8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الثنائيّة الشيعيّة واختبار "الفصل" بين لبنان وأزمة المنطقة

في الأيام القليلة الماضية، توالى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والرئيسان الأميركي جورج بوش والفرنسي نيكولا ساركوزي على منبر الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك.
أميركا وفرنسا: تحذيرٌ من حرب "داهمة"
الأمين العام أكد انّ "زمن الإفلات من العقاب قد ولّى"، وأشار في هذا السياق إلى قرب تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. بوش وساركوزي تحدّثا بنبرة عالية عن سوريا وإيران، وشدّدا على "الحزم" معهما. وفي الإطار نفسه، أعلن الوزير الفرنسي برنار كوشنير إلغاء لقاء بينه وبين وزير خارجية النظام السوري وليد المعلّم بسبب "الصدمة" جرّاء جريمة اغتيال النائب الشهيد انطوان غانم، كاشفاً رسمياً ما كانت مصادر فرنسية أشارت إليه، محمّلاً النظام السوري ـ سياسياً وعملياً ـ مسؤولية الجريمة.
من الواضح إذاً انّ النبرة الأميركية ـ الفرنسية، والنبرة الدولية عموماً، تهدف إلى إفهام دمشق وطهران انّ ثمّة حرباً "داهمة" إن لم تغيّرا سياستيهما، وانّ الضغوط عليهما من أجل التغيير ستتصاعد في الأسابيع المقبلة، وانّ المهلة المعطاة لهما للتغيير قصيرة ولن تستطيعا المراوغة والمناورة طويلاً. ويذهبُ عددٌ من المراقبين إلى تقدير انّ "المواجهة" الدولية مع دمشق أو طهران أو كليهما معاً ستحصل على أبواب المؤتمر الدولي الذي دعت الإدارة الأميركية إلى عقده في تشرين الثاني المقبل أو في موازاته، وهو المؤتمر الذي وضعت واشنطن شروطاً على سوريا لمشاركتها فيه. ومن هذه الشروط الكفّ عن التدخّل في لبنان وفي الجوار، والتزام إستراتيجية سلمية.
"مفاوضات التوافق" والمعطيات الخارجية
والمعنى من هذه المقدّمات انّ مرحلة الإستحقاق الرئاسي اللبناني الممتدة زمنياً حتى 24 تشرين الثاني المقبل، ستشهد ضغوطاً دولية على المحور الإيراني ـ السوري، تواكبها مواقف عربية متشدّدة حيال نظام الأسد.
في هذه الأجواء الخارجية، أي على تماس مع التطوّرات الإقليمية ـ الدولية، بدأت في لبنان "مفاوضات" داخلية لـ"التوافق" حول الإستحقاق الرئاسي. والسؤال الذي يُطرح هو الآتي: هل ثمّة أفق أمام "مفاوضات التوافق" وكيف؟.
في اللقاء على السحور بين الرئيس نبيه بري ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، كانت النقطة السياسية الأبرز بحسب ما رشح مِن معلومات انّ بري أبلغ الحريري بانّه مفوّض من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تحديداً، مضيفاً انّه ونصرالله "صاحبا مصلحة أكيدة" في حصول الإستحقاق وتجنّب الفراغ.
قرارٌ شجاع منتظر من الثنائية الشيعية
هذا الكلام المنسوب إلى بري، مهمّ بالفعل.
بيدَ انّ "مفاوضات التوافق" كي تنجحَ في مثل هذه التطوّرات الإقليمية ـ الدولية المتسارعة، تحتاج إلى قرار سياسي شجاع من جانب طرفَي الثنائيّة الشيعيّة، أي "حزب الله" و"أمل". فما هو هذا القرار السياسي الشجاع؟.
ممّا لا شكّ فيه انّ هذا القرار هو "الفصل" بين لبنان وبين التطوّرات الخارجية، و"الفصل" بين الإستحقاق الرئاسي وبين النظام في سوريا، و"فصل" العملية السياسية الدستورية اللبنانية عن المجريات الإقليمية.
والترجمة الفعلية لهذا "الفصل"، هي بذهاب الثنائيّة الشيعيّة إلى تسوية داخليّة، وعدم ربط الإستحقاق بالتطوّرات واحتمالاتها.
طبعاً، في ما "كان" قائماً من معطيات حتى الآن، لا يمكن القول إنّ قراراً من هذا النوع يمكن اتخاذه من جانب الثنائية الشيعية، أو من أحد طرفَيها أي "حزب الله" على الأقل.
التسوية الداخلية و"الفصل"
وبمعنى من المعاني، كي "تستطيع" الثنائية الشيعية الذهاب إلى تسوية داخلية بمعزل عن الضغوط الدولية ـ والعربية ـ على النظام السوري، والمفتوحة على إحتمال "المواجهة"، لا بدّ أن تكون متسلّحة بقرار "إنسحاب" من جانب النظام في سوريا من الإستحقاق تجنباً للمواجهة والحرب أو بقرار ذاتي منها بـ"الفصل".. وإلاّ لا تكون "مفاوضات التوافق" أمام فرصة حقيقية.
إذاً في الجواب عن ماهيّة القرار السياسيّ الشجاع المنُتظر من الثنائيّة الشيعيّة، يبدو واضحاً انّ قرار "الفصل" هو ما يؤدي الى نجاح "مفاوضات التوافق".
هل تستطيع وأسئلة أخرى
من هنا، وبالاضافة الى سؤال: هل تستطيع؟ يبرز سؤالان آخران لن يجدا جواباً عنهما الاّ في غضون فترة من الوقت.
الأول، حتى مع ملاحظة ان "حزب الله" يسيرُ في هذه الأيام خلف بري، هو: هل ثمة تفويضٌ "مطلق" من "حزب الله" للرئيس بري أم أن التفويض "مشروط" في مكان ما ولفترة ما؟ وبماذا؟. والسؤال نفسه "يفسره" سؤال آخر: هل انّ إشغالاً للوقت بتفاوض هو المطلوب في إنتظار إتضاح الوجهة "الحاسمة" للتطورات اقليمياً وعندئذ "تدفن" مفاوضات التوافق؟
امّا الثاني، فهو: هل كان إقدام النظام المخابراتّي السوريّ على جريمة إغتيال النائب الشهيد انطوان غانم بمثابة تحذير مسبق لبرّي تحديداً من السير في "الفصل" أم انّ الاغتيال هو "فقط" في اطار عملية سورية لـ"إدارة" الاستحقاق اللبنانيّ بالدم؟
ليس خافياً انّ لكل الأسئلة السابقة، ولدعوة الثنائيّة الشيعيّة الى "الفصل" بين لبنان وتطورات المنطقة، منطلقًا واضحًا هو الآتي: لم يعُد ثمة شك في انّ التسوية الاقليمية ـ الدولية "مستحيلة"، ولم يعد ثمة شكّ في انّ المجتمعين العربي والدولي أخذا على عاتقهما كفّ يد النظام السوري عن التدخّل في لبنان فإما ان يمتثل وإمّا "المواجهة"، ولم يعد ثمّة شك في انّ السبيل الى تجنيب لبنان الاخطار الكبرى هو بفصله عن ازمة المنطقة.
ستبقى "مفاوضات التوافق" محاطة بأمل ان يخرج "الدخان الأبيض" قبل 23 تشرين الاول المقبل، لكنها في الوقت نفسه محاطة بـ "شكوك" تعبّر عنها الأسئلة الآنفة.
سعد الحريري والموقف من نظام الأسد
في هذه الأثناء، وفيما "مفاوضات التوافق" تجري على "حدّ السكين" اذا جاز التعبير، برز في الايام الاخيرة موقفٌ لافت "جديد" لزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري.
مباشرةً بعد جريمة إغتيال النائب غانم، وصف الحريري النظام السوري بانه "جبان" لا يرد على اسرائيل التي تخرق سيادة سوريا، لكنه يقتل في لبنان. وفي مقابلة له مع محطة "فوكس نيوز" قبل يومين، قال الحريري ما مفاده انّ إسقاط صدام حسين وحده لا يكفي ولا بدّ من سقوط نظام بشار الأسد أيضاً. لهذا الموقف من نظام الأسد دلالات كبيرة جدا على غير صعيد.
بيدَ انه، في ما يخص "مفاوضات التوافق"، الجارية، يعني أن سعد الحريري يمارس "فصلاً" بين "التشدّد" حيال النظام السوري ورفض أي "تسوية" معه من ناحية، وبين الاستعداد للتوافق والتسوية مع "المعارضة" في الداخل اللبناني من ناحية أخرى. يحاول الحريري ان "يشجع" الثنائية الشيعية على فصل لبنان عن أزمة المنطقة.
كل شيء "على الطاولة"
و"أهمية" المشهد التفاوضي الراهن، ان سعد الحريري يفاوض بري وعبره السيد حسن نصر الله، وقد أشهر موقفاً "متطوراً" من نظام الأسد، وان نصر الله يفاوض الحريري بموقفه هذا عبر بري.
إذاً كل شيء واضح ومكشوف و"على الطاولة".
فهل تكون التسوية على قاعدة "الفصل" ممكنة أم تكون "سراباً"؟
السؤال ليس "بريئاً"، والجواب "المضمر" عنه "معروف". لكن "المحاولة" لا تضر. وعسى خيراً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00