إذاً، أخذت 14 آذار مما طرحه الرئيس نبيه بري الدعوة إلى "التوافق". فدعت إلى حوار يُفضي إلى تفاهم على قضايا وطنية جوهرية. وكي يكون هذا الحوار جدياً وغير خاضع للتهويل والتهديد، طالبت بـ"سحب" الشروط المسبقة. وإذ احتفظت بـ"حقها الدستوري" كأكثرية، وهو الحق المتمثل في انتخاب الرئيس "بالنصف زائد واحد" من دون أن تضعه كشرط مسبق، ورفضت الإقرار بـ"ثلثي التعطيل"، تكون أعطت الحوار من أجل "التوافق" فرصة أن يكون "متكافئاً"، وفرصة أن يؤسس لـ"إنتاج السلطة" على قاعدة سياسية ـ دستورية ـ ديموقراطية "صلبة".
الثلثان "شرط سوري مانع"
من مطالعة عدد من المواقف التي صدرت ردّاً على 14 آذار، يتبيّن انّ "المعارضة" تتعامل مع ما أعلنته الأكثرية على انه إغلاق للأبواب في وجه "مبادرة" بري. وحقيقة الأمر انّ "المعارضة" كانت وضعت مقياساً وحيداً للايجابية، هو أن تقبل 14 آذار "المبادرة" المذكورة "كما وردت"، أي أن "تستسلم" للشرط المطروح فيها "على" التوافق، أي نصاب الثلثين. وواقع الأمر أيضاً انّ رفض الأكثرية لما يمكن تسميته "نصاب التعطيل"، جاء من منطلقات عدّة أهمها انّ "نصاب الثلثين"، خصوصاً في الظروف القائمة يشكّل "الشرط السوري المانع" للاستحقاق، و"الشرط السوري" لخطف الرئاسة والرئيس.. وإلاّ لكان برّي قال انّ النصاب الدستوري بالثلثين و"التزم" تأمينه بدءاً من كتلتي النيابيّة.
امّا الفعلي والحقيقي في ما أعلنته 14 آذار، فهو انها بـ"تحريرها" للحوار من أجل "التوافق" من الشرط المسبق المانع، تضع "مبادرة" الرئيس بري أمام محكّ أن تكون "لبنانية" بالمعنى الكامل للكلمة.
قبول دمشق بمبادرة بري لا يعني عدم التعطيل
منذ أن أطلق بري مبادرته من بعلبك في ذكرى تغييب الإمام الصدر، وهو يكرّر انّ "هذه المبادرة لبنانية صرفة". وبعض الذين دعوا إلى التعاطي معها على أساس ما يقوله بري، "احتاطوا" بالقول انّ رئيس المجلس ما كان ليطرح ما طرحه لولا أن ثمّة قبولاً سورياً "ما" بها.
فإن تكون سوريا مع "المبادرة"، أمرٌ لا يُسجّل في خانة هذه المبادرة، ليس فقط، لأنّ كلّ ما يأتي من النظام السوري أو يمرّ به "مشموس" بل لانّ الموافقة السورية عليها لا تعني انّها صارت مبادرة للحل، على أساس انّ النظام السوري مستمرّ في أسر الاستحقاق الرئاسي اللبناني كي يستدرج بحثاً أميركياً ـ دولياً ـ عربياً معه. وبهذا المعنى، ليس مطلوباً من نظام الأسد أن يكون موافقاً على "مبادرة" بري، بل المطلوب منه أن يوافق على حصول الاستحقاق الرئاسي. وبقاء "المبادرة" على حالها، أي بالشرط المسبق الذي تتضمنه يمكن أن يعني انها مبادرة "سورية" في إطار تعطيل الاستحقاق (خاصّة إذا لم يقترن الشرط بالالتزام بواجب تأمين النصاب).
فإذا كان من سبيل إلى "اللبننة"، فلا سبيل الا بتحرير الحوار من أجل "التوافق" من الابتزاز. وإذا كان بري يريد فعلاً لمبادرته أن تكون "لبنانية صرفة"، ما عليه إلا أن يأخذ "ردّ" 14 آذار بايجابية. وإذذاك ينطلق الحوار اللبناني مدعوماً بموقف عربي ودولي "ضاغط" لمصلحة حصول الاستحقاق.
سعود الفيصل و"التفاؤل الحذر"
طبعاً، ليس منتظراً أن يتم تلقّف مبادرة 14 آذار وايجابيتها. لماذا؟
من أجل الجواب، لا بدّ من المرور ببعض المعطيات الإقليمية للعودة إلى الداخل بعد ذلك.
أول من أمس، وإذ دعا إلى تعاطي القيادات اللبنانية مع مبادرة بري "التي يمكن أن تشكّل فرصة للحل"، لفت وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى "تفاؤل مشوب بالحذر" حيال هذه "المبادرة".
لم يشرح الفيصل على نحو "مباشر" أسباب "التفاؤل المشوب بالحذر". لكن "مقطعاً" آخر من مؤتمره الصحافي "يفسّر" الأمر. فهو يقول "نجدّد دعوتنا إلى كافة القيادات اللبنانية للتوافق وتغليب المصلحة الوطنية على كل ما يعوّقها من تدخلات خارجية تهدف الى إستباحة الساحة اللبنانية، وان تحرص القيادات اللبنانية على تجنّب الإنخراط في الصراعات الاقليمية والدولية التي تهدّد الكيان اللبناني".
"التفاؤل المشوب بالحذر" هو إذاً بسبب "التدخّلات الخارجية" و"إستباحة الساحة اللبنانية" و"الانخراط في الصراعات الإقليمية والدولية".
ولمّا كان معلوماً انّ "التدخّل" و"الاستباحة" من فعل النظام في سوريا بشكل "رئيسي"، فانّ ما يمكن استنتاجه من "النصّ السعودي" هو انّ المملكة تخشى على التوافق اللبناني "من" النظام السوري.
الاتصالات السعودية ـ الإيرانية
ليس في هذا الاستنتاج "المنطقي" ما يضيف على الأزمة "المتفجرة" بين المملكة ونظام الأسد. غير انّ هذا الاستنتاج المتّصل بقراءة في "النصّ"، يكتمل إذا تمت قراءة تحليلية لـ"الحركة" السياسية.
ليس سرّاً انّ ثمّة اتصالات سعودية ـ إيرانية تتركز على "المسألة اللبنانية" منذ عدّة أشهر. ويُفترض انّ إيران كي تنجح اتصالاتها مع المملكة من أجل تجنيب لبنان الفوضى والخراب، تتولى هي الاتصال بالجانب السوري وإبلاغه ما يلزم ومطالبته بعدم التخريب في لبنان. و"على ما يبدو" فانّ نتائج الاتصالات الإيرانية ـ السورية "لا تُطمئن"، ما يجعل المملكة العربية السعودية متخوّفة و"حذِرة".
على انّ ثمّة مؤشراً آخر يجدرُ أخذُه في الاعتبار، للدلالة على الحذر "الشرعيّ والمشروع" من دمشق، وهو مؤشر مزدوج إيراني ـ سوري.
إيران والعقوبات والعمل العسكري والخرق الإسرائيلي
خلال هذا الشهر يُفترض أن يبحث مجلس الأمن مشروع قرار يفرض عقوبات جديدة على إيران. وإذا كان من غير المعروف حتّى الآن ما إذا كان ثمّة إمكانية لـ"توافق" دولي أو لـ"إجماع" دولي حول العقوبات "الجديدة"، فانّ ما لفت في الأيام الأخيرة، هو ما تسرّب عبر الإعلام الأميركي عن بحث داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة بشأن عمل عسكري ضدّ إيران.
تزامن ذلك مع ما سمّي الاختراق الإسرائيلي للأجواء السورية، وقيام الطيران الإسرائيلي بالقصف داخل الأراضي السورية، ولم يكن خافياً انّ أميركا "غير بعيدة" عن الاختراق والقصف الإسرائيليَين. غير انّ تسرّب البحث الأميركي عن عمل عسكري ضدّ إيران، تزامن مع إشارتين إيرانيتين. الأولى دعوة رئيس "مجلس الأمن القومي" علي لاريجاني إلى "التعامل بجديّة" مع الاعتداء الإسرائيلي على سوريا، وتركُه "القرار للقيادة السورية". والثانية تراجع لاريجاني عن كلام سابق للرئيس أحمدي نجاد بشأن ملء فراغ الانسحابات الأميركية من العراق.
بهذا المعنى، ليس في المشهد الإقليمي ما يُفيد انّ إيران لا تستعدّ للاحتمالات على أنواعها عقوبات أو عملاً عسكرياً ضدّها، أو انّها قد لا تكون صاحبة مصلحة في "استباق" أي أمر ضدّها عبر "حرب بديلة" سورية ـ إسرائيلية. وعلى افتراض انّ إيران كانت وعدت بتحييد لبنان عن أزمة المنطقة نظراً إلى "حساسياته"، وعلى افتراض انّها كانت "راغبة" فعلاً في ذلك، فليس ثمّة ضمانة لأن تضغط على النظام السوري لـ"فك" لبنان عنها.
14 آذار والحوار "المتحرّر"
مِن هنا، وبـ"العودة" إلى لبنان، لا يتبيّن فقط انّ "مبادرة" برّي لا تحظى بـ"سنّادة" تجعلها مفتوحة على الحل، لا بل يتبيّن انّها إذا أُدرجت في السياق الإقليمي تشكّل، بالشرط المانع للتوافق، واجهةً لربط النظام السوري للبنان به وبحساباته.
لذلك، فانّ 14 آذار التي تنطلقُ من "اللبننة" بما يحيّد لبنان عن الصراعات الإقليمية ـ الدولية، دعت إلى التفاهم على قواعد وطنية واضحة بحيث يتمّ الاستحقاق في إطار من التفاهم الوطني المتكامل من ناحية، وبحيث لا يكون الاستحقاق محطّة في عملية ربط لبنان بصراع المحاور من ناحية أخرى.
انّه تحدّي "اللبننة" و"التلبنن". ولا خيارَ جدّياً إلاّ الانتقال مباشرة إلى الحوار وجدول أعماله إعادة الاعتبار إلى مرجعية اتفاق الطائف، وإعادة الاعتبار إلى مقرّرات الحوار الوطني، وتجنيب لبنان الإنعكاسات الإقليمية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.