8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" ظهره إلى الحائط

لم يتوقف "حزب الله" على مدى الأيام السابقة عن التهديد بـ"عظائم الأمور" ملوّحاً بـ"خطط جاهزة للتنفيذ" في حال أقدمت الأكثرية على انتخاب رئيس الجمهورية بالأكثرية المطلقة من الأعضاء الأحياء في المجلس النيابي أي "النصف زائد واحد". والمفارقة في هذا المجال، أنّ التهديد بـ"عظائم الأمور" تزامن مع تأكيد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه في "يوم القدس" أنّ "حزب الله لن ينجرّ إلى الفتنة" وقوله إنّ الفتنة خطّ أحمر. وهو هنا يقصد بلا شكّ الفتنة الشيعية ـ السنّية.
الحريري: الفتنة بالفراغ لا بالانتخاب
أول من أمس، ردّ "مصدر مقرّب جداً" من رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري على "حزب الله" في الزميلة "الحياة"، وكان الردّ من شقّين. الأول أنّ الفراغ في رئاسة الجمهورية هو الذي يؤدي إلى الفتنة وليس الانتخاب. والثاني أنّ هذه الفتنة لن تكون سوى سنّية ـ شيعية في الإطار "الموضوعي" للمعطيات اللبنانية.
الفراغ هو الذي يؤدي إلى الفتنة، بالضبط لأن الشغور في موقع رئاسة الجمهورية إذا أضيف إلى الصراع حول الحكومة وإلى "تسريح" المجلس النيابي بعد انقضاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس، يعني فعلياً أنّ الدولة والمؤسسات الدستورية باتت "معلّقة"، ويعني أنّ أمراً واقعاً سيفرض نفسه، وأنّ قوى أمر واقع ستحاول ملء فراغ الدولة.. على الأقل في مناطقها. وبما أنّ "حزب الله" هو الطرف الذي يمتلك مواصفات "قوة الأمر الواقع"، بل يمتلك "دولة موازية" تدلّ كلّ المعطيات على أن لا حدود لـ"أمنها"، وأنّ "أمنها" متمدّد في كل المناطق، وبما أنّ "حزب الله" هو "رأس الحربة" في مشروع "توأمة" دولته مع الدولة بما يتطلّبه هذا المشروع من تعليق للدولة والنظام، فإنّه يغامر بتصادم شيعي بدءاً من "محيطه السني" وانطلاقاً من العاصمة.
"الفتن البديلة"
على أنّ ما يجعل هذا الاستنتاج منطقياً وواقعياً وفقاً لما ورد في ردّ المصدر المقرّب من زعيم "تيار المستقبل"، هو أنّ "الفتن البديلة" مِن الفتنة السنية ـ الشيعية انهارت وسقطت. وليس خافياً في هذا السياق أنّ الفترة السابقة بما شهدته من أحداث سواء تعلّق الأمر باليومين الأسودين في 23 و25 كانون الثاني، وصولاً إلى تسليح مجموعات من طوائف مختلفة وتدريبها، مروراً بـ"مشروع الإمارة" في الشمال الذي أشعل فتيل أحداث مخيم نهر البارد، إنما كشفت عن "فتن بديلة" مسيحية ـ مسيحية أو سنيّة ـ سنّية أو درزية ـ درزية. لكن، كان واضحاً أنّ "الخطّ" الأساسي تمثل في التعويل على الصراع المسيحي ـ المسيحي، في رهانٍ من "حزب الله" على تغطية مسيحية يقدّمها الجنرال ميشال عون من جهة وعلى اصطدام الجنرال بالوضع السياسي المسيحي الآخر من جهة أخرى. فالحزب يعلم أنّ الملحقات السنّية والدرزية لا تحدث "تلويناً" في المشهد وتُعدّ في "الحساب الشيعي" في نهاية المطاف، فضلاً عن طبيعتها الأقلوية جداً في بيئاتها.
سقوط الفتنة المسيحية ـ المسيحية
ثمّة جديد على هذا الصعيد، هو سقوط "الفتنة البديلة" المسيحية ـ المسيحية.
صحيحٌ أنّ ما يسمّى "الانقسام السياسي المسيحي" قائم. بيد أنّ عوامل عدة تجعل الجنرال عون "أقل اندفاعاً" مع "المعارضة" وتهديداتها.
شيئاً فشيئاً يتلاشى الطموح الرئاسي للجنرال في "قرارة نفسه" على الأقل. ويوماً بعد يوم يتلمّس خيانة حلفائه. واكتشف أخيراً بـ"العين المجرّدة" أنّ "المعارضة" والنظام السوري لا يرشّحانه ولا يريدانه رئيساً. وحثيثاً أيقن الجنرال أنّ القرارات والإجراءات التي تتخّذ في واشنطن تصيبه وتصيب مصالح شريحة كبيرة من المؤيدين. وتلمّس أنّ الشارع المسيحي، بوصول الأزمة اللبنانية إلى مرحلتها الحادة الحالية، ليس مستعداً لتقبّل أي تهوّر يصيب المسيحيين ودورهم في الصميم.
صفير يطرح المسألة "الوجودية"
فالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وضع أول من أمس إصبعه على الجرح فقال الكلام الأهمّ حتّى الآن عن الاستحقاق الرئاسي وأهميته مسيحياً. ليس كلامه عن واجب تأمين النصاب هو الأهمّ ولا اعتباره المقاطعة مقاطعةً للوطن. قال إنّ عدم إنتخاب رئيس جديد للجمهورية يؤثر على "الوجود" المسيحي. وعليه فإنّ الاستحقاق الرئاسي كما يراه البطريرك مسألة وجودية للمسيحيين. وأن يكون الأمرُ كذلك فمعناه أنّ رأس الكنيسة يحذّر في العمق من إفراغ البلد من مسيحييه ويحذّر من سقوط "الصيغة".. أي من سقوط الكيان.
لهذا الكلام البطريركي صدى كبير في الشارع المسيحي ومن ضمنه "الشارع العوني". لا ينفع أي تبرير لتعطيل الاستحقاق وحتّى لتأجيله فكيف إذا كان يتّضح أكثر فأكثر أنّ هدف "المعارضة" والنظام السوري عدم إجراء انتخابات الرئاسة بـ"المطلق"؟.
في وسع الجنرال أن "يساير" الحلفاء بـ"الموقف" السياسي إلى حين أو أنّه "مضطّر" إلى هذه "المسايرة". لكن الموعد مع "الحقيقة" يقترب بسرعة.. ولن يدخل الجنرال في اصطدام داخل البيئة المسيحية للاعتبارات الآنفة مجتمعةً، وهو لن يفرض على نفسه وتيّاره ومناصريه الدخول في اختبار مصيريّ ووجوديّ.
إنّ سقوط "الفتنة البديلة" المسيحية ـ المسيحية يعني في السياسة المباشرة أنّ "ظهر حزب الله" أصبح "على الحائط". والسؤال بعد ذلك هو الآتي: هل يُغامر؟.
جانبٌ "تهويليّ"
على أنّ ثمّة جانباً سياسياً آخر لموضوع التهديد بـ"عظائم الأمور" في حال أقدمت أكثرية 14 آذار على انتخاب رئيس الجمهورية "بالنصف زائد واحد".
فإذا كان كلّ ما تقدّم ذكُره يندرجُ في خانة التنبيه من الفراغ ومخاطر "الفتنة" بالتوازي معه، وفي خانة تنبيه "حزب الله" بالتحديد من أن يجد نفسه "ظهره الى الحائط"، فإنّ استبعاد "التهويل" بالمطلق غير ضروريّ وغير مجدٍ. بأيّ معنى؟
يعرفُ النظام السوري كما يعرف "حزب الله" أنّه ـ وأنهما ـ يملكان وسائل عدّة لـ"الضغط" لكن النظام في سوريا يعرفُ في الوقت نفسه أنّه يفتقد "ورقة" أساسية في الاستحقاق الرئاسي هي ورقة الأكثرية المطلقة أي "النصف زائد واحد". ويعرف أكثر أنّ ما بعد انتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة "وضعاً آخر" أو "وقائع" أخرى.
نجاح التهديد بتأثيره على الأكثرية
لذا يتراءى للكثيرين أنّ نجاح التهديدات بـ"عظائم الأمور" في حال الانتخاب "بالنصف زائد واحد"، يتوقّف على خوف الأكثرية من هذه التهديدات وعلى "إقتناعها" بعدم الإقدام، أي أنّ "النجاح" يبدو مرتبطاً بـ"تأثير" التهديدات على الأكثرية. لكن إن هي أقدمت بالفعل يُسقط في يد المهدّدين. ولذلك فإنّ هذه الورقة "ثمينة" ليس فقط من زاوية كونها حقاً دستورياً "قابلاً للاستخدام"، بل لأنّ هذه الورقة صالحة لأن توضع موضع التنفيذ.
هكذا إذاً، فإنّ "المعارضة" الحليفة للنظام السوري، و"حزب الله" أساساً، بين المغامرة بفتنة شيعية ـ سنّية و"الظهر إلى الحائط"، وبين بدء التفكير جدّياً بمرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية، بالتأسيس منذ اللحظة لحوار جدّي حول المرحلة المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00