8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يؤكّد الربط الإقليمي

في ما هو بعيد "نسبياً" عن الإستحقاق الرئاسي، أتت عملية التبادل "الجزئية" التي جرت قبل يومين بين "حزب الله" وإسرائيل لتثير سيلاً من الأسئلة التي لم يقدّم عنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله أجوبة "شافية"، بل جاءت إطلالته التلفزيونية في هذا الموضوع لتزيد الأسئلة تعقيداً.
مفاوضات وتبادل بين طهران وبرلين
كان لافتاً بالفعل انّ مفاوضات التبادل على خطّ "حزب الله" ـ إسرائيل "تحرّكت" بالتزامن مع مفاوضات موازية على خطّ إيران ـ ألمانيا.
في ألمانيا، كانت السلطات تعتقل الضابط في المخابرات الإيرانية كاظم درابي واللبناني عباس رحيّل الذي عُرّف ألمانيّاً على انه "شريك" الضابط، أي انّه إمّا "ناشط" في المخابرات الإيرانية وإمّا عضو في أحد أجهزة "حزب الله" وإمّا الاثنان معاً. وهذان الشخصان الإيراني واللبناني أوقفا بعد أن دينا باغتيال معارضين إيرانيين في العاصمة الألمانية برلين. وفي المقابل، كانت إيران تعتقل ألمانياً في طهران لم تعرف "تهمته".
دارت مفاوضات تبادل إيرانية ـ ألمانية في هذا الخصوص. ثمّة سبب سياسي واضح يحفّز طهران على ذلك. فإيران التي تشعر بانّ الخناق الدولي يضيق عليها على خلفية ملفها النووي، ترغبُ في فتح ثغرة في الجدار أوروبياً، أو هي على الأقل ترغب في كسب مزيد من الوقت في ملفها. والتجربة الإيرانية في استخدام عناوين من هذا القبيل (أسرى أو مخطوفون)، تجربة زاخرة بغضّ النظر عن النجاح السياسي أو عدمه. المهمّ انّ مفاوضات حصلت وعند بلوغها نقطة حاسمة، طالبت إسرائيل عبر عائلة الطيّار المفقود رون أراد ألمانيا بعدم إطلاق الإيراني واللبناني إلا لقاء الكشف عن مصيره أي تحديده نهائياً. وقبل أيام قليلة، وتزامناً مع عملية التبادل الحزب اللهية ـ الإسرائيلية، أعلن عن إطلاق اللبناني عباس رحيّل. قد يكون الإيراني درابي والألماني المعتقل في طهران أطلقا أيضاً، لكن ليس ثمّة "خبرٌ" معلن في هذا الشأن.
أخذاً في الاعتبار هذه المسألة وهذا التزامن، يمكن بسهولة استنتاج ليس فقط انّ المعلومات التي تطلبها إسرائيل عن أراد قد أعطيت لها، إمّا من الجانب الإيراني مباشرة عبر ألمانيا أو بواسطة "حزب الله"، بل يمكن استنتاج انّ الايقاع الإيراني فرض نفسه على "حزب الله".
تجربة "إيران ـ كونترا"؟
مِن هنا، فانّ السؤال "المتشعّب" الذي يطرح نفسه هو الآتي: هل يتولى "حزب الله" التفاوض مع إيران أو نيابة عنها في مواضيع إيرانية؟ وهل انّ التبادل بينه وبين إسرائيل هو ملف فرعي من ملف أصلي؟ أم انّ اللبناني الذي كان معتقلاً في ألمانيا "ثمين" جداً لـ"حزب الله"؟ أم ترى انّ إيران التي تشعر بالضيق في علاقتها بالمجتمع الدولي تحاول فتح كوّة إسرائيلية، وهذا ليس مستغرباً لا في تجربة بعض أنظمة المنطقة "الشديدة القومية" ولا في التجربة الشهيرة "إيران ـ كونترا" في الثمانينات من القرن الماضي خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية؟
تبادل مزدوج "حزب الله" ـ "حماس"؟
بالتوغّل في التحليل والأسئلة، يلفت في الإطلالة المقتضبة للسيّد نصرالله أول من أمس، مروره "السريع" على بعض جوانب مفاوضات التبادل، وقوله انّ الحزب طرح على الجانب الإسرائيلي عبر "الوسيط الدولي" موضوعَي الديبلوماسيين الإيرانيين الذين خطفوا في لبنان العام 1982 وسلّموا إلى إسرائيل، والأسرى الفلسطينيين.
طبعاً، وردت الإشارة إلى هذين الموضوعين في صيغة يُمكن أن تُفهم في أحد اتجاهَين. فإمّا انّ الموضوعين طُرحا لرفع سقف المفاوضات عند "بداياتها"، وإمّا انهما طُرحا بوصفهما شرطين لإتمام التبادل "الكبير".
وفي هذا السياق، تجدرُ الإشارة إلى انّه من اللافت أن يتزامن التفاوض على الأسرى ـ الفلسطينيين ـ مع مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية، أي بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، تتناول "المسار" الفلسطيني بأوجهه كافة. ويحصل هذا الأمر ـ على أبواب "مؤتمر الخريف" ـ فيما تعاني حركة "حماس" من مأزق سياسي نتيجة ما حدث في قطاع غزّة منذ حزيران الماضي من انفصال عن السلطة، وفي وقتٍ لا يخفى انّ "حماس" بحاجة إلى "منشّطات" سياسية من ناحية وإلى ربط نزاع على قاعدة الازدواجية مع السلطة الفلسطينية من ناحية ثانية.
من هنا، فانّ السؤال "المتشعّب" الآخر الذي يطرح نفسه هو الآتي: ما علاقة التبادل بين "حزب الله" وإسرائيل بالديبلوماسيين الإيرانيين الأربعة؟ وما علاقة التبادل بالأسرى الفلسطينيين؟ وهل ثمّة "تخطيط" لعملية تبادل مزدوجة حزب اللهية ـ حمساوية مع إسرائيل؟ وماذا يعني سياسياً دخول "حزب الله" على خطّ النزاع الفلسطيني ـ الفلسطيني في هذه المرحلة؟.
لا شكّ انّه يمكنُ الاسترسال طويلاً في التحليل وطرح الأسئلة الكثيرة. غير انّ ما يلفت في الكلام الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" إيحاؤه بـ"التفاؤل" بمجرى المفاوضات الدائرة "غير الموسمية وغير المتقطّعة والحثيثة" كما قال، وتوقّعه إمكان وصولها إلى خواتيمها في مدى "منظور".
ربطٌ إقليمي لا إقفال لـ"الملف" اللبناني
هذا "التفاؤل" إذا كان مستنداً إلى قبول إسرائيلي بـ"قواعد الصفقة"، فانّه يعني انّ ثمّة احتمالاً لأن يكون "شيء ما" إيراني يتحرّك على مستوى العلاقات الإقليمية لإيران. وهذا أمرٌ إذا كان لا يمكن استبعاده بشكل "مطلق"، فانّه ليس واقعياً من ضمن المعطيات المعروفة القائمة. وفي هذه الحال، يغدو تفاؤل نصرالله "إعلامياً".. أي انّه "يكبّر الحجر" حتى إذا حصلت عملية تبادل "متواضعة" قياساً إلى المطالب المطروحة في إطار التفاوض، كان في وسعه أن يعد بالمتابعة، والأهم بالنسبة إليه انّه يكون "استعاد" صورة القائد العربي ـ الإسلامي الذي وحده يستطيع أن يحرّر الأسرى الفلسطينيين والعرب، صورة "المقاومة" نيابة عن العرب والمسلمين، وهي صورة لا شكّ انّها أصيبت بخدوش كبيرة جرّاء الغرق في "الزواريب اللبنانية".
في جميع الأحوال، أوصل السيّد الرسالة التي تقول انّ ثمّة ربطاً عنده بين "الملف" اللبناني وملفات إقليمية اخرى. وفي جميع الأحوال أيضاً، فانّ "التفاؤل" الذي أبداه لا يحجب حقيقة انّ مفاوضات التبادل قد رُبطت من جانب "حزب الله" بـ"أطراف ثالثة" ورُبطت بعناوين متعدّدة، ممّا يمكن أن يعتبر تعقيداً لها. فاذا قبلت إسرائيل يكون الحزب حقّق إنجازاً "إقليمياً"، وإن لم تقبل ليس ثمّة ما يخسره، فهو يحقّق إنجازاً أقل دويّاً، ويربط نزاعاً حول المسائل التي وضعها على "الطاولة".
لذلك، فانّ السؤال "المتشعّب" الأخير في هذا المجال هو: ماذا يفعل "حزب الله" في إطار مفاوضات التبادل؟ هل هو في صدد إنهاء "الجانب اللبناني" من النزاع مع إسرائيل المتعلّق بالأسرى والمعتقلين أم هو في صدد آخر؟ هل هو في معرض "إقفال" صفحة أم "فتح" صفحة أخرى؟.
"حزب الله الإقليمي" في الواجهة
عوداً على بدء، انّ حرص الأمين العام لـ"حزب الله" على وضع عملية التبادل "الجزئية" الأخيرة في إطار "مبادرات حسن النوايا" و"الجانب الانساني"، لا يلغي واقع انّ هذه العملية "مليئة" بالسياسة. واذا كان ما تقدم عرضُه إعتنى باستكشاف الابعاد السياسية، فانّ هدفه الرئيس هو التذكير مجدّداً بأنّ المسألة ـ الإشكالية المطروحة اليوم في البلد هي "حزب الله الإقليمي" بالايقاع الإقليمي الايراني في جانب والسوري في جانب آخر. ففي وقت يعرب شطر مهم من اللبنانيين عن توقهم الى فصل لبنان عن الوضع الاقليمي، يأتيهم الجواب ومن السيّد نصرالله بالتحديد بانّ ذلك "غير وارد".
"الفتور الأكثري"
فلماذا إذاً "يعتب" الحزب تارة ويغضب قادته تارة اخرى لأنّ فرقاء الأكثرية لم يباركوا له التبادل الأخير؟ وكيف أصلاً يريدهم أن يباركوا وكلّ هذه الأسئلة والإشكاليات مطروحة؟.
بطبيعة الحال، كثيرةٌ هي اعتبارات "الفتور الأكثري". ليس لأنّ التفاوض تمّ من خلف الدولة، ومن "دولة حزب الله" إلى "دولة إسرائيل" مروراً بـ"دولة ألمانيا" وعبر المنظمة الدولية مباشرة . وليس لانّ "حزب الله" يعطي بادرة "حسن نيّة" تجاه العدّو ولا يعطيها تجاه الداخل اللبناني. وليس لانّه يتضامن مع الكلّ إلاّ مع اللبنانيين الآخرين. فـ"الفتور الأكثري" مردّه إلى انّ أمام ناظريه كلّ المشهد الذي جرى تظهيره آنفاً: في خضّم الإستحقاق الرئاسي، المصيريّ بالنسبة إلى لبنان، وبدلاً من أن يسلك الحزب دروب "اللبننة" يُشهر تعاطيه "الفوق لبناني" من دون أي اعتبار للداخل.. أي لسائر اللبنانيين.
ماذا عن الأمم المتحدة والدولة اللبنانية؟
..وبـ"المناسبة" ختاماً، إذا كان تعاطي "حزب الله" حيال الدولة معروفاً بـ"التفصيل المملّ"، كيف يحقّ لـ"وسيط الأمم المتحدة" حتّى لو كان ألمانياً أي معنياً مباشرة بالعملية كون بلاده طرفاً فيها، أن يجهّل الحكومة اللبنانية بالمجريات؟. كيف للأمم المتحدة المسؤولة عن قرارات دولية تؤكد على دعم الدولة اللبنانية أن تتجاهل إطلاع الحكومة على موضوع بهذه الأبعاد؟ كيف كلّ ذلك وإن كان أحدٌ لا يجهل انّ علاقة الأمم المتحدة بـ"حزب الله" مفيدة من أجل تطبيق القرار 1701 ومن أجل "حماية" قوّات "اليونيفيل" المنتشرة جنوباً؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00