8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"روافع" الاستحقاق تواجه "الكابح" السوري ـ الإيراني

أنهى الموفد الفرنسي جان كلود كوسران زيارته إلى بيروت، مشدّداً على وجوب إتمام الإستحقاق الرئاسي اللبناني ضمن المهلة الدستورية المحدّدة له. وفي المعلومات انّ وراء هذا التشديد تخوّفاً فرنسياً يزداد يوماً بعد يوم من نيّة النظام السوري مباشرةً وعبر حلفائه وأدواته، منع حصول الانتخابات الرئاسية. وبهذا المعنى، فانّ التشديد يرتدي طابع التحذير من التعطيل.
الرئاسة والرعاية الدولية بالـ1559
وفي المعلومات أيضاً، انّ ثمّة توجّهاً دولياً إلى "تفعيل" القرار 1559 الذي تشكّل المسألة الرئاسية البند الأول فيه، بحيث يتمّ إخضاعُها إلى نوع من "المراقبة" بل "الرعاية" الدولية من أجل تطبيق هذا القرار بعد ثلاث سنوات من صدوره. وفي هذا السياق، وإذا كان كوسران لم يذكر القرار 1559 إسميّاً أثناء زيارته، فتأكيدُه على الإستحقاق الرئاسي، انما يندرجُ في إطار الإلتزام الدولي بالقرار الذي يتابعه مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود ـ لارسن عن كثب في هذه الأيام.
إذاً، تتزامن "العودة الفرنسية" إلى الـ1559 بمعنى عدم ربط مسألة رئاسة الجمهورية بأي شروط وبغير المعايير المحدّدة في القرار الدولي، مع توقّع تخريب النظام السوري ـ المفوّض من جانب إيران بلبنان ـ لهذا الإستحقاق. وهذا ما تؤشّر إليه مجموعة من المعطيات الرئيسية.
التخريب السوري: تهديد أمن الدور السعودي
ليس "مفاجئاً" أن يتمّ الكشف، في هذا التوقيت، عن تهديدات "جدّية" وجّهت إلى الدور السعودي في لبنان، أي إلى السفير عبد العزيز الخوجة وإلى السفارة السعودية. وليس مفاجئاً أن يكون النظام المخابراتي السوري وأدواته وشبكاته مصدر هذه التهديدات. ومع انّ هذه التهديدات ليست الأولى التي يتلقاها السفير الخوجة، فانّ ثمّة انتقالاً سوريّاً إلى مرحلة متقدّمة من الاعتداء على أمن الدور السعودي، وهو دورٌ سعى إلى تسهيل تسوية لبنانية ـ لبنانية لا تمرّ بدمشق، بما انّ التسوية التي تمرّ بدمشق، أي المطلوبة من نظام الأسد، تعني "إسقاط" الاستقلال اللبناني. واللافت أيضاً انّ التهديد بالاعتداء على أمن الدور السعودي، يأتي بعد أن كشفت المحكمة عمق الخلاف مع الإدارة السياسية السورية للوضع في لبنان منذ عقود، وعمق الخلاف بشأن العناوين العربية الرئيسية وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينية.
المحكمة وقرب تعيين المدّعي العام الدولي
وإذا كانت التهديدات إلى الدور السعودي في لبنان تمثّل إشارة رئيسية أولى إلى استمرار النظام السوري في التخريب وتصعيده، فانّ ثمّة محطّة قريبة تقود إلى إستنتاج تصميم الأسد على التخريب. فمع نهاية أيلول المقبل، أي بالتزامن مع بدء الموعد الدستوري للإستحقاق الرئاسي، يُنتظر أن يعيّن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مدّعياً عاماً للمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء الاستقلال اللبناني. وتعيين المدّعي العام الدولي يعني انّ الخطوة الإجرائية المركزية على طريق تشكيل المحكمة تنفيذاً لقرار إنشائها تحت الرقم 1757، تكون قد نفّذت. وتعيين المدّعي العام الدولي يعني أيضاً انّ في وسع المحقق الدولي سيرج براميرتس أن يرفع في الخريف المقبل حصيلة اتهامية إلى المدّعي العام. وتعيين المدّعي العام يعني انّ شهوراً قليلة فقط ستمضي قبل استكمال "هيئة المحكمة" لتُصبح قادرة على "الجلوس"، وسط توقّعات بانّ الموعد مع "هيئة المحكمة" لن يتأخّر عن شباط أو آذار المقبلَين.
"لا يزال" نظام بشّار الأسد طامحاً إلى إسقاط المحكمة. ومعنى ذلك انّه لن يُسقط "ورقة التخريب" في لبنان قريباً. وإذا صحّ انّ هذا النظام سيبقى يحاول إلى أن تقوم "هيئة المحكمة" أو إلى أن يصدر أول اتهام، فمعنى ذلك انّ ثمّة "مرحلة" تخريبية سورية تمتد إلى آذار المقبل.. على الأقل.
أزمة نظام الأسد مع المحكمة
ولعلّ موقف النظام السوري من المحكمة هو ما يفسّر قراره بتعطيل الإستحقاق الرئاسي. ذلك انّ نظام الأسد يريدُ من الإستحقاق أن "يُنتج" إمّا رئيساً قادراً على التعطيل العملي للمحكمة وربّما قادراً على إعادة النظر في التزام لبنان بها، وإمّا تعطيله لنشر حالٍ من الفوضى في لبنان، من شأنها في اعتقاده أن "تضيّع" موضوع المحكمة قبل استكمال خطوات تشكيلها. وهنا، ثمّة من يبدي بين الحين والآخر، اعتقاده انّ النظام السوري يريد تسوية "على" المحكمة، أي ضمانات بألا يتجاوز الاتهام مستوى مخابراتياً معيّناً فيه. ومع انّ هذا الافتراض ليس في محلّه لأن أحداً على المستوى الدولي ـ السياسي ـ ليس في وارد فتح "بازار" معه، فانّ افتراض إمكان أن يكون النظام في سوريا مستعدّاً لـ"التضحية" بأحد ضبّاط المخابرات، في غير محلّه أيضاً، وذلك لسببين على الأقل. الأول هو "عدم القدرة" على هكذا "تضحية" في ظلّ ما هو معروف عن تراتبية النظام و"توازناته". والثاني، هو انّ النظام السوري يريد لإسقاط المحكمة التي هي لـ"محاكمته"، أن يعيد له "اعتباره" ودوره في لبنان، وفي المنطقة من خلال لبنان، وهو يعرف انّه إذا "أعطى" سيكون مطلوباً منه أن يعطي أكثر في الملفات المختلفة.
إيران وأزمة العقوبات داخلياً
وإلى المؤشرَين الآنفين أي التهديدات للدور السعودي في لبنان والرغبة في إسقاط المحكمة، ثمّة تطوّران إقليميان بارزان.
أوّلهما، التوجه الدولي الحثيث إلى فرض مزيد من العقوبات على إيران. والجانب المهمّ في هذا الموضوع، يتعلّق بـ"الأزمة" الداخلية التي يمكن أن تنتج عن العقوبات. فـ"بسرعة" لم يعُد النظام الإيراني يتحدّث عن العقوبات باستخفاف، بل يتعاطى مع "الحديث" عنها بوصفه إعلان حرب على إيران. وحتّى الآن دفع التلويح بمزيد من العقوبات إلى استقالة وزيرَي النفط والصناعة الإيرانيين، ودفع وزير الشؤون الاجتماعية إلى الحديث عن فشل الحكومة الإيرانية، مشيراً إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية "المريعة". وهذا ما يعني انّ إيران "تستقبل" المرحلة الآتية بأزمة على مستويات عدّة، لم يعُد ممكناً معها القول بقدرة النظام الإيراني على استنفار "العصبيّة" الوطنية الإيرانية التي يمثلها حقّ إيران في إمتلاك الطاقة النووية أو مواجهتها لـ"عدوان خارجي". وهذا ما يعني أيضاً انّ هناك ـ في موازاة الأزمة ـ احتمالات تغيير داخل إيران، على المدى المتوسط والأبعد، فيما لا يزال النظام الإيراني قادراً ـ من ضمن بنيته ـ على استيلاد صيغة سياسية أخرى.
غزّة والمأزق المركّب
أمّا ثانيهما، فهو ما يجري في قطاع غزّة. فهناك، يبلغُ "المشروع السياسي" لحركة "حماس" ذروة المأزق. وذروة المأزق تتمثّل في تحوّل الصراع مع السلطة الفلسطينية إلى أزمة داخلية، داخل القطاع من ناحية، وفي صيرورة المشكلة سياسية ـ وطنية ـ ديموقراطية ـ اقتصادية ـ اجتماعية مركّبة من ناحية أخرى. ويتبيّن أكثر فأكثر انّ البقاء ضمن "الشرعية الوطنية" أو الوجود خارجها ليسا سيّان، وانّ لـ"الخروج" كلفة باهظة جداً.
من هنا، تشكّل العناوين الآنفة مجتمعة عوامل "محفّزة" للنظام السوري على التخريب. وهذه العناوين تفيدُ انّه "لا يكفي" أن يلاحظ محلّلون أو "استراتيجيون" موالون لمحور دمشق ـ طهران انّ ثمّة تأزّماً في المشروع الأميركي وانّ هذا المشروع يقترب من "الهزيمة". ذلك انّه يمكن أن يكون المشروع الأميركي مأزوماً بالفعل، لكنّ "المشاريع المقابلة" مأزومة وأصحابُها مضطرون إلى "دفع" الثمن.
الإستحقاق الرئاسي
وبـ"العودة" إلى لبنان بعد هذه "الجولة" الخارجية، من البديهي القول انّ تخريب النظام السوري للإستحقاق الرئاسي اللبناني خصوصاً، هو في إطار سياسة هذا النظام لـ"تحدّي" المجتمع الدولي والنظام العربي انطلاقاً من لبنان، لموقفهما الرافض للتسوية معه "على" لبنان استقلالاً وسيادة وحرية، و"على" المحكمة الدولية، وهو أيضاً ـ أي التخريب ـ في إطار الأزمات على "الجبهة" الإيرانية وعلى "الجبهة" الفلسطينية الحليفة.
وفي المقابل، انّ مؤشّرات التصعيد الدولي ـ والعربي ـ تجاه النظامين الإيراني والسوري، تفيد انّ الشرعيّتين الدولية والعربية تتعاملان مع تخريب نظام الأسد في لبنان من ضمن "نظرتين"، لبنانية بما يمنع تدفيع لبنان أثمان "مشروع" استخدامه ساحة لوظائف إقليمية ودولية، وأخرى إقليمية بمعنى "الإطار العام" لخطّة تخريب لبنان وأبعاده على المنطقة ككل.
"ينعقد" الإستحقاق الرئاسي اللبناني إذاً في مناخ "اشتباك" دولي ـ عربي مع النظام السوري.. والنظام الإيراني. وهذا ما يعني انّه لن يكون إستحقاقاً "طبيعياً" أي في سياق سياسي طبيعي، بل سيكون إستحقاقاً ـ معركة بكلّ معنى الكلمة. "روافع" حصوله كثيرة لبنانياً وعربياً ودولياً في مقابل "كابحه" السوري ـ الإيراني و"تحالفاته" المحليّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00