8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التأجيل على إيقاع "سياسة العٍصٍيّ والجزرة" تجاه دمشق

لم تأتِ الوقائع التي دارت في المجلس النيابي أمس مخالفةً للتوقعات. الأكثرية حضرت بكامل "قوامها". أما "المعارضة" فتوزّع بعض نوابها بين الردهات، وبعضهم الآخر دخل الى القاعة العامة وهو يعرف سلفاً أن احتساباً لعدد النواب لن يحصل، فيما وصل بعضهم الأخير الى المجلس بعد أن كان الرئيس نبيه بري أعلن "إرجاء" الجلسة.
"صنف" النواب الشهداء
وفي غياب أي مفاجآت على صعيد "الصورة" العامة، رسخ المشهد الأمني الأكثر تعبيراً، في ذهن المتابعين. وفي هذا المشهد، ليس فقط تحوّل محيط مجلس النواب والطرق المؤدية إليه، الى ثكنات عسكرية، بل كانت طريقة وصول نواب 14 آذار الى ساحة النجمة عاكسةً لواقع الحال، إذ حضروا كمشاريع شهداء مسبوقين بالقتل وغادروا بوصفهم أهدافاً للقتل. إنه "الانقسام" داخل مجلس يضمّ "صنفين". صنف أول يلتزم خطاً يجعل منه هدفاً للإرهاب المنظّم من جانب النظام المخابراتي السوري وأدواته وشبكاته. وصنفٌ ثان "حرّر" نفسه سلفاً من هذه الكلفة فأشهرَ "التحالف" مع نظام دمشق والولاء له.
إيجابيات رمزية
ومع ذلك، فقد رأى عددٌ من المراقبين "إيجابيات" في وقائع يوم أمس. ثمّة إيجابية في نظر هذا البعض من المراقبين، تتمثّل في "فتح" القاعة العامة للمرة الأولى منذ سنة تقريباً. وثمّة إيجابية أخرى تتمثّل في أن الأكثرية التي حضرت بـ"كاملها" ثبّتت حقيقة كونها الأكثرية، فلم يغب أي من النواب الذين راهنت "المعارضة" على افتراقهم عن 14 آذار. والإيجابية الأهم في اعتقاد هؤلاء المراقبين، يمثّلها اللقاء الذي جمع الرئيس بري برئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري والذي كان بمثابة "كسر للجليد" بين فريقَي 14 و8 آذار، ونقطة انطلاق التشاور حول الاستحقاق الرئاسي.
شهرُ التأجيل وربط "النزاع الناعم"
في المقابل، يعرب كثيرون عن اعتقادهم أن كل الإيجابيات الآنفة، على صحة تسجيلها، هي إيجابيات "رمزية"، بمعنى أنها غير ذات دلالات سياسية عميقة. لماذا؟
في النتيجة "السياسية" ليوم 25 أيلول أن الرئيس بري أجّل الاستحقاق شهراً. الأكثرية ربطت "نزاعاً ناعماً" مع الفريق الآخر حول حقّها الدستوري. و"المعارضة" ربطت نزاعاً مع الأكثرية حول ارتباط النِصاب بـ"التوافق".
طبعاً، يفتح إعلان بري "إرجاء" الجلسة جدلاً. هل كان يجب اعتبار جلسة أمس دورة أولى لم تتوافر لها الأكثرية الموصوفة أي أكثرية الثلثين؟ هل كان يجب مطالبة بري بفتح الجلسة؟ هل يعني القبول بـ"إرجائها" اعترافاً بأن جلسة 23 تشرين الأول المقبل هي الدورة الأولى أم أن الأكثرية ستقبل الانتقال الى الدورة الثانية؟
في جميع الأحوال، ليست الأسئلة السابقة المتّصلة بـ"الجدل" الذي يفتحه "إرجاء" الجلسة، هي الأهم، على اعتبار أن الأكثرية كانت أمس في صدد تجنّب "التصادم"، وفي سياق إعطاء فرصة للتشاور والحوار. ولعلّها لذلك لم تتمسّك بقانونية عقد الجلسة بالرغم من توافر النصاب فوافقت على "الإرجاء" على أساس ان الجلسة لم تعقد.
حتى 23 ت1: "العصيّ"
بيدَ أن السؤال "الفعلي" الذي يُطرح هو الآتي: ماذا من الآن حتى 23 تشرين الأول؟
من متابعة دقيقة للمعطيات الإقليمية والدولية، يتبيّن أن النظام السوري يواجه في الفترة الحالية "سياسة العصا والجزرة" على الصعيدين الإقليمي والدولي.
في إطار "سياسة العصا" تتبدّى المعطيات الرئيسية الآتية:
تصاعد الضغط السياسي الدولي تأسيساً على القرارات الصادرة عن مجلس الأمن في السنوات الثلاث الماضية، والمتعلّقة بلبنان بالدرجة الأولى.
"التحرّش" الإسرائيلي المستمرّ منذ 6 أيلول الفائت، داخل الأراضي السورية، وعلى الحدود بين إسرائيل وسوريا.
الموقف المصري الذي عبّر عنه حسني مبارك واعتبر انّ الاغتيالات في لبنان تشير إلى "أناس بعينهم".
الموقف السعودي الذي أعلنه وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، وتحدّث في إطاره عمّن مصمّم على قتل النواب في لبنان للتأثير في الإستحقاق الرئاسي اللبناني، ودعا إلى حماية عربية للنواب اللبنانيين. وهذا الموقف السعودي، هو الثاني بعد إلغاء زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلّم إلى المملكة.
وإلى كلّ المعطيات الآنفة، ثمّة من يُضيف الزيارة الأخيرة لأمير قطر إلى المملكة العربية السعودية. وفي انتظار اتضاح أبعاد هذه الزيارة ونتائجها، يستبعد متابعون جادّون أن تكون الزيارة بهدف التوسّط بين المملكة والنظام السوري، وإن كانوا لا يستبعدون أن يكون تمّ التطرّق إلى "الموضوع السوري". ويعتبرون انّ الزيارة تعكسُ "شعوراً" من الجانب القطري بمعطيات ما "آتية"، وسبق لقطر في "مناسبة" تطوّرات محتملة أو مرجحة أن أخرجت شعورها إلى العلن، علماً انّ انفتاح خطّ الرياض ـ الدوحة يزعجُ دمشق.
.."وجزرة" المؤتمر الدولي
أما في إطار "سياسة الجزرة"، فبرز في اليومين الماضيين الحديث الأميركي والدولي عن إحتمال دعوة سوريا إلى المؤتمر الدولي للسلام في تشرين الثاني المقبل، وهي دعوة "مشروطة" بأن يعدّل نظام الأسد علاقاته بالجوار، وبأن يتبنّى استراتيجية سلميّة.
إذاً، ثمّة "تفاوض" إقليمي ـ دولي مع النظام السوري يجمع "عصيّاً" عدة "وجزرة واحدة". ويُفترض أن تظهر نتائج هذا "التفاوض" نهاية تشرين الأول المقبل عشيّة المؤتمر الدولي.
برّي والإيقاع الخارجي
بهذا المعنى، ثمّة وقتٌ لا يزال ضائعاً حتى تشرين الأول. وبهذا المعنى أيضاً، فإنّ الرئيس بري الذي "أرجأ" الجلسة إلى 23 تشرين الأول، "يتحرّك" على تقاطع معطيين رئيسيين. الأول هو الفرصة التي يمنحها المجتمعان العربي والدولي لبلورة اتفاق ينقذ الإستحقاق الرئاسي اللبناني، وهي نفسها الفرصة "الأخيرة" أمام نظام دمشق للقبول بـ"دفتر الشروط" كي يُقبل عضواً في المؤتمر الدولي. والثاني هو قرار النظام السوري "تعليق" حصول الإستحقاق وتغطية هذا "التعليق" بالحديث عن "التوافق" في انتظار اتضاح مصير "علاقته" بالنظامين العربي والدولي.
شهرُ التأجيل للإستحقاق الرئاسي اللبناني، هو شهرٌ سوف "يقطّعه" بري في مساعٍ تفاوضية لكن على إيقاع "التفاوض" الإقليمي ـ الدولي مع النظام السوري. فاذا أنتجت المعطيات الخارجية توافقاً ما أو اتفاقاً ما، يُترجم ذلك اتفاقاً على الإستحقاق اللبناني، بحيث لا يعطّل نظام الأسد هذا الإستحقاق وبحيث يغلبُ الاتفاق اللبناني ـ اللبناني على إسم الرئيس. وإذا لم تُنتج المعطيات الخارجية هكذا اتفاق، لا يكون الإستحقاق "توافقياً" بهذا المعنى.
لقاء بكركي نموذجاً
في هذا السياق، توقّفت أوساط اطلعت على فحوى لقاء بري بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، عند دلالة ما جرى بين رئيس المجلس ورأس الكنيسة.
تقول هذه الأوساط انّ بري تحدّث عن "التوافق" وعن "نصاب الثلثين"، لكنّه في "لحظة" من لحظات النقاش، حاول استمزاج رأي البطريرك بأسماء. وتضيف الأوساط أن هذه الأسماء من "الصنف" الذي يقدّر بري انه يمكن أن يكون مقبولاً في دمشق. لكنّه، بحسب الأوساط، لم يبدُ "متمكناً" من العملية التفاوضية، لانه لا يحظى بـ"تفويض سوري" يسمح له بالوصول إلى "مرحلة الأسماء"، وإن كان يحاول تحقيق تقدّم ما.
من جهة البطريرك، كان واضحاً بحسب الأوساط نفسها انه ليس واثقاً من انّ الإستحقاق الرئاسي بات "مُسهّلاً".
رفض البطريرك رفضاً قاطعاً الدخول في الأسماء. وأعطى لبري جوابين متلازمين: رفض مقاطعة الإستحقاق بأي ذريعة أولاً، ومواصفات الرئيس العتيد كما وردت في النداء الثامن لمجلس المطارنة الموارنة في الأسبوع الماضي ثانياً، أي مواصفات الرئيس الإستقلالي والسيادي ورجل الدولة، التي تنطبق على عديدين ولا تؤشّر إلى شخص بعينه.
لقاء بري ـ صفير "عيّنة" إذاً من لقاءات ومشاورات ستشهدها الأسابيع القليلة المقبلة. غير انّ الواضح هو انّ الدينامية الخارجية ستكون أكبر من الدينامية الداخلية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00