الى ما قبل بدء "مفاوضات التوافق" بين الرئيس نبيه بري وزعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري، كان النقاش حول الاستحقاق الرئاسي "زائغاً" الى حدّ كبير.
كان النقاش "زائغاً" لأن "المعارضة" المقيمة بين حدَّي الموقف السوري أي إمّا رئيس "سوري" وإمّا الفراغ، إختارت أسر الاستحقاق من مدخل النصاب، فربطته بـ"ثلث التعطيل".
"المفاوضات" و"سلاح حزب الله"
الآن، في موازاة "مفاوضات التوافق" لم يُعد ثمّة ألغاز. أعلن "حزب الله" بوضوح أن ما يعنيه من الاستحقاق هو التعهّد له بـ"حفظ" سلاحه. وإذا كان صحيحاً أن الاستحقاق بات مرتبطاً من وجهة نظر الحزب باحتفاظه بسلاحه، فالصحيح أكثر هو أن "حزب الله" بمناسبة الاستحقاق، إنما يناقش وضعه أي أنه يفاوض على وضعه. والمعنى المباشر هنا، أن الثنائية الشيعية اختارت مقاربتها للمسألة الرئاسية، فحزب الله دفع موضوع سلاحه الى المقدّمة، وتبنّى بري هذا الموضوع، و"المفاوضات" تدور في جانبها الرئيسي حوله.
العودة الى مرحلة صدور الـ1559
بطبيعة الحال، أن يصبح النقاش صريحاً لا يعني أبداً أنه أصبح سهلاً. ولعلّ لا مبالغة في القول أن إشهار الثنائية الشيعية لمطلب السلاح، هو ما يجعل "مفاوضات التوافق" أكثر "صعوبة"، بالضبط لأن السلاح هو "حجر الزاوية" في الأزمة اللبنانية المتعدّدة الوجوه والأبعاد. وغنيّ عن القول أن تحديد "التوافق" من جانب "المعارضة" بهذا المطلب، إنما أعاد الأوضاع في لبنان الى ما قبل ثلاث سنوات، الى مرحلة صدور القرار 1559 في أيلول 2004. فبمناسبة الانتخابات الرئاسية ومنعاً للتمديد آنذاك صدر ذلك القرار الدولي الذي "يسرد" كل النقاط التي يضمن تنفيذُها استقلال البلد وسيادة دولته، ومن ضمنها "سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية".
ستنظُر "مفاوضات التوافق" في هذا الموضوع. يعتبر "حزب الله" أن التسوية هي التي تحفظ له استمرار سلاحه، وتحفظ الإزدواجية بينه وبين الدولة، لأنه ـ أي "حزب الله" ـ لا يزال يرى أن له دوراً إقليمياً في وضع إقليمي سائر نحو توترات كبرى. وفي المقابل تعتبر 14 آذار أن التسوية هي التي تتضمن تنفيذاً لبنانياً للقرار 1559، أي التي تضمن إندراج سلاح "حزب الله" في الدولة وفق روزنامة زمنية محدّدة، وعلى أساس حضور "مضمون" للحزب في الدولة.
الثنائية الشيعية "ترمي" الجنرال
على أن ما تهتم هذه المقدّمات بإبرازه "اليوم" ليس مآل "مفاوضات التوافق" في حدّ ذاتها، بل هي ـ أي المقدمات ـ مهتمة بـ"تظهير" واقع الجنرال ميشال عون وتيّاره ضمن "المعارضة" من جهة وعلى الصعيد "العام" من جهة أخرى.
من الواضح أن الثنائية الشيعية تفاوض من أجل "التوافق" من مدخل موضوع السلاح. ومن الواضح أنها دخلت الى هذه المفاوضات وقد "رمت" ورقة الجنرال خارج المفاوضات وداخلها.
بداهةً أن ثمة احتمالين أمام هذه المفاوضات. فإن هي توصّلت الى تسوية، كان الجنرال مستبعداً كرئيس.. أي يكون الجنرال قد "انتهى". وإن لم تتوصّل الى تسوية انتهى أيضاً لأنه لن يكون رئيساً في "جميع" الأحوال.
.. وتلجم هامش مناوراته
ثمة من قال إن عون شعر على ما يبدو بـ"خيانة" المعارضة له أي باستبعادها له. ذلك أن الثنائية الشيعية في صدد البحث عن إمكان تسوية مع 14 آذار وليس همّها الجنرال. والثنائية الشيعية في صدد البحث عن إمكان تسوية إن تحقّقت تكون مكفولةً على غير صعيد وليست في صدد شراء "سمك في البحر". ولدى استشعاره "الخيانة"، حاول الجنرال أن "يبعط" بعض الشيء. فسعى عبر "مبادرة" غير واضحة الى فتح قنوات إتصال مع فرقاء في 14 آذار. باختصار سعى الى امتلاك هامش من المناورة يبقيه على قيد الحياة السياسية.
سارع "حزب الله" الى "ضبطه" وجاءته إشارات بـ"الانضباط" من "أماكن" عدة: لا هامش لك لحرية الحركة. تتصرّف الثنائية الشيعية معه بوصفه "عبئاً". لا مانع لدى "حزب الله" أن يعلن أن عون مرشحه لكن ليس أكثر من ذلك لأنه المرشح الذي سوف "يُباع" في لحظة التسوية إذا حصلت. أما بري الذي يتولى التفاوض على "التوافق" فلن يتبنّى ترشيحه.
لا للصيف ولا لـ"غدرات الزمن"
من الواضح إذاً من خلال قراءة علاقة الثنائية الشيعية بالجنرال أن "وظيفته" انتهت بالنسبة إليها. لم تعد المسألة "معارضة" و"أكثرية". صارت الثنائية الشيعية والأكثرية. حتى في حال لم تتم التسوية وانتقل البلد الى "المواجهة" فليس ثمة رهان عليه من جانب الثنائية... وتجربة كانون الثاني الماضي حاضرة في ذهنها. وأكثر من ذلك، قيل ان الجنرال كان في صدد "درس" موضوع "مخيم الاعتصام" في وسط بيروت، لكن القرار جاءه من أحد مسؤولي "حزب الله" الذي أعلن من الرابية أن "المخيم" لن يفكك الآن... وذلك بعد ساعات فقط من دعوة مجلس المطارنة الموارنة الى "تحرير وسط بيروت من الاحتلال".
هذا الوضع، أي انتهاء "وظيفة" الجنرال، أوجد حالاً من التململ في صفوف التيار وأبرز خلافات داخل تكتله النيابي.
ومن الخارج، يُمطر ناشطو التيار جنرالهم بوابل من الاحتجاجات. يبلغونه أن حركتهم ومصالحهم باتت مهددة جدياً، في الولايات المتحدة خصوصاً، إذا تكرّس تصنيف التيار في خانة "العاملين على زعزعة استقرار لبنان".
التسوية إن حصلت هي بين 14 آذار والثنائية
بين إنهاء الثنائية الشيعية لـ"وظيفته" من ناحية والضغوط "الداخلية" الصادرة من مواقع عدة تناقش "كلفة" السياسة التي اعتمدت من ناحية أخرى، يبدو أن ثمة من نصح الجنرال بـ"تحضير" نفسه لخطاب سياسي جديد ـ قديم.
و"الفكرة" الرئيسية في هذا الخطاب الجديد ـ القديم، هي "التعبئة" ضد اتفاق اسلامي ـ اسلامي، سني ـ شيعي على رئيس الجمهورية!
كثيرون من الذين "سمعوا" عن ذلك، سارعوا الى نُصح الجنرال بالحذر مِن نصائح بعض "المقربين". ذلك أن التسوية إذا حصلت، ستكون تسوية بين 14 آذار والثنائية الشيعية تعرض على عون السير فيها. وإذا حصلت ستُترجم برئيس من مسيحيي 14 آذار، وبرعاية بكركي وسيدها البطريرك نصرالله بطرس صفير. وإن لم تحصل فإن الأمور "على حالها". ان "مشكلة" الجنرال هي مع كل البلد، ابتداء من الثنائية الشيعية، فلا يبحثنّ عن مشاكل "وهمية".
الجنرال "المربّط" و"المورّط".. والـ1559
وكبرى مشاكل الجنرال، أي مأزقه الأكبر، هو عدم قدرته على "الاشتباك" السياسي مع من اتخذهم حلفاء له، وعدم قدرته على "الفك" معهم لشق مسار آخر.
عديدة هي الأمور التي جرى "تربيطه" بها قبل عودته من باريس في أيار 2005 وبعدها. وُرِّط في مسائل كثيرة، وجرى "تلعيبه" دور المظلة المسيحية لـ"عودة" النظام السوري الى لبنان، وللخيارات الاقليمية لحلفاء المحور الايراني ـ السوري.
لن يكون الجنرال "قبضاياً" الى حد مهاجمة أي توافق إذا حصل. وعلى الأرجح سيكتفي بثناء وئام وهاب وناصر قنديل وطلال أرسلان... وسليمان فرنجية عليه.
إن حصل التوافق أو لم يحصل، ثمة نهاية لـ"وظيفة". ومع ذلك "ما زالوا" يورّطونه في التسلح والتدريب، وهو يتورّط. و"المفارقة" انه فيما يعود الوضع الى مرحلة الـ1559، يضع نفسه تحت أحكام هذا القرار الداعي الى إنهاء الميليشيات.. القرار الذي تباهى الجنرال يوماً أن له يداً طولى فيه!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.