في الأيام الماضية، أطلّت شخصيات محترمة في 14 آذار بموقف يقول انّ انتخاب رئيس الجمهورية بنصاب "النصف زائد واحد" يؤدي إلى "حرب أهلية" أو إلى "خراب لبنان".
قبل الخوض في نقاش "المضمون"، وتحديداً "العلاقة السببيّة" التي تقيمها تلك الشخصيات بين "النصف زائد واحد" و"الحرب الأهلية" أو "الخراب"، لا بدّ من التوقّف قليلاً عند بعض المعطيات الأساسية التي "لا يجوز" عدم أخذها في الاعتبار.
لماذا قلبُ الأدوار؟
يَفترضُ من يسمع هذا الموقف انّ 14 آذار في صدد "مبادرة تصعيدية" في مجال الإستحقاق الرئاسي. ويظن المستمع انّ المسألة المطروحة هي المفاضلة بين انتخاب الرئيس بنصاب الثلثين أو انتخابه بـ"النصف زائد واحد". ويخالُ ان 14 آذار هي صاحبة المشروع التعطيلي للإستحقاق. ويقرأ في كلام الشخصيات انّ "النصف زائد واحد" هو الخيار الأصلي وليس "الاضطرار".
باختصار، "يوحي" الكلام بانقلاب الأدوار بين الأكثرية و"المعارضة". فالأولى هي التي تضع الشروط والعراقيل فيما الثانية عاقلة ومسالمة.
الخيار الفعلي ليس بين
الثلثين و"النصف +1"
والحال انّ كلّ ذلك غير صحيح على الإطلاق. فاذا وُضعت جانباً حقيقة انّ نصاب الثلثين ليس مسلّمة دستورية وانّ نصاب "النصف زائد واحد" حقّ دستوري، فانّ ما لا بدّ من التذكير به، هو انّ "المعارضة" تطرح نصاب الثلثين ليس حرصاً على سلامة العملية الدستورية بل لتحقيق الآتي: في "أحسن الأحوال" المجيء برئيس ليس فقط يمدّد المرحلة الانتقالية المستمرّة منذ أكثر من عامين إنما رئيس يملك النظام السوري "الحصّة" الوازنة فيه، بما انّ "المعارضة" تربط تأمين نصاب الثلثين بما تسمّيه "التوافق" المسبق على اسم الرئيس، وفي "أسوأ الأحوال" فراغٌ في موقع الرئاسة أو "حالة غير شرعيّة" في مواجهة الحكومة الشرعية.. وفي "كلّ" الأحوال التأسيس لـ"قاعدة" الثلث المعطّل في المؤسسات الدستورية.
إذاً، ليس الخيار بين أن يُنتخب الرئيس في جلسة بنصاب الثلثين أو أن ينتخب في جلسة بنصاب "النصف زائد واحد" بما انّ "المعارضة" تمنع العملية "الانتخابية" الطبيعية. والخيار الحقيقي هو بين أن يُنتخب الرئيس بنصاب "النصف زائد واحد" كآخر الحلول الدستورية من جهة وبين "خطف" الرئيس والرئاسة أو الفراغ من جهة أخرى.
إعادة الاعتبار إلى حقيقة الصراع
يستطيع أي لبناني ان يفهم انّ ثمّة حرصاً يجب أن يُبدى من أجل التوصل إلى تسوية سياسية ـ وطنية تسبق الإستحقاق الرئاسي. وهو حرصُ 14 آذار مجتمعة على أي حال. لكن "لا يصّح" لأحد أن يضلّل اللبنانيين حول جوهر الصراع، بما هو صراعٌ لتثبيت المؤسسات الدستورية وتثبيت الإرادة اللبنانية المستقلة من جانب الأكثرية ولـ"فرملة" المسار الاستقلالي الديموقراطي والعودة بالبلاد إلى الوراء من جانب "المعارضة". والشخصيات المحترمة في 14 آذار مطالبةٌ، وهي التي تقول انّ "النصف زائد واحد" شرّ، بالجواب عن السؤال الملحّ الآتي: ماذا لو رفضت "المعارضة" التسوية المتكاملة، ورفضت تأمين نصاب الثلثين ودفعت باتجاه الشغور في موقع الرئاسة؟. فإذا كان "النصف زائد واحد" شرّ فما هو الخير في المقابل؟.
ما علاقة النصاب بالخراب؟
لذلك، في خضمّ هذا النقاش، لا مفرّ من إعادة الاعتبار إلى "حقيقة" الصراع الدائر.
وفي الانتقال إلى "المضمون" المطروح، يبرزُ سؤال سياسي ـ فكري "بسيط" هو: كيف يمكن لـ"نصاب" أن يقود إلى "حرب أهلية"؟.
تلك "المعادلة" غريبة فعلاً. فاذا كان لبنان يواجه بالفعل خطر "حرب أهلية" فما دخل "النصاب"؟. وإذا كان يواجه خطر "حرب أهلية" أليس الفراغ الدستوري عاملاً من عوامل تغذيتها؟.
والحال انّ في لبنان خطراً "دائماً" من "حرب أهلية". ويستطيع أي فريق التهويل بها أو الابتزاز بواسطة التهويل. وإذا كان صحيحاً القول ـ فكرياً وثقافياً ـ انّ أيّ صراع على السلطة وعلى الخيارات الكبرى، مفتوحٌ على "احتمال" حرب أهلية في أي بلد من البلدان فكيف في لبنان، فالصحيح أيضاً انّ التسليم بـ"حتميّتها" يساعد من يريدها على المضيّ فيها، في حين انّ إبراز عبثيتها والحائط المسدود في وجه استهدافاتها "قد" يساعد على منعها.
"الحرب الأهلية" ليست قدراً محتوماً
ثمّ، يجب أن يُقال أن "لعبة الحرب الأهلية" لا أرضية لها اليوم في العام 2007 كما كان الأمر في العام 1975.
النظام السوري ذو المصلحة في حرب أهلية "يديرها" في لبنان وتشكّل بالنسبة إليه "جسر" العودة الى هذا البلد، يحسبُ جيداً "هذه المرة" حساب حرب أهلية "لن" تبقى ضمن حدود لبنان، وهو على أي حال يبدو "مكتفياً" حالياً بإدارة "شكل" من أشكال الحرب الأهلية، في صيغة توتّرات عنفيّة. وإيران حليفة النظام السوري، ليست مستعدّة للذهاب الى "إجازة" حرب أهلية، سنيّة ـ شيعية إنطلاقاً، لحسابات مصالحها في المنطقة. و"التوازن" العربي ـ الدولي ليس توازن إجازة للحرب في لبنان.
طبعاً، لا تهدف هذه المقدّمات الى التبشير بأن المرحلة المقبلة ليست صعبة، ولا الى الطمأنة بـ"المطلق". لكنها تهدف الى القول إن "الحرب الأهلية" ليست قدراً محتّماً بالرغم من كل الأخطار التي لا بدّ من إحتسابها.
"النصف+1": دافعٌ وكابح
وهنا، وفي الحسابات الدقيقة جداً، ينبغي ألاّ يغيب عن البال أن "التوازن اللبناني" يلعبُ دوراً كابحاً الى حدّ.. كبير. والأكثرية النيابية، أي التوازن النيابي لمصلحة 14 آذار، تمثّل عاملاً مهماً ورئيسياً في "الكبح".
فلو كان التوازن السياسي ـ الشعبي ـ النيابي توازناً "عددياً" متساوياً، يقيناً أن "المعارضة" ما كانت لـ"تتراجع" وتطرح "التفاوض" على 14 آذار. و"مبادرة" الرئيس نبيه بري، بهذا المعنى، "محاولة" تفاوضية. ولا مجال للشكّ في أن ورقة "النصف زائد واحد" هي التي "حرّكتها".
وليس خافياً، في وقت لا شكّ أنّ وراء مبادرة برّي ورقة "النصف زائد واحد" لدى 14 آذار، أنّ هذه المبادرة تهدف الى خلخلة صفوف الأكثرية.
كيف إذاً تُرمى هذه الورقة "الثمينة" من جانب بعض 14 آذار إذا كانت هي دافعٌ الى "المبادرة"؟
وهذه الورقة ثمينةٌ في إتجاهين: فإذا كان لا بد لتسوية أن تحصل، فهذه "الورقة" هي التي ستدفع باتجاه التسوية، وإذا تعذّرت التسوية، يغدو استخدامها اضطرارياً عاملَ حفاظ على "الهيكل" حتى يحين أوان التسوية. وإلاّ، على افتراض أن "النصف زائد واحد" يشكّل "ذريعة" لفريق "المعارضة"، فمعنى ذلك أن يتحوّل البلد الى "سلطات أمر واقع" هنا وهناك، وأن ينهار "الهيكل".. والأخطر أن "تتملْيش" الحياة اللبنانية فوق ركام الدولة، وما أدراك ما "التملْيش".
لا يزعمّن أحدٌ في 14 آذار أنه أكثر "تسوويّة" من غيره فيها. ولا يصورّن أحدٌ حركة 14 آذار على أنها مُتنَازعةٌ بين "صقور" و"حمائم".
"التفوّق" الوحيد
ليس فقط، يعني رمي ورقة "النصف زائد واحد" كسر التوازن بل خسارة المعركة في ربع الساعة الأخير. وواقع الأمر أن 14 آذار صاحبة مشروع تسوية، وتعطي للتسوية فرصتها.
وفي وقت تعلن "المعارضة" أن "على" الأكثرية القبول بمبادرة برّي "كما هي"، يُسقط التخلّي عن "النصف زائد واحد" التفاوض مسبقاً، بل يُسقط فرصة للتسوية أساساً.
وفيما لا تزال التسوية "مستحيلة" حتى الآن، على الرغم من كثرة "الحركة"، ينبغي عدم إشاعة أي أوهام. و"التفوّق" ربما الوحيد هو احتفاظ الأكثرية بأكثريتها.. بـ"النصف زائد واحد".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.