8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بكركي والرئيس السياسي الاستقلالي "الملتزم"

في النداء الثامن أمس، قالت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير القول الفصل في الاستحقاق الرئاسي وظروفه السياسية، وفي مواصفات الرئيس المقبل، وفي عدد من الشؤون الوطنية الكبرى.
المقاطعة جريمة وطنية
اعتبر المطارنة الموارنة انّ الإستحقاق "مصيريّ" لأنّ "البلد على شفير الهاوية"، ولأنّ "مصير البلد سيكون قائماً إذا تعذّر تحقيق هذا الإستحقاق". ولأنّه كذلك، لم يُقحم مجلس المطارنة نفسه في الجدل الدستوري حول النصاب، فأكد انّ "من واجب النواب أن يحضروا جلسة الانتخاب والإستنكاف مقاطعةٌ للوطن".
وضع النداء الثامن الإستحقاق الرئاسي في مرتبة المسألة الوطنية، ووضع مقاطعته في مرتبة الجريمة الوطنية أو "الخيانة الوطنية". وفي رفضه الخوض في النصاب، من الواضح انّه لا يريد أن يعطي أحداً بذريعة النصاب حُجّة للمقاطعة، تماماً لأن المسألة وطنية بامتياز.
الرئيس الإستقلالي
وعلى قاعدة انّ الإستحقاق مصيري، حدّد "النداء" بدقة مواصفات الرئيس المقبل. انّه الرئيس "الذي يجمع" و"المجرَّب" و"ذو الخبرة والرأي الحصيف" و"الذي يقوى على اتخاذ قراره بذاته" و"الذي يعرف انّه انتخب لتحقيق رغبات الشعب لا ليرضي أهواء تلك الدولة ومطامعها".
وبهذه الكلمات، أعلن مجلس المطارنة "إنحيازه" إلى الرئيس "السياسي" و"الإستقلالي". وإذا كان النداء انتقد "صعوبة الاتفاق"، فمن الواضح انّه يسجّل اعتراضاً على "الرئيس النُص نُص". ولاستكمال الفكرة تحدّث النداء عن "خلاف سياسي على أمور مصيرية تتناول الخيارات الأساسية للوطن الذي امّا أن يكون وطناً سيّداً حرّاً أو منقوص السيادة وتابعاً لسواه (..) وقد رأينا إلى أين أوصلتنا التبعيّة".
..الرئيس الملتزم بالدولة وسيادتها
أكثر من ذلك، ممّا يقتربُ من مواصفات الرئيس المقبل، تناول النداء الثامن أمراً جوهرياً يتعلّق بالدولة وسيادة الدولة. سأل كيف سيتوفّر مناخ الثقة ما دامت هذه الفئة أو تلك تكدّس الأسلحة وتحشد المقاتلين وتدرّبهم على القتال وتكاد تقتطع لنفسها إمارة؟" وسأل أيضاً كيف للثقة والعلاج أن يتوفّرا "إذا كانت كل طائفة كبيرة تحاول أن تهيمن بما تقتني من سلاح وما تحصل عليه من مال أنّى جاء، وتبسط سيطرتها بالقوة والتخويف؟". ولم يفُت المطارنة الموارنة التذكير بالاغتيالات والتفجيرات من جهة وبـ"الحروب التي دارت رحاها في تموز وآب من العام الماضي" وبـ"حرب مخيم نهر البارد" من جهة ثانية. واستعاد "منطق القوّة" في احتلال "المعارضة" لوسط بيروت.
ليس ثمّة لغز في النداء الثامن ولا كلمات متقاطعة تحتاج إلى حلّ. انّ ما أورده النداء يتّصل اتصالاً مباشراً بمواصفات الرئيس، ويقدّم نتائج الوصاية والتبعية على مختلف الصعد، ويذكّر ـ ولو بدون تسمية ـ بالكوارث التي نجمت عن تدخل النظام السوري.
الرئيس المقبل بحسب الكنيسة المارونية هو إذاً الرئيس السياسي والإستقلالي و"الملتزم" والحامل لمشروع الدولة وسيادتها. انّه الرئيس الذي ينقل البلد إلى مرحلة وطنية جديدة. انّه الرئيس المستند إلى قواعد الوفاق والعيش المشترك. انه الرئيس الذي لا يميّع القواعد ـ الثوابت الوطنية.
هذه المقدّمات جميعاً لا تنطلق فقط من تحليل نصّ النداء الثامن، بل من معطيات تؤكد انّ ذلك ما يريده البطريرك صفير بالفعل. فهو يستشعر الخطر على الشراكة الوطنية، على الكيان والدولة. وهو يستشعر الخطر الآتي من التطوّرات الإقليمية والدولية على غير صعيد. ولذلك يجمع بين وجوب حصول الإستحقاق وبين الرئيس الإستقلالي الذي يستطيع في آن أن يحيّد لبنان عن صراع المحاور الإقليمية والدولية ونتائجه وأن يقود سفينة الحكم باتجاه بناء دولة الاستقلال.
بين نداءَي 2000 و2007
أمران لا بدّ من المرور عليهما في معرض تقويم النداء الثامن.
الأول هو "العلاقة" بين هذا النداء الثامن في أيلول 2007 والنداء الأول في أيلول 2000. النداء الأول أطلق حركة الاستقلال اللبناني الثاني في "عزّ" زمن الوصاية السورية على لبنان وفي "عزّ" نظامها الأمني. والنداء الثامن يُطلق عملية استكمال الاستقلال الثاني وإنجازه من مدخل الاستحقاق الرئاسي. وإذا كان ممّا لا شك فيه انّ نداء أيلول 2000 أتى في ظروف صعبة جداً إذ من كان ليتصور في ذلك الزمن انّ هزّ جدار الوصاية السورية ونظامها الأمني ممكن وانّ "الحلم" بانهائها في أقل من خمس سنوات ممكن أيضاً، ومن كان ليتصوّر حجم التضحيات التي ستُدفع لإخراج هذه الوصاية.. فانّ نداء أيلول 2007 يأتي في ظروف لا تقلّ صعوبة وخطورة، ليفتح باب "الأمل اللبناني" من جديد.
"الأمر لي"
أمّا الأمر الثاني فيتعلق بأداء البطريرك. يعرف رأس الكنيسة انّه ليس فقيهاً دستورياً. ومع ذلك خاض في موضوع النصاب في الشهور الماضية. "طلع" سيّد بكركي و"نزل" في هذا الموضوع. "حاول" أن يترك لكل الفرقاء مجالاً لـ"الإحتماء" به إذا كانت النيّة إجراء الانتخابات الرئاسية، وأسّس لمرجعيته عن الاستحقاق الرئاسي وشؤونه.. حتى صار الجميع ـ تقريباً ـ يقول انّه "وراءه". ولمّا أصبحت مرجعيته عن الاستحقاق محسومةً قال القول الفصل. وقال ان "الأمر لي". والآن، في ضوء النداء الثامن، يجب الاعتراف ليس فقط بـ"حكمة" البطريرك بل بذكائه السياسي أيضاً، إذ ما بعد النداء الثامن غير ما قبله على صعيد الاستحقاق الرئاسي.
لقاء بري ـ صفير: معنى "التوافق"
من المفترض أن يزور الرئيس نبيه برّي البطريرك في غضون الساعات المقبلة إن لم تدفع جريمة اغتيال النائب الشهيد انطوان غانم الى تعليق كل بحث.. وهذا هو هدف الجريمة. سيلتقي الرجلان، لكن لقاءهما مسبوقٌ بـ"أمل" بالنجاح لمبادرة بري من جانب مجلس المطارنة، وبموقف واضح للكنيسة من معنى "التوافق" ومضمونه.
لم يعُد "التوافق" بعد النداء الثامن بلا معنى. لم يعُد "الرئيس التوافقي" يعني "أيّ" رئيس. لم تعُد ذريعة الثلثين قائمة بالنسبة إلى البطريرك. لم يعُد التهويل على سيّد بكركي بالتخيير بين "أيّ رئيس" أو الفراغ ينفع. وإذا كان مؤكداً أن ليس لدى البطريرك لائحة إسمية ولن يكون لديه هكذا لائحة، فالمؤكد في المقابل انه سيناقش مع بري معنى الاستحقاق ومضمونه تحت سقف انّ تعطيله "خيانة وطنية".
وفي "العمق"، فانّ ما طرحه النداء الثامن يتجاوز كونه برنامجاً سياسياً لمرحلة من وجهة نظر فريق من الفرقاء. انّ النداء الثامن يطرح تسوية وطنية. ويعلن بشكل أو بآخر جاهزية بكركي لرعاية تسوية من هذا القبيل. تسوية تظلّل الإستحقاق الرئاسي وتوليد السلطة بعد هذا الإ ستحقاق من ناحية، وتقي لبنان أخطار المرحلة الإقليمية ـ الدولية من ناحية ثانية.
14 آذار وإيقاع بكركي
وتبقى بضعُ كلمات.
لقد أخرج النداء الثامن الإستحقاق الرئاسي من دائرة الجدل الدستوري حول النصاب ليعيد الاعتبار إلى المضمون السياسي ـ الوطني، سواء في تحديده جوهر الخلاف ـ والصراع ـ أو في تحديده للمخرج.
بات في وسع 14 آذار أن تضع نفسها على إيقاع بكركي.
لم يعُد البطريرك بحاجة إلى من يُسمعه كلاماً في "التوافق" لا يقدّم ولا يؤخّر بعد أن أعطى تعريفاً واضحاً لـ"التوافق".
صار الإستحقاق الرئاسي حاصلاً حكماً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00