8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي في "كلماته المتقاطعة" لا يضمن "ستاتيكو" هادئاً حتـّى

في مقابلته التلفزيونية مساء الخميس، رسم الرئيس نبيه بري شبكة من "الكلمات المتقاطعة" التي لا بدّ من "حلّها" لمعرفة حقيقة ما يعرضه، وذلك بصرف النظر عن الموقف الذي ستتخذه 14 آذار من هذا العرض في وقت لاحق.
في مرحلة من مراحل المقابلة، أطلق بري "فكرة" لافتة إذ قال "كنت أظن انّ في الإمكان خطف الإستحقاق الرئاسي أو سرقته" قبل أن يُضيف "حاولت" تصديق انّ ما تطرحه الأكثرية عن اللبننة صحيح".
إذا وضع جانباً انّ بري يعتبر انّ "خطف" الاستحقاق يعادل "اللبننة"، فانه يدعو 14 آذار إلى مشاركته في "سرقة" الاستحقاق. فماذا يعني ذلك؟
غياب التسوية الخارجية
بداية لا شكّ انّ بري عندما يستخدمُ مصطلح "خطف الإستحقاق"، يعترف ضمناً بانّ الإستحقاق "مأسور" وبانّ النظام السوري هو "الآسر". لكنه يعترف أيضاً بأنّ التسوية الخارجية، العربية ـ السورية والدولية ـ السورية، التي تشكّل حاضنة للإستحقاق اللبناني، انما هي متعذرة بل مستحيلة..بل يعترف بانّ المنطقة مقبلة على تطوّرات خطيرة. وعلى أي حال، أقرّ على إمتداد المقابلة بما يمكن تسميتُه "أزمة التسوية" الإقليمية ـ الدولية.
وعلى افتراض انّه يُمكن "خطف" الإستحقاق، الأمر الذي يفترض هو نفسه أن يكون "السجّان" أو نائماً عن "النواطير" أو متواطئاً مع الخاطف، فانّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الثمن الذي يجب دفعه، أو ما الفِدية التي يجب دفعُها لـ"تحرير" الإستحقاق؟.
من الواضح، في الجواب عن هذا السؤال، انّ بري، في سبيل نجاح عملية "الخطف"، إنما يراهن على أن يأتي الإستحقاق برئيس لا يستفزّ "السجّان" بل يرضيه عندما "يكتشف" هذا الأخير انّ الإستحقاق "حُرّر" فيقرّر عندئذٍ التعامل مع "الواقعة" و"الواقع".
"الثمن": رئيس يرضي دمشق
الثمن الأول لما يعرضه بري هو رئيس يقبل به النظام في سوريا.. وإلا فلا يمكن "خطف" الإستحقاق.
على انّ الرئيس بري، وكي يكون شديد الوضوح، تابع حديثه تحت عنوان انّ الوقت الآن ليس لتفاهمات حول "القضايا الوطنية الكبرى" التي دعت 14 آذار إلى إرسائها. قال رئيس المجلس انّ البحث في "القضايا الوطنية الكبرى" أمرٌ متّصل بتشكيل الحكومة، وهو تالياً مؤجّل إلى ما بعد الرئاسة.
وهنا، قبل الإشارة إلى الثمن الثاني، لا بدّ من التذكير بانّه حتّى في الموضوع الحكومي، سبق لـ"المعارضة" أن رفضت الخوض في تفاهمات حول "القضايا الوطنية الكبرى" عندما كانت تطرحُ تشكيل ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية". أكدت "المعارضة" على الدوام انّ ضمانة الحكومة ليست في برنامجها إنما في "توازنها" ولذلك طالبت بـ"الثلث المعطّل" ويزيد وتهرّبت من الحوار حول المضامين. وعليه فانّ الثمن الثاني لما يعرضه بري هو عدم عقد تسوية سياسية لبنانية تظلّل الإستحقاق والمرحلة التي تليه.
ما قصد برّي حول الحكومة المقبلة؟
وبـ"التوغل" في كلام بري، يتبيّن انه "رمى" في سياقه فكرة مرّت بسرعة، تقول انّ العادة درجت على أن تكون لرئيس الجمهورية الجديد "الحصّة" الأوزن في الحكومة الأولى من عهده، وأضاف انّ الحكومة الأولى في العهد الجديد ستكون لفترة أقلّ من سنتين "على كلّ حال" وذلك حتّى الانتخابات النيابية المقبلة ربيع ـ صيف العام 2009.
بصرف النظر عن انّ العادة درجت أو لم تَدرج، فانّ بري "يوحي" بالآتي: بما انّ التفاهم على "القضايا الوطنية الكبرى" لن يكون ممكناً، خاصة في غياب تسوية إقليمية ـ دولية، وبما انّ الرئيس المقبل يجب أن تكون حصّته الأكثر وزناً، فانّ الحكومة المقبلة بعد الإستحقاق الرئاسي، لن تكون حكومة تظهّر التوازن السياسي ـ النيابي الحالي، وفي "أحسن الأحوال" حكومة لفترة انتقالية حتّى الانتخابات "يعلِّق" فيها التوازن السياسي ـ النيابي فترة عامين.
لذلك، فانّ الثمن الثالث لما يعرضه بري هو "حكومة انتقالية" بعد الرئاسة. لكن وبما انّ التسوية السياسية الداخلية معلّقة في انتظار تسوية خارجية ما بعد تطوّرات ما، فالاحتمال هو الا تتشكّل حكومة بالمرّة.
مرحلة انتقالية.. والفوضى
إذاً، بعد حلّ "الكلمات المتقاطعة" عمودياً وأفقياً في "شبكة" الرئيس بري، وتحديداً لـ"الكلمة الضائعة"، يتبيّن انّه يدعو الأكثرية إلى واحد من ثلاثة خيارات. الأول رئيس يرضي "السجّان" فحكومة إنتقالية لا أكثرية فيها وصولاً إلى الانتخابات بعد عامين. والثاني رئيس لا يستفزّ "السجّان" مع إحتمال البقاء في ما يشبه "تصريف الأعمال" على المستوى الحكومي. والثالث لا هذا ولا ذاك، بل الفراغ والفوضى.
وبهذا المعنى هو يخيّر 14 آذار بين رئيس جرى وصفه آنفاً أو الفراغ والفوضى.
في ضوء هذا التحديد للمعطيات المُستخلصة من تحليل كلام بري، تستطيع 14 آذار بلورة موقفها. هو يخيّرها بين رئيس لا يستفزّ "السجّان" السوري بل يرضيه أو الفوضى، لكنّه يخيّرها أيضاً بين تمديد الأزمة مرحلة انتقالية اضافية أو الفوضى وبمعنى من المعاني هو يخيّر بين فوضى وفوضى، بين فوضى برئيس وفوضى بلا رئيس، بين فوضى برئيس ولا حكومة وفوضى "عامة".
هل ستختار 14 آذار من بين هذه "العروض" وليس من بينها عرضٌ حتّى بـ"ستاتيكو" هادئ وفعلي أم ستتّجه إلى الخيار الذي وضعت ملامحه في مواقفها السابقة؟. الجواب عن هذا السؤال لن يتأخر.
غير انّ الرئيس بري يعتقد على ما يبدو، انّ في وسعه القول "أنا أريد انتخاب رئيس بالتوافق و14 آذار لا تريد". ولذلك فانّ 14 آذار معنيّةٌ بأن توضح انّ الأمر ليس كذلك، أي انّ الخيار ليس بين رئيس بالتوافق أو رئيس من غير توافق، بل هو خيارٌ بين "خطف" تسوية لبنانية ـ لبنانية متكاملة من ضمنها الرئيس، وبين أزمة لا "هدنات" فيها بما انّها على الإيقاع السوري.
وبعد، من أين للرئيس بري أن يتحدث علناً عن "عملية خطف"؟ ومنذ متى يتمّ إعلام "السجّان" بنيّة "الخطف"؟ أم انّ ثمّة "إنّ" في الموضوع؟. وما الذي يجعل "السجّان السوري" يراقب "عملية الخطف" المُعلنة بأعصاب هادئة؟
"لن أغيّر حرفاً": وهل يستطيع؟
على انّ بري ختم مقابلته التلفزيونية بنتيجة سياسية قاطعة: "لن أغيّر حرفاً من مبادرتي" قال.
لـ14 آذار أن تردّ على ذلك بالاستشهاد بما قاله وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، إذ أكد أن ليس في السياسة "نعم" مطلقة أو لا مطلقة وانّ هناك دائماً "نعم ولكن" أو "لا ولكن". ولـ14 آذار أن تردّ بالاستشهاد بما قاله كثيرون من الموفدين عن "إيجابيات هنا وهناك" لتدافع عن إيجابيتها.
بيد انّ ذلك لن يغيّر شيئاً. الرئيس بري لن يغيّر حرفاً لانه لا يستطيع أن يغيّر. هي مبادرةٌ هكذا مُعدّة كي لا يتغيّر حرفٌ منها. وهي مطروحةٌ كي تُقبل أو ترفض "كما وردت". إن قُبلت جرى الوقوع في "أفخاخها" وإن رُفضت "قيل" انّ 14 آذار "تُعطّل".
ومع ذلك، يأتي من يقول لتقبل 14 آذار بها لانها إن قبلت سوف "تُحرج" الآخرين الذين يريدون لها أن تقع في "فخّ الرفض"..وبما انّ النظام السوري يريد تعطيل الإستحقاق فلتقبل 14 آذار بما يسمح بحصوله. لكنّ "السياسة" ليست "مناورات إعلامية".. فقط، انّها مضمون أساساً. فكيف يمكن القبول بعروض لا استعداد لدى أصحابها لتقديم ضمانات بـ"الهدوء" على الأقل؟ وكيف يمكن التفاوضُ حتّى للوصول إلى القبول فيما تسلّط السيوف على الرؤوس مِن "الاعتصام" إلى التسلّح إلى الاغتيالات؟.
"قال خطف الإستحقاق الرئاسي قال"!.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00