صدق من قال "خذوا أسرارهم من صغارهم".
بالفعل، فقد إنبرى بعض أبواق النظام السوري في الأيام الماضية لـ"التنبيه" من حرب إسرائيلية آتية على سوريا في الخريف المقبل. وإذ اتهم فريق الأكثرية اللبناني بالتواطؤ مع إسرائيل لـ"إعداد" هذه الحرب وبالرهان المسبق على نتائجها، سارع ذلك البعض إلى "التبشير" بمفاجآت سورية تضاف إلى المفاجآت التي وعد بها "حزب الله" في حال نشوب الحرب، لا بل بدا بحسب ما طُلب منه متأكداً من انّ الحرب ستقع، وسيكون من نتائجها قلب الموازين والمعادلات في لبنان والمنطقة.
عند هذا الحدّ تنتهي قصّة "الأسرار من الصغار" . وواقع الأمر انّ نظام الأسد في سوريا، الذي فشل في إستدراج تسوية دولية ـ عربية معه تتضمّن إسقاطاً للمحكمة الدولية وضغوطها من ناحية واعترافاً متجدّداً بدوره في لبنان من ناحية أخرى، يتحرّك باتجاه إستدراج حرب سورية ـ إسرائيلية "يأمل" أن تؤدي إلى "قلب الطاولة".
سوريا "مقاطعة" عسكرية إيرانية
في هذا المجال، وبحسب مصادر سياسية وديبلوماسية عدّة، يراهن النظام السوري على مجموعة من العوامل أهمّها:
العامل ـ المعطى الأول، هو انّ سوريا تحوّلت في الشهور الماضية إلى "مقاطعة" عسكرية إيرانية بالكامل. آلاف الضباط والخبراء والجنود الإيرانيين يمسكون بـ"المفاصل" الأساسية للبنية العسكرية. تسليح إيراني كثيف ونشر لـ"دفاعات" صاروخية. وبنية تحتيّة إيرانية كبيرة.
..وخطّ أمامي لطهران
والعامل ـ المعطى الثاني، هو انّ إيران المتحسّبة لاحتمال تصاعد الضغط الدولي عليها وصولاً إلى "المواجهة"، تتعاطى مع سوريا بوصفها ساحة أمامية أي خطّ دفاع أمامياً عنها. وبمعنى من المعاني، ليس ما يمنع إيران من "الاعتقاد" انّ حرباً سورية ـ إسرائيلية يمكن أن تكون إما حرباً بديلة من الحرب الأميركية ـ الإيرانية وإما حرباً إستباقية تبني على نتائجهما ـ البديلة أو الإستباقية ـ حسابات المرحلة المقبلة، خصوصاً انّ طهران تعرف تمام المعرفة انّ إسرائيل تؤيّد "التخلّص" من "إيران النووية"، وتتدرّب على ضرب المنشآت النووية الإيرانية.
هذا مع العلم أن إيران مقتنعة، بمناسبة التقويم الأميركيّ للوضع في العراق ووضعها فيه، بأنّ الولايات المتّحدة مهزومة كما قال الرئيس الايرانيّ محمود أحمدي نجاد أمس قبل أن يسارعَ إلى إبداء الاستعداد لمعاونة العراقيين على "ملء الفراغ". فكيف في المقابل، إذا كانت ايران تعتقد انّ أميركا ستبادر إلى مواجهتها لـ"التعويض" عن العراق؟
والعامل ـ المعطى الثالث، هو دور "حزب الله" في حال إندلاع الحرب. وقد أكد الحزب على لسان مرجعه الأول السيّد حسن نصرالله أكثر من مرّة انه "شريك" في المواجهة، وقد أعدّ نفسه لها منذ شهور.
أما العامل ـ المعطى الرابع، ولعلّه الأهم، فهو انّ النظام السوري الذي يعرفُ انّ إسرائيل هي "الحامي الأكبر" له أي المانع الأكبر من إسقاطه، "يعتقد" انّ إسرائيل لن تذهب في أي حرب إلى حدّ تطلّب نتيجة من شأنها أن تهزّ النظام وتُسقطه.
وعليه فانّ المعطى الخامس، هو انّ نظام الأسد يبني "تقديره" على أساس إمكان الخروج من الحرب بـ"انتصار سياسي"، أو الخروج منها بـ"حالة" تمكّنه من ادعاء الانتصار على قاعدة انّ النظام لم يسقط فهو انتصر إذاً (!). وتأسيساً على ذلك، إذا حصل، يأمل النظام أن يضع الوضع العربي والمجتمع الدولي أمام تحدّيات جديدة مختلفة.
تبدّل إسرائيلي حيال نظام الأسد
بيد انّ ثمة وجهاً آخر لـ"الصورة".
ما من أحد يجادل في انّ إسرائيل لعبت خلال العقود الطويلة الماضية دوراً رئيسياً في "حماية" النظام السوري، بمعنى جعله خارج هدف الإسقاط، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة. فإسرائيل "كانت" حتّى فترة قريبة ترى انّ نظام الأسد "يناسبها"، أي انّ نظاماً "يتكلم لغة الأكثرية ويتصرف أقلوياً"، مناسب في جوار "كيان أقلوي" آخر، كما تقول المصادر الآنفة. حتى في حرب تموز 2006 جنّبت إسرائيل النظام السوري أي ضربة وهو لم يحرّك ساكناً من جهته أصلاً.
غير انّ النظرة الإسرائيلية تبدّلت بفعل ما تعتبره إسرائيل تحوّلاً، إذ غدا النظام السوري قاعدة إيرانية وجزءاً عضوياً من المنظومة الإيرانية، بحيث باتت إيران على "حدود إسرائيل" وحيث بات "الهلال الشيعي" ـ بحسب إحدى التسميات المعطاة للتمدّد الإيراني "الشيعي" ـ قريباً منها.
أمّا السبب الآخر لتبدّل النظرة الإسرائيلية إلى نظام الأسد، فهو انّ العلاقة الإسرائيلية ـ الأميركية فرضت على إسرائيل "الانضباط" التام ضمن الإدارة الأميركية للمسائل الشائكة في المنطقة.
إذاً، لا مفرّ من إستنتاج انّ النظام السوري يلعبُ لعبة الحرب. وعندئذٍ لا قيمة "خاصة" لـ"الشرارة" التي ستولعها. وهي حرب بين مراهنات نظام الأسد على تحقيق مكاسب سياسية استراتيجية فيها من جهة وحسابات "الردّ" عليها من جانب إسرائيل ـ وأميركا ـ من جهة ثانية.
الهجوم على السعودية
لـ"ضمّ" النظام العربي إلى إسرائيل!
الآن، وبعيداً من "التبحّر" في الإستنتاجات، ثمة ما يلفت في "الخطاب" السوري على لسان النظام وأبواقه. فأن يتوازى ـ أو يتزامن ـ الحديث عن حرب سورية ـ إسرائيلية آتية مع الهجوم على المملكة العربية السعودية ـ والنظام العربي ـ لهو أمر لافت بالفعل، ولا تخفى أبعاده وإستهدافاته.
ذلك انّ إستدراج الحرب مع إسرائيل في سياق لا علاقة له بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وبقضيته المركزية فلسطين، بما انّ الهدف من هذا الإستدراج يتعلّق بالنظام السوري وتحالفاته، انما هو فضلاً عن كونه "إنفراداً"، خروج عن النظام العربي واستراتيجيته وعن "مركزية" الصراع العربي ـ الإسرائيلي ودفع للمنطقة في توجهات غير متفق عليها عربياً.
من هنا، يقول "الخطاب" السوري وسيقول انّ حرباً إسرائيلية ستشنّ عليه وليس هو من يستدرجُها. ويقول ممهداً وسيقول انّ النظام العربي وفريق 14 آذار اللبناني متواطئَين مع إسرائيل وحربها، في محاولة لـ"تصوير" الصراع على انه بين عرب وإسرائيل أي أن لا حياد فيه، وفي محاولة لـ"إسقاط" المشروع العربي الذي هو البديل من المشروع الإسرائيلي ونقيضه والمستقلّ عن الولايات المتحدة، وهو البديل من المشروع الإيراني المستتبِع لسوريا في آن.
انّ القصف السوري على المملكة العربية السعودية ودورها في لبنان وفي فلسطين، لا يلغي حقيقة انّ النظام العربي ومشروعه مستقلاّن ويندرجان في إطار الشرعية الدولية.
14 آذار والشرعيّتان
"الفخّ" واضح. بيد انّ 14 آذار في ما يعنيها، تضع نفسها ولبنان في إطار الشرعيّتَين العربية والدولية معاً. فهي حركة استقلال في بلد عربي هو لبنان، مؤيَّد من هاتين الشرعيّتين. وإذ تشدّد على تحييد لبنان عن صراع المحاور وعن معارك بعض الأنظمة المدافعة عن نفسها، فانّها ترى انّ للبنان دوراً في إطار الشرعيّتين اللتين منحتا استقلال البلد وحريته أوسع دعم، في الدفاع عن استقلال فلسطين.
"حزب الله": إسقاط آخر معلَم لـ"الحكمة"
على انّ ثمّة "إشارة" مفيدة في هذا السياق. أول من أمس، طالب رئيس الكتلة البرلمانية لـ"حزب الله" النائب محمد رعد "جهة" قال انّه لن يسمّيها الآن بتوضيح مواقفها، محمّلاً هذه "الجهة" المسؤولية عن الحل أو التأزيم في لبنان. ولم يكن خافياً انّ ما عناه رعد ليس لغزاً ولا أحجية. انّه يقصد المملكة العربية السعودية. وبهذا المعنى يمهّد رعد ـ أي "حزب الله" ـ لمهاجمة المملكة. وبهذا المعنى أيضاً، فان إنتقال "حزب الله" إلى مهاجمة المملكة ودورها، عندما سيُصبح الهجوم علنياً وغير مرمّز، سيعني انّ الحزب أسقط "المعلَم" الوحيد لـ"الحكمة". ولعلّ ذلك ما يفسّر بعض الكلام عن انّ النظام السوري ـ وإيران التي فوّضته "بـ"لبنان ـ يبدوان وكأنهما يخوضان "المعركة الأخيرة" التي لا معركةَ بعدها.
فهل من دلائل أكبر من كلّ تلك التي جرى إستعراضها، على انّ إستحقاق"نا" الرئاسي يقيمُ على تقاطعات "شرسة"؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.