس خافياً على الإطلاق أنّ هلعاً أصاب نظام الأسد جرّاء الغارة الإسرائيلية الشهر الماضي على منطقة سورية قريبة من الحدود مع تركيا. وإذ تأكد له أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي المُغير مرّ "من" تركيا، هرع بشّار الأسد بنفسه إلى أنقرة الأسبوع الفائت بعد أن كان أوفد في وقت سابق وزير خارجيّته وليد المعلّم. وإذا كان من غير الضروري معرفة التفسير التركي لـ"مرور" الطيران الإسرائيلي من تركيا، فالمؤكد أنّ التأييد الذي عبّر الأسد عنه لحقّ تركيا في "الدفاع عن نفسها" كما تقول دمشق علماً أنّ تصريحه "الأول" عبّر عن تأييده لقيام تركيا بعملية عسكرية داخل منطقة شمال العراق، انما هو ـ أي التأييد ـ بمثابة "بيعة" سورية لحساب تركيا من ناحية في مسعى لا يمكن أن يكون خافياً لـ"توسيط" تركيا بينه وبين إسرائيل من ناحية أخرى.
وهنا، بالتوقّف قليلاً أمام المعطيات التي يجد النظام السوري نفسه "داخلها"، يتبيّن الآتي: إنّه حليف النظام في طهران ويراهنُ على المواجهة بين إيران والغرب، وفي الوقت نفسه "يؤيّد" تركيا "المنزعجة" من إيران في سبيل أن "يعبُرَ" منها إلى إسرائيل وإلى حماية إسرائيلية. إنّها رهانات "متناقضة" بالفعل، فـ"وضعه" ليس مجهولاً من تركيا "المخيفة" بالنسبة إليه، و"الحنان" الإسرائيلي تجاهه مرتبطٌ بالتوقّف عن التبعيّة لإيران (!).
الرهانات السورية "الأخرى"
إنّ هذه المقدّمات جميعاً تهدفُ إلى توصيف واقع حال النظام السوري، في ظلّ التقاطعات الإقليمية ـ الدولية الراهنة.
بيد أنّ ثمّة جانباً آخر من المفيد جداً تسليط الضوء عليه.
في هذا الجانب أن لا حدود لرهانات نظام الأسد. فمن نافل القول إنّه بالإضافة إلى الرهانات "المتناقضة" السابقة، "قد" يكون معتقداً أنّ ثلاثة عوامل أخرى تلعبُ لصالحه.
العاملُ الأول هو "الوقت" وفيه أنّ الإدارة الأميركية الحالية تدخلُ عامها الأخير، وفيه أيضاً أنّ تغييراً سيأتي بعدها.
والثاني هو "الخلاف" الروسي ـ الأميركي ـ الغربي العميق، الذي يتسرّع في قراءاته على أنه "إنشقاق" في المجتمع الدولي.
أما الثالث فهو فشل "مؤتمر الخريف" الذي دعت واشنطن إلى إنعقاده مطلع كانون الأول المقبل. وفي ظن نظام الأسد أن فشل هذا المؤتمر سينعكس اختلالاً في ميزان القوى الفلسطيني ـ الفلسطيني بحيث تتغلّب حركة "حماس" على السلطة الفلسطينية بما في ذلك في الضفة الغربية.
الأسد يبحث عن الوقت.. فيما الاستحقاقات داهمة
"مشكلة" النظام السوري مع هذه الرهانات مشكلتان. الأولى أنها خاطئة، إذ لا خلاف جمهورياً ـ ديموقراطياً في أميركا حول إيران ولبنان، ولا انشقاق دولياً "نهائياً" على الرغم مما هو ظاهر حالياً، ولا السلطة الفلسطينية في وارد الذهاب الى مؤتمر بلا ضمانات و"أثمان" أصلاً. أما المشكلة الثانية، فهي أن هذه الرهانات، حتى على افتراض أنها صحيحة، فإن مفاعيلها لن تظهر إلاّ في مدى زمني بعيد.
والتشديد على ذلك هو سبيل القول أن التطورات الجارية تضع النظام السوري في موقع "صعب" من ناحية وأن الرهانات بين "متناقضة" وخاطئة ومفاعيل طويلة الآجال من ناحية أخرى، فيما يواجه استحقاقَين داهمين لا يحتملان الوقت والآجال البعيدة.
والاستحقاقان الداهمان هما الاستحقاق الرئاسي اللبناني خلال فترة لا تتجاوز الشهر، والمحكمة الدولية خلال فترة حدّها الأقصى من ثلاثة الى أربعة أشهر من تعيين المدّعي العام الدولي الى تقرير رئيس لجنة التحقيق سيرج براميرتس إلى القرار الإتهامي.
من هنا، وبالانتقال إلى الإستحقاق الرئاسي في المباشر، يغدو لا مفرّ من القول أن النظام السوري هو بين أن ينجح في تعطيل هذا الاستحقاق قبل الرابع والعشرين من تشرين الثاني المقبل سواء عبرَ منع التوافق على حصوله أو عبرَ ترهيب الأكثرية من الإقدام على انتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة، وبين عدم القدرة بالمطلق على القيام بأي "ردّ" على حصول الاستحقاق بعد 24 تشرين الثاني.
المجتمع الدولي يزداد إهتمامه بلبنان
وإذا ما تمّ إمعانُ النظر في المعطيات، يتبيّن بوضوح أن المجتمع الدولي إتّخذ قراره بمنع التعطيل السوري للاستحقاق قبل انتهاء المهلة الدستورية في 24 تشرين الثاني، أي أن المجتمع الدولي "لن ينتظر" النظام السوري إلى 24 تشرين الثاني، ولن يكرّر تجربة القرار 1559 "بعدَ" التمديد، وسيعتبر التخريب بعد إنتخاب الرئيس عدواناً على دولة سيّدة ونظام ذي شرعية جزء من الشرعية الدولية.
المجتمع الدولي أخذ قراره. فـ"أهمية" لبنان كبلد ديموقراطي تزداد بعد كل التطورات الإقليمية. والاهتمام الدولي بلبنان الى وتيرة متصاعدة وليس العكس.
المجتمع الدولي أخذ قراره. حماية الاستحقاق ظروفاً ومهلةً مهمةٌ دولية. أما "التوافق" والانتخاب فشأن لبناني. وبهذا المعنى، فإن المعادلة واضحة: "تدويل" الضغط من أجل "لبننة" الاستحقاق. وبكلام أوضح، كي يكون "التوافق" أو "الانتخاب" ممكنَين لبنانياً، مزيدٌ من الضغط الدولي.
"الفرصة"
وعلى هذا الأساس، لا يحقّ لأحد أن يخطئ الحساب. فبقدر ما تبدو المنطقة على "برميل بارود"، بقدر ما يبدو أن ثمة فرصةً لإنجاز الاستحقاق الرئاسي بما يقي لبنان من النيران الإقليمية. ثمة فرصة لإنجاز استحقاق "لبناني" مدعوم دولياً، بعيداً من الرهانات الخاطئة. والوقت لم يفُت بعد للتوصّل الى قناعة مشتركة بذلك كلّه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.