8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستحقاق الرئاسي والتقاطعات "غير التسوويّة"

لم يمنع تقليل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد علي الخامنئي من الأبعاد السياسية لانتخاب الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني على رأس مجلس الخبراء، المتابعين ديبلوماسيين وسياسيين من اعتبار انّ ثمّة تغييراً ما يشقّ طريقه داخل إيران.
يقرأ الديبلوماسيون والسياسيون، على الجانب الغربي من العالم "عودة" رفسنجاني إلى أحد مواقع القرار في إيران، من ضمن المعطيات الرئيسية الآتية:
"إشارة اعتدال" ورسالتين
أولاً، عبرَ انتخاب رفسنجاني "البراغماتي" إلى رئاسة مجلس الخبراء الذي "يؤثّر" في سياسة المرشد الحالي ويختار المرشد المقبل، تعطي إيران في الداخل والخارج "إشارة اعتدال".
في الوقت نفسه ثانياً، "تتجاورُ" إشارة الإعتدال هذه مع ما هو قائمٌ على صعيد مؤسسات صنع القرار الأخرى. وهذا يعني انّ ثمّة تظهيراً لتوازن قوى "مختلف" داخل النظام الإيراني. وفي إطار هذا التوازن "المختلف" تحتفظ إيران بـ"وجهين" إذا جاز التعبير، وجه التشدّد من جهة ووجه البراغماتية والإعتدال (النسبيّ) من جهة أخرى.. أي انّها توجّه رسالتين معاً: رسالة "القدرة" على إجراء تحوّلات بالتوازي مع رسالة "القدرة" على "المواجهة" وعلى الاستمرار فيها.
ومن وجهة نظر الديبلوماسيين والسياسيين على الجانب الغربي من العالم ثالثاً، سيبقى هذا التوازن "المختلف" مرعيّاً بدقّة كي يبقى قادراً على توجيه رسالتَي "التسوية" و"المواجهة" معاً إلى أن تتّضح الصورة الإقليمية ـ الدولية. ويرون أنّه سيكون خطأ قاتلاً البناء على فرضيّة تبدّل "جذريّ" في السياسة الإيرانية في مدى منظور لأنّ أيّ تحول سيكون "بطيئاً" ومتصلاً بتطوّرات في هذا الاتجاه أو ذاك.
غير انّ ما يلفتون إليه رابعاً، هو انّ إشارة الإعتدال (النسبيّ) والبراغماتية التي أعطتها إيران، تدلّ على استشعار النظام الإيراني للإنعكاسات الداخلية "المباشرة" لسياسة المواجهة والتحدّي في المسألة النووية خصوصاً، سواء تعلّقت تلك الإنعكاسات بالأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، كما تدلّ على وجود إمكانية من داخل النظام للتكيّف والتأقلم مع أي خيار يرى النظام مصلحة له فيه.
خطأ البناء على تحوّل إيراني "جذري" منظور
ويشيرون خامساً وأخيراً إلى انّه مع دعوتهم إلى عدم توقّع تحوّل "جذريّ" في مدى منظور، من المفيد الانتباه إلى انّ سلوك إيران طريق البراغماتية والإعتدال، عندما يُحسم السير في هذا الاتجاه، "مجزٍ" لإيران، ويضيفون انّ النتيجة "الفوريّة" للتوازن "المختلف" هي انّ إيران سوف "تدرس" وبـ"عمق" في هذه الفترة أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى "تفجير". وإذا كان هؤلاء يعترفون بأن لا معرفة لديهم بكيفية تعاطي الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مع الإشارة الإيرانية الأخيرة، فانّهم لا يستبعدون أن ترى أميركا فيها "تدبيراً" إيرانياً داخلياً بموجبه يؤسّس الاتجاه البراغماتي على أمر واقع "يرثه" ويفاوض إنطلاقاً منه.
النظام السوري و"مشكلته" مع المحكمة الدولية
في هذا الإطار، توقّف المراقبون المتابعون في اليومين الماضيين، عند نقطة مهمّة، هي أثر التوازن الإيراني "المختلف" على العلاقة الإيرانية ـ السورية من ناحية، وعلى الوضع الإقليمي ككل من ناحية ثانية.
فمع انّ المقدمات السابقة تدعو إلى تحاشي الوقوع في حسابات خاطئة بشأن تحوّل إيراني "جذريّ"، ما يعني انّ لا مبرّر لأيّ رهان على تغيّر في المشهد الإقليمي في مدى قريب، فانّ المقدّمات السابقة تفيد انّ إيران قادرة على "التسوية" في وقتٍ من الأوقات، وانّ المجتمع الدولي قادرٌ هو أيضاً على أن يجد عناصر للتسوية مع إيران إذا أراد.
الحال مختلفة مع النظام السوري. يربطُ نظام الأسد مصيره بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء الاستقلال اللبناني الثاني. وبمعنى من المعاني فانّ مصير النظام السوري مرتبطٌ بالمحكمة بالفعل. وهو يريد إسقاط المحكمة معبراً لـ"العودة" إلى دور ونفوذ في لبنان. وهو يكشف يوماً بعد يوم استعداده لـ"أيّ شيء" في سبيل ذلك.
المجتمع الدولي والضغوط المتسارعة على دمشق
بالتزامن مع "الإشارة" الإيرانية التي قد لا تعدّل في تعاطي المجتمع الدولي مع إيران في الأفق المنظور، يستعدّ المجتمع الدولي لتصعيد ضغوطه على نظام بشار الأسد. ضغوطٌ سياسية تعبّر عنها المواقف الأميركية والأوروبية المركّزة على مطالبته بوقف التدخل على أشكاله في لبنان. تفعيلٌ منتظر للقرار الدولي 1559 وصولاً إلى إجراءات في حال لم يمتثل إلى متطلبات هذا القرار، خصوصاً إذا واظب على محاولة تعطيل الاستحقاق الرئاسي اللبناني. وخطواتٌ متسارعة على صعيد تشكيل المحكمة الدولية بحيث صار صدور قرار ظني عن لجنة التحقيق الدولية مسألة أسابيع قليلة فقط.
سوريا ـ إسرائيل
في هذا "المناخ" الدولي تجاه نظام الأسد، اخترق الطيران الحربي الإسرائيلي الأجواء السورية قبل يومين وقصف بالفعل داخل الأراضي السورية. رسالةٌ إسرائيلية إذاً في "مناخ" دولي متشدّد. رسالة إسرائيلية تفيد انّ ثمّة كبحاً أميركياً للتعاطي الإسرائيلي "الحنون" مع النظام السوري في المرحلة السابقة، وانّ ثمّة فارقاً لدى إسرائيل بين النظام "الأقلّوي" وبين النظام المتحوّل جزءاً من "الهلال الشيعي الإيراني" كما يسمّى في العديد من الأوساط. ومن جهته، ردّ النظام السوري على الرسالة الإسرائيلية برسالة مقابلة تقول انّه سيردّ بالطريقة المناسبة على الاعتداء الإسرائيلي.. خصوصاً انّ نظام الأسد يلمس التوجه إلى عزله لا سيما عبر "المؤتمر الدولي" الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش في تشرين الثاني المقبل.
تأسيساً على ما تقدّم تبدو الأمور على "الجبهة" الدولية (والإسرائيلية) ـ السورية أسرع منها على "الجبهة" الدولية ـ الإيرانية. وإذا كان هذا الاستنتاج يعني مباشرة انّ الإستحقاق الرئاسي اللبناني "محاطٌ" بتطوّرات متسارعة على "الجبهة" الدولية ـ السورية، فانّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا عن إيران والوضع اللبناني؟

إيران و"عبء" نظام الأسد
"حتّى الآن"، تفيدُ المعلومات من مصادرها الإيرانية انّ طهران التي تَعِدُ نفسها بما سمّته "ملء فراغ" الانسحابات الأميركية من العراق، والتي "تحتاج" إلى "علاقة" مع واشنطن لهذا الغرض، تؤكد انها من جهتها لا تستحثّ انفجاراً إقليمياً. وتقول المعلومات الإيرانية انّ إيران تتواصل مع المملكة العربية السعودية بخصوص الأزمة اللبنانية وانها ضدّ "الانفجار" في لبنان.
بصرف النظر عمّا تحاول المعلومات الإيرانية الايحاء به عن تمايز مع دمشق، فانّ لهذه المعلومات تفسيراً أساسياً هو انّ السلوك التفجيري للنظام السوري إقليمياً وفي لبنان يشكل "عبئاً" على طهران. وأكثر من ذلك، تعرف إيران انّ "التسوية" التي يسعى نظام الأسد إلى استدراجها، مستحيلة، لأن إلغاء المحكمة الدولية مستحيل ولأن تجديد دوره ونفوذه في لبنان مستحيلٌ أيضاً.
..والفرصة الضئيلة لاستدراك التفجير السوري
لكن، إذا كانت المعلومات الإيرانية عن الاتصالات على خطّ طهران ـ الرياض دقيقة، فليس ثمّة ما يثبت انّ إيران تمارسُ ضغطاً على النظام السوري لوقف سياسته التفجيرية. وهذا يعني انّ فرصة نجاح إيران في "إستدراك" التفجير السوري، ضئيلة، وانّ هذا الإستدراك قبل الإستحقاق الرئاسي اللبناني "صعب".
من هنا، وبالعودة إلى ما جرت تسميته "التوازن الإيراني" المختلف، وتأكيداً على "مفعوله" المحدود في المدى المباشر، يمكن القول انّ أيّ رهان على "فرز" إيراني ـ سوري "منظور" ليس في محلّه، وانّ "العبء" الذي يمثّله النظام السوري على إيران في لحظة إكتمال شروط التسوية ونضوجها، ليس داهماً الآن، خصوصاً انّه سبق لإيران أن فوّضت نظام الأسد بـ"لبنان"، ولم يحن أوان سحب هذا التفويض من جانبها.
هكذا إذاً، وبما انّ الوقت ليس "مفتوحاً" في ظل التطوّرات المتسارعة على "الجبهة" الدولية ـ السورية، وبما انّ المساعي والاتصالات مع إيران، الضرورية على كلّ حال، ليست واعدة حتّى الآن بتقدّم "محسوس" وسريع، فانّ الإستحقاق الرئاسي اللبناني ليس ـ تكراراً ـ محاطاً بتسوية إقليمية ـ دولية قابلة لأن تحتضن تسوية لبنانية ـ لبنانية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00