8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك وإلزامية "النصف زائد واحد" بعد 23 ت1

ليس في تصرّف موارنة 8 آذار حيال دعوة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الى اجتماع في بكركي لبحث الاستحقاق الرئاسي، ما يثير الدهشة أو الاستغراب. إنه التصرّف نفسه الذي تعتمده "المعارضة" إزاء من ليس منها، وإزاء المؤسسات الدستورية. إنه "التصرّف السوري" إيّاه. ولذلك يتأكد أكثر فأكثر أن التسمية الحقيقية التي تنطبق على "هؤلاء" الموارنة هي تسمية "مسيحيّو النظام السوري" بجناحيهم، العوني الوافد الى "السورَنة" بعد انتهاء موسمها، و"المخابراتي المعتّق" الذي استولى على التمثيل المسيحي طيلة حقبة الوصاية السورية على لبنان.
"مسيحيّو سوريا" و"غرفة العمليات"
مما لا شك فيه أن "غرفة عمليات" فُتحت منذ أن وجه البطريرك دعوته. ومما لا شك فيه أيضاً أن "غرفة العمليات" السورية ـ الحزب اللّهية اتخذت القرار نيابةً عن "هؤلاء" الموارنة كما تفعل دائماً منذ نحو ثلاث سنوات. و"على الأرجح" فإن "غرفة العمليات" هذه بنَت على اعتبارات عدة، وأهم هذه الاعتبارات أن الدعوة البطريركية مُحرجة لأن "الالتزام" أمام صفير غير ممكن. فالبطريرك سيُبلّغ موقفه الرافض تحت أي حجّة أو ذريعة مرور موعد الاستحقاق من دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي الاعتبارات أيضاً "بيعة" سورية ـ حزب اللّهية للجنرال فـ"قيل" له أن حضوره بدعوة "متساوية" مع مسيحيي الاستقلال، مسيحيي 14 آذار سوف يعني اعترافاً بأنه فريق مسيحي "عادي" وليس "الفريق المسيحي" من جهة وسوف يقلّل من شأنه مرشحاً رئاسياً تالياً من جهة ثانية. و"قيل" لهؤلاء جميعاً أن البطريرك الذي سيستعيد أمام الاجتماع النداء الثامن لمجلس المطارنة الموارنة، سيُسمع الحاضرين مطالبته بـ"إنهاء احتلال وسط بيروت"، وهذا أمرٌ غير وارد بما أن لهذا "الاحتلال" دوراً ووظيفةً في المرحلة السياسية ـ الأمنية المقبلة.
وبما أن رفض دعوة البطريرك رفضاً صريحاً "لا يخدُم"، قرّرت "غرفة العمليات" تنظيم اشتباك مع بكركي حول عناوين مختلفة. إشتباك حول الدعوات وعدم توسّعها الى "مجموعات سورية". إشتباك حول جدول الأعمال. وكل ذلك للردّ على الدعوة المحرجة وللتعطيل.
"الزيارة" المسائيّة والرقابة على الجنرال
طبعاً، لا بدّ من المسارعة إلى القول إنّ قيام الجنرال عون ورئيس "المردة" سليمان فرنجيّة بزيارة البطريرك مساءً، لا يغيّر في التقديرات الآنفة شيئاً.
فـ"الزيارة" تمّت بعد أن إكتشفت "غرفة العمليّات" انّ النتيجة الصباحيّة تعني فشلاً، بما انّ البطريرك في قوله "إسألوا غيري" عن تعطّل الإجماع زاد موارنة 8 آذار حرجاً على حرجهم. وبهذا المعنى فإنّ "الزيارة" المسائيّة هي محاولة تعويضيّة.
مِن جانب آخر، حاول "مسيحيّو سوريا" صباحاً تسجيل إعتراض على مرجعيّة بكركي والبطريرك، وهذا هو المعنى الفعليّ لـ"الإشتباكات" التي افتعلوها على "محاور" عناوين عدّة. وكانَ الجنرال "يأمل" في أن يقلب معادلة العلاقة بينه وبين البطريرك، على أساس مِن اعتقاده انّه هو المرجعيّة المسيحيّة السياسيّة، وكان يأمل أيضاً في أن يتمّ اللقاء بينه وبين رأس الكنيسة على قاعدة هذه المعادلة بالتحديد.
غيرَ انّ "غرفة العمليّات" التي منعت عون في فترة سابقة من اللقاء بزعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري وبرئيس "اللقاء الديموقراطيّ" النائب وليد جنبلاط، منعته من الذهاب إلى بكركي مساءً منفرداً فأرسلت سليمان فرنجيّة معه بما يمكّن من إبقائه تحت المراقبة ومن ضبط حركته.. أي انّ عون الذي "أعطى" لنظام الأسد الكثير من التغطية لـ"سياسته" لا يزال بحاجة إلى أن يكونَ "مُتابعاً".. فكيف إذا كانَ الموقف السوريّ ـ كالعادة ـ مزدوجاً، يقول للجنرال انهّ المرشّح فيما لا يمانع بآخر "إذا كانَ لا بدّ من رئيس"؟ وكيف إذا كان النظام السوريّ يكتفي من عون بـ"الوظيفة" ضدّ فريق 14 آذار؟. ولا تفسير لوجود سليمان مع عون إلاّ التفسير السالف، علماً انّ هذا الأخير كان أعلن انّه لن يذهب إلى بكركي التي وجَّه إليها الشتائم قبل نحو أسبوعين في آخر مقابلة تلفزيونيّة له.
إذاً، بين الردّ على الحرج بتعطيل الإجتماع صباحاً وبينَ الردّ على الفشل بالزيارة المسائيّة، يبدو أمر موارنة 8 آذار هوَ هوَ: قرارُهم عند بشّار الأسد. وما أعلنه الجنرال بعدَ "الزيارة" يُفهم منه انّه وفرنجيّة طرحا "الأزمة" في حين كان يُنتظر منهما الإلتزام بـ"الخروج" منها.
الرسالة وصلت.. واختبارات عمليّة
يمكن القول إذاً أن الرسالة، الرسالة السورية وصلت الى البطريرك أمس. ومؤدّاها أن النظام السوري هو من يقول للاستحقاق كُن فيكون ومن يقول له زُل فيزول.
بيدَ أن "تجربة" يوم أمس كانت مفيدةً جداً لسيد بكركي. إختبر بنفسه حقيقة أن قرار موارنة 8 آذار ليس في يدهم. واختبر بنفسه أساليبهم التعطيلية. واختبر بنفسه ما يمكن أن يكونه حال الاستحقاق.
البطريرك ليس في صدد "كلمة للتاريخ"
أما بعد. يخطئ من اعتقد أو يعتقد أن البطريرك دعا الى الاجتماع ليقول فيه "كلمة للتاريخ" ثم يمضي، أو أنه سيتوقف عند هذه "الحدود".
فعندما دعا الى هذا الاجتماع، أخذ البطريرك قراره بأن يكون اقتحامياً. من الطبيعي أنه كان سيقول لـ"موارنة سوريا" أمس كما سيقول لموارنة 14 آذار اليوم إن تأمين الاستحقاق الرئاسي واجب، وإن انتخاب الرئيس إلزامي "مهما كلّف الأمر". كان سيقول ويقول اليوم: توافقوا إذا أمكن، أو اختلفوا وتنافسوا ما شئتم لكن العبث بالرئاسة وموقعها ممنوع، لأن الرئاسة مسألة كيانية ميثاقية بامتياز.
صفير: الرئاسة المارونية والمسيحيون العرب
الآن، وبناءً على "تجربة" يوم أمس، صار لدى البطريرك "مخزون" مهم.
بات يعرف اليوم أكثر من أي يوم قبله أن مصدر الخطر على الاستحقاق الرئاسي هو 8 آذار، هذه "المعارضة" التي لا تفعل سوى تنظيم "قواعد الاشتباك" حول الاستحقاق، ولا تسعى الى إجرائه.
وإذا كان البطريرك بمواقفه حتى الآن شجّع على "التوافق"، فإنه اليوم وأكثر من أي يوم قبله "يحسّ" أن "التوافق" على لسان "المعارضة" إنما هو مصطلح يعني جعل الاستحقاق مستحيلاً. وفي "أحسن الأحوال" هو مصطلح "تلفيقي" بما يسمح للنظام السوري بأن يعود شريكاً في القرار اللبناني.
واليوم أكثر من أي يوم قبله، يعرف البطريرك أنه "كان" ولا يزال يدافع عن الرئاسة المارونية للجمهورية اللبنانية، ليس فقط لأنها ترمز الى موقع المسيحيين في الشراكة الوطنية أو الى المشاركة المارونية في النظام السياسي، بل لأنها في ما هو أبعد من ذلك، ترمُز الى مشاركة المسيحيين العرب انطلاقاً من مسيحيي لبنان، مع المسلمين في لبنان والمنطقة، في تقرير مصيرهم المشترك. وهذه رسالة الكرسي الرسولي في الاتيكان، وقد حمل توجهاتها الإرشاد الرسولي قبل أعوام من ناحية وعكستها مقررات المجمع الماروني العام الماضي من ناحية ثانية.
سيقولها حتماً: "النصف زائد واحد"
بعد "تجربة" يوم أمس، يُفترض أن البطريرك صار أكثر "حرية".
في الشهور الماضية، لم يكن خافياً أن رأس الكنيسة يرفض "حرق المراكب". وهو "تعمّد" إعطاء رأي في النصاب الدستوري بما "لا يكسر الجرّة" مع أحد ومن منطلق الحرص على أن يتم الاستحقاق الرئاسي. ثم اجتهد لإقناع الجميع بأن تأمين النصاب أياً يكن هو واجب وطني على النواب، ولإقناع الجميع بأن التوافق "محمود" لكن لا يصحّ أن يكون شرطاً مانعاً لحصول الاستحقاق. ثم، وفي الآونة الأخيرة، نأى عن الجدل الدستوري وعن التجاذبات، ليركّز على "مصيريّة" الرئاسة وتأثيرها على مصير الجمهورية والدولة والنظام.
من المنطقي أن يراقب البطريرك تصرّف النواب عموماً والموارنة خصوصاً حيال جلسة 23 الجاري.
ومن المنطقي أن يتابع "مفاوضات التوافق" بين الرئيس نبيه بري ورئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري "علّها" تُثمر وتُنتج اتفاقاً.
لكن البطريرك يُفترض أنه لن يقف مكتوف اليدين بعد 23 تشرين الأول، وعشية انتهاء المهلة الدستورية. والكلمة التي إستصعب قولها على نحو "مباشر" حتى الآن، لا بد أنه سيقولها في مرحلة ما بعد 23 الجاري: إنتخاب الرئيس واجب وبالأكثرية المطلقة المسمّاة "النصف زائد واحد".
"من قال"؟
وعلى أي حال، إذا حصل "توافق" يرضي 14 آذار كان به. وإن لم يحصل يُفترض أن تؤمن 14 آذار النصاب القانوني لجلسة 23، أي نصاب "النصف زائد واحد"، وأن تعتبرها جلسةً واجبة الانعقاد وأن تدعو الرئيس بري الى ترؤسها. وذلك كي يتم الانتقال بعدها من دورةٍ أولى الى الدورة الثانية. وعندئذٍ لن يتأخّر موقف البطريرك.
.. ثم من قال أن الأكثرية إذا حزمت أمرها، وكانت مدعومةً بموقف من سيّد بكركي، أن "النصف زائد واحد" فقط سيحضر الانتخاب عندئذ؟
غير أن السؤال الذي يُطرح هو السؤال المحدّد الآتي: هل سيبقى كل نواب كتلة الجنرال "بلا ضمير" حتى ذلك التاريخ ليقبلوا أن يأخذ الموارنة والرئاسة والبلد الى الجحيم؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00