8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

معركةُ 14 آذار "سياسية" وليست "رئاسية"

قبل بضعة أيام، وفي حديث إلى صحيفة تونسية، أعلن رئيس النظام السوري بشار الأسد أنّ "لبنان لن يستقرّ في المستقبل القريب". وعزا إعلانه هذا إلى أنّ "بعض القوى في لبنان يربط مصير البلد بالصراعات الإقليمية". وإذ قال إنّ "القوى المسيطرة حالياً على مقاليد الحكم في لبنان هي في جانب إسرائيل والخارج"، أمل أن "يُحسم هذا الأمر خلال الأشهر المقبلة"، ملاحظاً أنّ "لبنان استقرّ في مرحلة تبعت اتفاق الطائف عندما أخذ التوجه العربي ودعَم المقاومة".
بهذه الكلمات، أوضح الأسد "سياسته" في لبنان: منعُه من الاستقرار والتدخل فيه لـ"حسم" توازن قوى الحكم في صالح التوجه السوري.
قال الأسد قوله بلا لفّ ولا دوران، فأكد ما تقولُه 14 آذار عن سياسة النظام السوري. غير أنّ هذه "الكلمات" كانت موضع تعليق مصادر ديبلوماسية أوروبية.
أوروبا تعيد "إكتشاف" الأسد
في هذا المجال تقول المصادر الديبلوماسية الأوروبية إن عدداً من دول أوروبا "كان" يعتقد أنّ لسوريا دوراً في الحلّ في لبنان، وأنّ هذا الدور يتمثّل في عدم اعتراض نظام دمشق العملية السياسية اللبنانية خصوصاً لحظة بلوغها منعطفاً حاسماً يتجسّد في الاستحقاق الرئاسي.
و"كانت" تلك الدول الأوروبية على استعداد لفكّ العزلة الدولية عن النظام في سوريا إن هو توقف عن التخريب في لبنان.
لكن الديبلوماسيات الأوروبية "إكتشفت" أو هي ربما أعادت "إكتشاف" أنّ المعادلة التي طرحتها على نظام الأسد أي فكّ العزلة لقاء وقف التخريب في لبنان، ليست هي ما يطلبه بشار الأسد، لأن ما يطلبه بالفعل هو إسقاط المحكمة الدولية من جهة واستعادة النفوذ السياسي في لبنان من جهة أخرى. وبما أنّ أي دولة في المجتمع الدولي ليست في وارد هكذا "صفقة" وبما أنّ مُقترح فكّ العزلة هو الحدّ الأقصى باتجاه "إعادة تأهيل" النظام السوري لاكتساب عضوية الأسرة الدولية، فقد أتى الأسد في تصريحاته الأخيرة يعلن أنّ ممره إلى إسقاط المحكمة واستعادة النفوذ هو محاولة تغيير الوضع في لبنان، ما يقود بالضرورة إلى ضرب استقرار لبنان.. وما يعني بالضرورة أيضاً تعطيل الاستحقاق الرئاسي.
من هنا، فإذا وُجدت في فترة من الفترات مقاربات متفاوتة أو مختلفة بين عدد من الدول الأوروبية من ناحية وأميركا من ناحية ثانية، فإنّ التفاوت والاختلاف زالا لصالح مقاربة موحّدة للوضع اللبناني في الإطار الإقليمي.
ثمّة قرار دولي مأخوذ بتحرير العملية السياسية اللبنانية مِن التخريب السوري. ثمّة قرار دولي مأخوذ بتحرير الاستحقاق الرئاسي مِن الضغوط التعطيلية للنظام السوري.
3 محاور دولية لـ"تحرير" الاستحقاق
وفي معلومات ديبلوماسية أنّ هذا القرار ـ الموقف الدولي سوف يتبلور أكثر فأكثر على ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول، بعد أن تمّت خلال الأسابيع الماضية إعادة التذكير بالقرار 1559 الذي يخصّ الاستحقاق الرئاسي وأموراً رئيسية أخرى أبرزها "سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية"، هو تفعيل هذا القرار الصادر أصلاً تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وفي الفصل السابع هذا، إجراءات متدرّجة لإلزام الدول المعنية بتطبيق قرارات الشرعية الدولية. ولذلك، ثمّة توجّه دولي إلى نوع من القرار المكمّل للقرار 1559، يتضمّن عقوبات على النظام السوري.
والمحور الثاني، في ضوء مراقبة المجتمع الدولي تطبيق القرار 1701 من ناحية، وفي ضوء تقرير بعثة التقصّي عن الحدود اللبنانية ـ السورية المشمولة بالقرار 1701 وبالقرار 1680 الذي يسبقه من ناحية ثانية، هو إخضاع تلك الحدود إلى مراقبة دولية، بما أنّه نجم عن "تسيّب" الحدود مع سوريا ليس فقط تهريبٌ للسلاح والإرهاب ممّا يضع القرار الدولي 1701 في دائرة الخطر، بل إعادة تسلّح داخلي وتشكّل ميليشيات تهدّد سلطة الدولة.
.. ومدعٍ عام أواخر الشهر الجاري
أمّا المحور الثالث فهو تسريع خطوات تشكيل المحكمة الدولية التي تمّ إنشاؤها تحت الفصل السابع بموجب القرار1757. جرى بتّ مقرّ المحكمة في هولندا، وثمّة توافقٌ دولي على موقع السجن الذي سيُحال عليه المتهمون، والتمويل جارٍ. والخطوة المركزية ستكون قبل نهاية الشهر الجاري، وهي تعيين المدّعي العام الدولي الذي يُفترض أن يتسلّم وثائق لجنة التحقيق الدولية والتقرير الأخير لرئيسها القاضي سيرج براميرتس، وأن يكون قادراً على الادعاء في غضون أسابيع.
وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المحاور الثلاثة تستند إلى قرارات دولية أقرّت إما بإجماع دولي أو بلا اعتراض من أي دولة في مجلس الأمن، وهي صدرت في حينها تحت عنوان التضامن الدولي مع لبنان ودولته، ومع استقلال لبنان وسيادة الدولة اللبنانية. ولا شكّ أيضاً أن وضع هذه القرارات موضع التفعيل أو التطوير، من شأنه أن يُقابل الضغوط التخريبية للنظام السوري في لبنان بضغوط دولية "مؤثرة". وهذا ما يعني في "السياسة" أن الاستحقاق الرئاسي هو على تقاطع "سباق" بين التعطيل السوري من جهة والتحرير الدولي المدعوم عربياً للاستحقاق من جهة ثانية.
وذلك كله يعني في "السياسة" أيضاً أن الموقف الدولي ـ العربي في محصّلته، إيجابي، وأنه ليس "متخلّفاً" عما يمكن أن يطمح إليه لبنان واللبنانيون المتطلّعون الى تكريس استقلال بلدهم. ولكن، ثمة أموراً لا بد أن تكون واضحة كي يزداد الدعم الدولي ـ العربي فاعلية.
معركة "سياسية" تعني الشرعيتين العربية والدولية
وفي طليعة الأمور التي لا بد أن تكون واضحة، أن المعركة التي تخوضها 14 آذار هي معركة "سياسية" وليست معركة "رئاسية". معركة "سياسية"، تشّكل الرئاسة أحد بنودها، ولا تختصرها المسألة الرئاسية.
إن 14 آذار تخوض معركة استكمال إنجاز استقلال لبنان. ومعركة قيام الدولة وسيادة الدولة. ومعركة تأكيد انتماء لبنان الى النظام العربي والشرعية الدولية. وليس في هذه العناوين ما يُفترض أنه يهزّ قواعد العيش المشترك بمرجعية اتفاق الطائف.
ولأنها كذلك، أي لأن المعركة هي بهذه العناوين، فهي يُفترض أن تعني بالنسبة الى النظام العربي والشرعية الدولية معركة "فاصلة" بين الاعتدال والتطرّف، النجاح فيها هو نجاح للاعتدال، والفشل فيها هو نجاح للتطرّف بكل أوجهه وأشكاله.
الاستحقاق "نتيجة"
ثم لأنها كذلك، فإن الاستحقاق الرئاسي في إطار هذه المعركة، هو لتكريس انتهاء الحقبة السورية، حقبة الوصاية السورية على كل شيء في لبنان، وهو لتكريس فصل لبنان عن صراع المحاور الإقليمية والدولية.. أي أن الاستحقاق هو "نتيجة" بهذا المعنى وليس "سبباً". وأكثر من ذلك، لا مبالغة في القول إن المشروع الذي تخوض به 14 آذار المعركة "السياسية" هو مشروع تسوية حقيقية بالعناوين المطروحة. فأن تكون العناوين الآنفة مندرجة في إطار "معركة"، لا يعني أبداً أنها ليست عناوين لتسوية لبنانية. وأن يكون "الطرف الآخر" معترضاً عليها بسبب تطرّفه أو إنشداده الى مشروع إقليمي بذاته، لا ينفي صفة التسوية عن تلك العناوين.. وإلاّ لغدا البحثُ بحثاً في "صفقات" لا تؤدي إلاّ الى مزيد من عدم الاستقرار.
الحزم في الوجهة "الأخيرة"
وإلى وضوح "سياسيّة" المعركة وفقاً للمعاني المشار إليها آنفاً، لا بد من نسبة "أعلى" من الحزم من جانب 14 آذار "مجتمعة".
و"الحزم" لا يعني التطرّف كما "التشدّد" لا يعني تطرّفاً.
صحيحٌ أن 14 آذار تُعطي فرصةً لـ"التوافق"، لا بل يجب أن تعطي "التوافق" فرصةً "كافية"، لأنها لا توصد الأبواب ولأنها بحُكم "لبنانيّتها" معنيّة بـ"كسب" الطرف الآخر إذا كان ذلك ممكناً. غير أن المضي في "مفاوضات التوافق" لا يُعفي من ترتيب "الوضع الذاتي" وحسم التوجه سلفاً في حال إستحال "التوافق". و"الفريق الآخر" يعمل أصلاً "على خطين"، مع إعطاء الأولوية لـ"خطّ المشكلة". و"الفريق الآخر" لا يخفي إستهدافه إرباك 14 آذار.
لذلك، لا بد أن يكون واضحاً أن 14 آذار ستبقى تعطي "التوافق" الحقيقي فرصته.. الى أن يتأكد أن البلد أصبح في "شوّال" ولم يعد في "رمضان"، لكن مع وضوح في القرار "الأخير"، وهو أن الفراغ لن يحصل وأن الرئيس الجديد سيُنتخب "مهما كلّف الأمر".
إن تطلّب الوضوح في "سياسيّة" المعركة من جهة والوضوح في الوجهة "الأخيرة" من جهة ثانية، ليس "تعجيزاً" بالتأكيد. ذلك أن 14 آذار بهذا الوضوح إنما تعيد الاعتبار الى "طبيعة" الصراع الذي تخوض وإلى موقع الاستحقاق الرئاسي من مجمل هذا الصراع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00