يوماً بعد يوم، وكلّما اقتربت بداية الموعد الدستوري للإستحقاق الرئاسي، يتّضح أكثر فأكثر انّ 14 آذار مخيّرة من جانب "خصومها" بين خيارين لا ثالث لهما. الأول هو الفراغ والفوضى. والثاني هو "تسوية" حول الإستحقاق، أي "تسوية" جزئية محدودة، وليس تسوية سياسية متكاملة.
كي يمرّر النظام السوري الإستحقاق
"التسوية حول الإستحقاق" أو "التسوية حول الرئيس"، والمطروحة تحت عنوان "التوافق" تقضي بالإتيان برئيس يُرضي النظام السوري كي يسمح هذا النظام بحصول الإستحقاق أصلاً.
وهنا، من الواضح أنّ الثمن الذي يريدُه نظام الأسد لقاء "سماحِه" بحصول الإستحقاق الرئاسي، كما تطالبُه بذلك جهاتٌ عربية ودولية، هو رئيسٌ من خارج 14 آذار، يستطيع أن يكون مُطمئناً للنظام في سوريا. وعندما يكونُ "المعروض" تسوية حول الرئيس فقط، أي بدون تسوية سياسية متكاملة، فمعنى ذلك أن يأتي رئيس غير ملتزم مسبقاً بأي شيء، لا بمقرّرات الحوار الوطني ولا بقرارات الشرعيتَين العربية والدولية، ولا بالتعاون "الوثيق" مع المحكمة الدولية التي لن تصبح فعلية قبل الربيع المقبل في أقل تقدير.
تمييع القواعد الوطنية
لذلك، فإنّ الخطورة في ما هو معروض، تتمثّل في انّ حصر "التسوية" بالإستحقاق والرئيس من دون تسوية سياسية متكاملة، إنما يعني "ترحيل" المشاكل إلى ما بعد الرئاسة، ويعني تمييع القواعد الوطنية للحكم في المرحلة المقبلة، ويعني إدخال البلد في مرحلةٍ من "التعليق" المديد في انتظار التطوّرات الإقليمية والدولية و"التوازنات" التي يمكن أن تنجم عنها في السنة المقبلة أو السنة التي تليها، ويعني القبول بـ"مسمار جحا" السوري إلى فترة غير منظورة.
كلام بعض "الناصحين"
ثمّة بين من يدّعون نُصح 14 آذار، من يقول انّ عليها القبول بـ"تسوية" ولو جزئية ومحدودة ومقتصرة على الرئيس. ويرى هؤلاء انّ هكذا "تسوية" أفضل من الفراغ والفوضى.. و"الصدام". ويعتبرون انّ تمديد المرحلة الإنتقالية عبر تسوية مقتصرة على الرئيس، يتيح لكل فريق الإحتفاظ بـ"أوراقه" وعوامل قوّته إلى أن تنضج ظروف تسوية إقليمية ـ دولية أو إتضاح اتجاه الوضع الإقليمي و"متغيّراته"، وهذا أفضل برأيهم من استدراج "الحسم" سريعاً.
القبول بالمعروض: توازن مختلف
ظاهرُ هذا الكلام غيرُ باطنه.
ذلك انّ قبول 14 آذار بتسوية مقتصرة على الرئيس، أي رئيس يرضى النظام السوري به شرطاً للسماح بحصول الإستحقاق، يعني قبول 14 آذار "ذاتياً" بتغيير توازن القوى في غير مصلحتها. وإلى ذلك تضاف حقيقة انّه سيكون على 14 آذار أن تخوض الصراع السياسي من موقع "أقلّ قوّة" وحول كل شيء بما في ذلك المحكمة الدولية التي لم تصبح بعدُ مسألة منتهية بمعزل عن الوضع اللبناني. ثمّ انّ تسوية سياسية متكاملة مؤجلة تعني استحالة تشكيل حكومة جديدة، أو القبول بحكومة لا تظهّر توازن القوى السياسي. وفي هذه الحالة، يكونُ الوضع في لبنان محكوماً بـ"أمر واقع" خطير يكرّس واقع "الساحة".
..و"خلط أوراق"
وإذا أُخذت في الاعتبار حقيقةُ انّ 14 آذار تأخذ مجتمعة وموحّدة قراراً واحداً هو التسوية المتكاملة وليس الجزئية فهي إذا قبلت بإنعقاد تسوية مقتصرة على الرئيس تجازف بخطر يتمثّل في إنتقال 14 آذار إلى المرحلة التالية من الصراع وسط "خلط أوراق" لا يصحّ أن يكون ثمناً لتسوية جزئية يكسبُ منها النظام السوري وحلفاؤه.
إذاً، في مثل هذه المعطيات حيث لا تسوية إقليمية ـ دولية ضامنة، وحيث التسوية الجزئية مكسب لـ"الخصوم"، من الطبيعي الاعتقاد انّ من مصلحة 14 آذار عدم الخوض في غمار تخييرها بين الفراغ والفوضى، وبين إرساء قواعد جديدة للصراع في غير صالحها، أي بين فوضى وفوضى، بين فوضى و"تشليح" أوراق.
على أيّ حال، انّ التحديد السابق للأسباب التي تدعو 14 آذار إلى الحذر في التعاطي مع "المعروض" عليها، يأتي ردّاً على نُصح البعض الذي يلبس لبوس "الحكمة" و"البراءة" من ناحية وردّاً على بعض "الواقفين على خطّ التماس" بين 14 آذار و"خصومها" من ناحية ثانية.
المطلوب "كفّ يَد" النظام السوري
في هذا الإطار، ثمّة أمران لا بدّ من التشديد عليهما من أجل تحرير الإستحقاق الرئاسي من الضغوط، ومن أجل تحرير "التفاوض" بشأنه من الابتزاز.
الأمر الأول مسؤولية عربية ـ دولية مشتركة، ويتعلّق بـ"كفّ يَد" النظام السوري عن لبنان. فلا بدّ أن يكون التمييز واضحاً بين دعوة نظام الأسد إلى عدم تعطيل الإستحقاق الرئاسي من جهة وبين استرضائه "بشكل أو بآخر" كي يسمح بحصول الإستحقاق من جهة أخرى.
ثمّة "تفهّم" لبعض المواقف الأوروبية التي تعلن الاستعداد لـ"الحوار" مع النظام السوري إذا امتنع عن التعطيل في لبنان. وثمّة "تفهّم" للمواقف الخارجية من "مبادرة" بري وتشجيعها. غير انّ الحرص على استقرار لبنان، لا يمكن أن يجري تجسيدُه بدعوة اللبنانيين إلى القبول بـ"أي" تسوية، لأن "أيّ" تسوية تعني أن يتمّ "الحوار" مع النظام السوري في المرحلة المقبلة في ظروف ملائمة له. ولذلك، فإنّ الإلتزام الدولي ـ والعربي ـ حيال استقلال لبنان واستقراره، المجسّد في القرار 1559 يفترضُ ترجمة "ديناميّة".
..ورفع الإحتلال عن وسط بيروت
أمّا الأمرُ الثاني فهو يتعلّق بـ"المعارضة". فلا يمكن لـ"المعارضة" ان تدعو إلى "التوافق" و"التفاوض" في ظلّ التهديد الذي يمثّله احتلال وسط العاصمة.
ولا يمكن الذهاب إلى "العمليّة الرئاسيّة" وأمنُ المجلس النيابي غير آمن، وذلك على مسافة أسبوع واحد فقط من جلسة 25 أيلول الثلاثاء المقبل. ولذا، فإنّ رفع "الاعتصام" عن محيط مجلس النواب هو من أولويات أمن الإستحقاق حيث يُفترض أن يتسلّم الجيش الأمن في هذه المنطقة.
تأسيساً على كلّ المقدّمات الآنفة، أي في ظلّ المعطيات القائمة "حتّى الآن"، من الواضح انّ جلسة الثلاثاء المقبل لن تشهد "انتخاب" رئيس الجمهورية.
ومن الطبيعيّ انّ وضوح "مصير" الرئاسة والرئيس يتطلّب على الأرجح انتظار ربع الساعة الأخير.. أي انّ الأمرَ مرحّلٌ بالضرورة إلى تشرين الثاني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.