كيف "يجب" النظر إلى "الخطوة" التي أعلنتها بكركي بعقد اجتماع ماروني على مرحلتين غداً الخميس وبعد غدٍ الجمعة؟
بدايةً، لا مفرّ من القول إنّ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي يعرف جيداً عمق الانقسام السياسي مسيحياً ـ ومارونياً بالتحديد ـ ليس في صدد ترؤس اجتماع ماروني وظيفته معالجة أزمة الانقسام السياسي المسيحي، بدليل انّ هذا الانقسام اضطرّه إلى جعل هذا الاجتماع على مرحلتين، يضمّ الأول مسيحيي "المعارضة" فيما يضمّ الثاني مسيحيي 14 آذار بعدما "فضّل" الفريق الأول الاجتماع مع سيد بكركي على انفراد بـ"حجة" انه سيكون أقلية في اجتماع موسّع. وعلى كلّ حال، سبق للبطريرك أن امتنع في مرحلة سابقة عن المجازفة بالدعوة إلى لقاء مسيحي موسّع على اعتبار انّ الظروف ليست ناضجة لإنتاج توافق سياسي مسيحي "عام" و"شامل".
البطريرك يذكّر بأنّ المقاطعة مرفوضة
إذاً، إنّ للاجتماع غداً وبعد غدٍ وظيفة بالعلاقة مع الإستحقاق الرئاسي الداهم، وبالمواقف التي صدرت عن الكنيسة المارونية عظاتٍ بطريركية وبيانات شهرية لمجلس المطارنة ونداء ثامناً.
في هذه المواقف التي صارت معروفة انّ رئاسة الجمهورية مسألة لبنانية "عامة" لكنها قبل ذلك مسألة مسيحية "خاصة". وفيها انّ هذا الموقع في الدولة والنظام السياسي تعرّض خصوصاً في السنوات الثلاث الماضية إلى "إمتهان" وانّه لا بدّ من إعادة الإعتبار إلى "حصانة الرئاسة". وفيها انّ المشاركة في انتخاب رئيس الجمهورية ليست وجهة نظر بل واجباً وطنياً وانّ المقاطعة ترقى إلى مرتبة الخيانة الوطنية.
على خلفية هذه المواقف سيُخاطب البطريرك الاجتماعَين المسيحيين. سيُحمّل الفرقاء المسيحيين مسؤولية منع الفراغ في الرئاسة ومسؤولية إنقاذها. سيُطالبهم بالذهاب إلى مجلس النواب لتأمين النصاب وإنتخاب الرئيس. وسيقول لهم انّ كلّ خلافاتكم لا تساوي تعريض الرئاسة للسقوط. وسيدعوهم إلى "التنافس" داخل مجلس النواب ومن ضمن النصاب.
بهذا المعنى، سيكون الاجتماع على مرحلتين اجتماعاً لـ"التبليغ". ربما يقول البطريرك "اللهم إشهد إني قد بلّغت". لكنّ "التبليغ" في مثل هذه الظروف بمثابة "تحذير". فإذا كانت "مشكلة" ستبرز في نهاية المهلة الدستورية للإستحقاق، فانّ أصل هذه المشكلة لن يكون أصلاً آخر غير المقاطعة.
..وبأنّ "التوافق" ليس شرطاً مانعاً
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ البطريرك يعرفُ جيداً انّ ثمّة مفاوضات لـ"التوافق" قائمة ومن المقرّر مواصلتها، وإذا كان ممّا لا شك فيه أيضاً انّ البطريرك لا يقف من "التوافق" في المبدأ موقفاً سلبياً بل يشجّع على إستكشاف إمكان الوصول إليه، فممّا لا شك فيه في المقابل انّ سيّد بكركي لا يعتبر التوافق المسبق على إسم الرئيس شرطاً لحصول الإستحقاق، ولا يقبل أن يطبّق "قانون التوافق" عندما يتعلّق الأمر برئاسة الجمهورية فقط.. وإلا لكان "التوافق" مفروضاً في ما يتّصل بسائر المواقع في النظام السياسي.
مسألة كيانية بامتياز
والأخطر من كلِّ ذلك انّ البطريرك إذ يخشى أن ينتهي البحث في "التوافق" إلى الفشل أي إلى عدم إنجاز الإستحقاق، انما يخشى في العمق من إسقاط الموقع الرئيسي للمسيحيين في الشراكة الوطنية، لا بل يخشى ـ وهو محقّ ـ من سقوط آخر معلم للعيش المشترك في لبنان. فالبطريرك يسمعُ منذ مدّة طروحاً، منها ما يعتبر انّ اتفاق الطائف صار "متقادماً"، ومنها تغيير الميثاق باتجاه "المثالثة" بدلاً من المناصفة، ومنها اعتماد الأكثرية العددية. وكلّ هذه الطروح تصيب الدور المسيحي في لبنان في الصميم. ولا يغيّر من هذه المخاوف انّ "أحدهم" يعتبر نفسه الوحيد القادر على حماية الرئاسة فيما كلّ ارتباطاته السياسية تطيح بهذا الموقع.
بهذا المعنى، انّ ما سيطرحُه البطريرك على الاجتماعَين المسيحيين ليس مجرّد مسألة سياسية مهما كانت أهميتها. سيطرح مسألة كيانية بإمتياز. ذلك انّ الكيان يكون في خطر عندما تكون إحدى طوائفه مهدّدة بالتهميش. ويكون في خطر عندما يواجه "مشاريع غلَبة". وهذا هو المضمون العميق لـ"أزمة" الإستحقاق الرئاسي الراهن.
"الأثر" الذي سيتركه داخل "المعارضة"
لذلك كلّه، فانّ إقدام البطريرك على الدعوة إلى الاجتماع المسيحي على مرحلتين، هو خطوة شجاعة وموقفٌ شجاع.
وأكثر من ذلك، لا مفرّ من القول انّ معيار أهمية الاجتماع هو ما سيقوله البطريرك.. ما سيبلّغه. وليس سرّاً انّ ما سيبلّغه هو موقف المرجعية المسيحية اللبنانية من جهة وهو موقفُ "المرجعية المسيحية العالمية" أي الفاتيكان من جهة أخرى.
من الصعب جداً، وسط ما هو معروف من مواقف سياسية لـ"مسيحيي 8 آذار" تصوّر إمكان التوصّل إلى اتفاق عام في شأن الإستحقاق الرئاسي ومتطلباته الوطنية والدستورية. غير انه ـ وبسهولة ـ يمكن سلفاً تقدير أن موقف البطريرك سيترك "أثراً" كبيراً داخل "الكتلة المسيحية المعارضة" وعلى نوّابها بحيث ستكون هذه "الكتلة" بلا غطاء مسيحي ولا لبناني في خيارها التعطيلي. سيُحدث موقف البطريرك "ارتدادات" داخل هذه "الكتلة" وعلى الصعيد المسيحي العام. لن تبقى المياه راكدة بعدَه.
الدينامية "التلقائية"
والى كل ما تقدم ذكره، تضاف حقيقية أن البطريرك ما كان ليدعو الى هذا الاجتماع لو كان في نيّته التوقف بعد ذلك عند "حدود" هذا الاجتماع. لن يكتفي بـ"التبليغ" ليعود بعدَه الى صومعته. ثمة دينامية "تلقائية" لهذه الخطوة الشجاعة. فالاجتماع الذي أراده البطريرك لـ"التبليغ" ولـ"محاولة" جعل الموقف المسيحي في خدمة إنقاذ رئاسة الجمهورية، مفتوح في المقابل في ضوء "التبلّغ" المتوقع على إحتمال مرجّح هو أن يكون اجتماعاً تأسيسياً لـ"المشكلة" بين بكركي والمقاطعين.
من هنا، فإن أهمية الاجتماع ومواقف البطريرك خلالَه، تبرز أكثر وأكثر عندما يوضع الاجتماع وتوضع المواقف بأفق ما بعد جلسة 23 تشرين الأول الجاري، إذ يدخُل الاستحقاق في ما يسمى عادة "ربع الساعة الأخير".
بالتأكيد ان 14 آذار سوف "تفحص" خياراتها جيداً إذا ما استمر التعطيل، علماً أنها أكدت مراراً أنها تحتفظ بحقها الدستوري، أي انتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة من عدد أعضاء المجلس النيابي في دورة بنصاب "النصف زائد واحد".
من هنا، وأخذاً في الاعتبار أن لخطوة البطريرك "دينامية تلقائية" أي أن لها تفاعلات ومفاعيل، سيكون على الأكثرية "ملاءمة" خيارها مع توجه رأس الكنيسة، وهو لن يُحددَ بمعزل عن هذا التوجه.
البطريرك الشجاع وموقفه بعد 23ت1
ليس لأي تحليل الآن أن "يفسّر" ما سيكونه موقف البطريرك في "ذلك الوقت"... وأي قرار سيغطّي.
غير أنه سبق لسيد بكركي أن أعلن أن انتخاب الرئيس بـ"النصف زائد واحد" إن تعذّر الانتخاب بالثلثين، أمر دستوري.
وإذا كان واضحاً تماماً أن البطريرك نأى منذ أسابيع عن الجدل الدستوري في سبيل تغليب المنطق الكياني ـ الميثاقي ـ الوطني، وإذا كان واضحاً تماماً أيضاً أن البطريرك بخطوته الشجاعة ذات الدينامية "التلقائية" قد اتخذ قراراً بـ"إقتحام" موضوع الاستحقاق وتقدّم الصفوف لمنع الفراغ، فليس ما يحول دون القول ان البطريرك سيقول كلمته "الحاسمة" وسيتّخذ الموقف الشجاع الذي ليس فقط سيكون "محرجاً" للقوى السياسية، بل مانعاً لـ"التلاعب" بالرئاسة ومعبّراً عن الموقف المسيحي وما يريده المسيحيون، ولا جدال في أنه وحده مَنْ يملك حق هذا التعبير.
من الآن إذاً، تشخص الأنظار الى 23 الجاري والى ما بعدَه. ومن الآن، يمكن القول ان خيار 14 آذار لا بد أن يستند الى بكركي التي لن تترك لبنان بلا رئيس.
صفير: إلحقوا بي لإنقاذ الجمهورية
قبل يومين، وفي لقاء مع ديبلوماسي غربي، قال هذا الأخير إنه بالرغم من المواقف "القصوى" المتبادلة، لا يزال مقتنعاً بأن ثمة "لعباً سياسياً على شفير الهاوية" لكن عندما "سيبدو" أن الوضع يتجه الى الهاوية فعلاً سيتجنب الفرقاء الانزلاق لأن أياً منهم لا يمكن أن يكون راغباً في "المواجهة" بل "يهابُها". ومعنى كلامه أن "التوافق" إحتمال مهما بدا صعباً أو مستحيلاً، فإنه لا بد من محاولة الوصول إليه.
في هذا الاطار، من الواضح ان الكنيسة المارونية لا تقول "لا تتوافقوا" لكنها تقول "لا تسقطوا الرئاسة" أي "لا تسقطوا وطناً وكياناً ونظاماً ودولة". وبهذا المعنى هي "تفتح" ولا "تغلق".
غالباً ما يعلّق المعلّقون على خطوة شجاعة لمرجعية مرموقة بالقول ان هذه المرجعية تعلن ان "الأمر لي". لكن لكثرة الضباط ولكثرة ما يثيره هذا "الشعار" من "حساسية"، يُستحسن القول بإزاء خطوة بكركي أن البطريرك يُعلن "إلحقوا بي على طريق إنقاذ الجمهورية".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.