شهرٌ بالتمام يفصل عن بدء الموعد الدستوري لانتخاب رئيس الجمهورية. ومنذ أشهر عدة، دعا الرئيس نبيه بري المجلس الى الانعقاد في جلسة انتخابية في 25 أيلول المقبل، لتأكيد نيّته إجراء الاستحقاق في موعده.
بري و"تبكيل" الخطّة..
ومصطلح "الشراكة في الرئيس"
بيدَ أنه، في ما عدا الدعوة الى الجلسة، والتي تشير الى "النيّة" أو بالأحرى تشير الى الالتزام "الشكلي" بدوره كرئيس لمجلس النواب، فإن بري بالاستناد الى مواقف حلفائه إقليمياً وداخلياً، قام بـ"تبكيل" الخطة التي تحول دون انعقاد الجلسة التي دعا إليها.
فـ"خارطة الطريق" السياسية التي رسمها واضحة تماماً. "حكومة وحدة وطنية"، أي "حكومة الثلث المعطّل"، ولو قبل نصف ساعة من موعد الاستحقاق الرئاسي وإلاّ لا انتخابات رئاسية. و"توافق" على اسم الرئيس المقبل يسبق الجلسة أي رئيس توافق "المعارضة" عليه ومن خلفها النظام السوري، وإلاّ لا رئيس وتحلّ مكانه "حكومة الوحدة الوطنية" الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. أما النصاب فبالثلثين، فإن لم تشكّل "حكومة الثلث المعطّل" وإن لم يتمّ "التوافق" على اسم الرئيس، فإن نصاب الثلثين لن يتأمّن. وهذا كلّه، بالرغم من انّ آخر "تداولات البورصة" تفيد انّ برّي لم يعُد "يركّز" على المسألة الحكوميّة لكنّه يربط تأمين نصاب الثلثين بما يسمّى "الشراكة في الرئيس"، وهو مصطلح يبدو انّه سيقتحم الخطاب السياسيّ لـ"المعارضة" في الأيّام المقبلة.
دعا الى جلسة كي لا تنعقد
إذاً، يعرف برّي، ويعرف أن الآخرين يعرفون أنه دعا الى جلسة 25 أيلول كي لا تنعقد، وكي لا تنعقد أي جلسة ضمن مهلة الستّين يوماً قبل شغور موقع الرئاسة.
وإذا كان بري يعرف أنه وحلفاءه لن يؤمّنوا نصاب الثلثين، ما لم يعتبروا أنفسهم "شركاء في الرئيس"، فإن "الخبيث" في الموضوع، هو أنه ـ مع حلفائه ـ يعملون على منع نواب الأكثرية من الحضور الى المجلس النيابي في موعد الجلسة، أي كي لا يأتي نواب الأكثرية الى الجلسة ويسجّلوا استجابتهم الى الدعوة.
احتلال الوسط يهدّد أمن المجلس
يتمثّل الشرط المانع لحضور نواب الأكثرية الى المجلس، بغياب زملائهم نواب "المعارضة"، في "الاحتلال" الذي تنفّذه "المعارضة" لوسط بيروت والمستمرّ منذ أكثر من تسعة أشهر، والذي جعل "الوسط" منطقة أمنية خاضعة وفقاً لكل المعطيات والمعلومات الى أمن "حزب الله"، ما يعني أن منطقة المجلس غير آمنة، وإن سلامة الاستحقاق الرئاسي غير مضمونة. وليس ذلك فقط، فقد تعمّدت "المعارضة" في الأيام الماضية تسريب معلومات عن نيّتها "تفعيل" الاعتصام أي الاحتلال اعتباراً من 15 أيلول المقبل، مصحوباً بخطة للفوضى في سائر المناطق من قطع طرقات واحتلال سرايات ووزارات وغيرها.
هكذا إذاً، لا تكتفي "المعارضة" بوضع شروط سياسية تؤدي الى تعطيل الاستحقاق الرئاسي، بل تُدخل "الأمن" في حساب التعطيل، أمن النواب من ناحية وأمن "حرم" المجلس من ناحية ثانية وأمن المناطق وناسها من ناحية ثالثة. وهكذا أيضاً، لا يكتفي بري بالنيابة عن المجلس ككل في تفسير الدستور سواء ما يتعلق بدستورية الحكومة وشرعيتها أو ما يتعلق بالنصاب الدستوري لانتخاب رئيس الجمهورية، بل لا يقوم كرئيس للمجلس بدوره في حماية الاستحقاق الرئاسي أمنياً. وكان قيامه بهذا "الواجب"، فعلياً يقتضي منه، على الصعيد الأمني، أن يطلب من حلفائه "الانسحاب" من وسط بيروت وتفكيك الخيم و"التجهيزات" على أنواعها، وأن يطلب من الجيش والقوى الأمنية تحويل "منطقة المجلس" الى منطقة عسكرية "شرعية" تأميناً لسلامة الاستحقاق.
لا داعي لمزيد من الاسترسال في مجال توضيح أن ثمة قراراً اتخذه النظام السوري بتعطيل إنتخابات رئاسة الجمهورية، ينفّذه حلفاؤه لا يوفّر أي مجال من المجالات. ولا يخفى أن ما يواجهه لبنان منذ شهور عديدة، لا علاقة له بصراع سياسي ديموقراطي "طبيعي"، إنما إنقلاب سياسي ـ أمني يجد المخطّطون والمنفّذون أن الاستحقاق الرئاسي محطة "حاسمة" فيه، فلا يمتنعون عن أي شيء مما يدخل في باب "القرصنة" السياسية أو "السطو" و"الخطف".
بين بري وعون: إتهام الأكثرية بالتقسيم!
و"المضحك المبكي" في هذا السياق، أن بعض "المعارضة"، في إطار توزيع الأدوار بين أطرافها، يجرؤ على اتهام الأكثرية بتعميق الانقسام في البلد وبالسعي الى تقسيمه، لانها تتمسك بإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها وترفض "الفراغ الرئاسي". بري اتهم رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بالعمل على إبقاء لبنان "معسكرين"، والجنرال ميشال عون اتهم جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع بالتقسيم.
التقسيم "نتيجة" للمشروع "الأقصوي"
"الصورة" واضحة تماماً. "المعارضة" تريد من الأكثرية أن تسلمها "الثلث المعطل" في الحكومة وأن تسلمها رئيساً للجمهورية مطيعا لا يأخذ في الاعتبار أن لبنان دخل منذ 14 آذار 2005 مرحلة سياسية ـ وطنية جديدة وأن عليه تركيز انتقال لبنان الى هذه المرحلة الجديدة.
"الحد الأقصى" إذاً هو السيطرة على السلطة. ولا "حد أدنى" بالفعل. وعن هذا "الحد الأقصى" تنتج مجموعة من "الحدود القصوى". فأما السيطرة على السلطة أو لا رئيس للجمهورية. وأما حكومة فيها "ثلث معطّل" بما يحوّل السلطة الى إحدى صيغتي الفيدرالية أو الكونفيدرالية أو لا حكومة، فماذا يعني لا رئيس ولا حكومة إن لم يكن الدفع باتجاه إعادة النظر في الصيغة أو التقسيم؟ ولماذا "زلق" الجنرال في معرض قوله "إذا كانوا يريدون التقسيم فلنتفق عليه وإلا فسياستهم لا يمكن أن تستمر"؟
حيال كل ذلك، دستورياً وسياسياً وأمنياً، ولأن في التجربة اللبنانية وفي تجارب أخرى ما يفيد أن المشاريع "الأقصويّة" تمثل تهديداً خطيراً مباشراً للكيان، وتبدأ بالتطلع الى "كل السلطة" وتنتهي بالسلطة على رقعة محددة اي بالتقسيم، هل تملك الأكثرية خياراً غير التمسك بحصول الاستحقاق وصولا الى انتخاب رئيس في جلسة بـ"النصف زائد واحد"؟
14 آذار وخيار "النصف زائد واحد"
طبعاً، ما كان هذا الخيار ليكون مطروحاً لو كانت التسوية ممكنةً ومتاحةً. و"المفارقة" في الصراع الدائر أنه ليس بين مشروعَي "حد أقصى" بل بين مشروع حد أقصى تحمله "المعارضة"، أقصى في كل شيء من جهة ومشروع تسوية تحمله الأكثرية من جهة ثانية، أي أن 14 آذار تواجه بـ"التسوية" مشروعاً "أقصوياً" ولا تسوية بينهما. وعندما تتحدث "المعارضة" عما يسمى "التوافق" فهي لا "تقصد" التسوية بل الخضوع لشروطها وتفسيراتها للصيغة والميثاق والدستور.
من هنا، طرحت شخصيات عدة من 14 آذار على نفسها قبل بضعة أيام السؤال الآتي: هل إن الوصول الى انتخاب رئيس الجمهورية في جلسة بـ"النصف زائد واحد" يُعدّ إشعالاً لأزمة؟
وفي الجواب عن هذا السؤال بالنفي برزت "عناصر" عدة. ففي تقدير هذه الشخصيات أن الخطوة، إذا تقررت نهائياً، دستورية في مقابل أن كل ما تتحدث "المعارضة" عنه غير دستوري وكذلك كل ما تلوّح به لمرحلة ما بعد 24 تشرين الثاني المقبل.
وفي رأيها أن "الثمن" الذي تطلبه "المعارضة" والنظام السوري من ورائها في مقابل عدم التعطيل، كبير وخطير في آن، إذ ينهي "ثورة الأرز" ومفاعيلها ويعيد الوصاية السورية ويفتح الباب أمام المس الجوهري بقواعد الشراكة الوطنية المحددة في اتفاق الطائف. وهذا ما لا "يبرره" توازن القوى أصلاً.
وفي رأيها أيضاً أن "المعارضة" مدعومة من نظام الأسد ستمارس مزيداً من "التصعيد في الأزمة" إن "استسلمت" الأكثرية لشروط النصاب، فضلاً عن أن الأزمة "قائمة" في الأساس.
"الاضطرار" و"الهيكل"
ولذلك، فإن الشخصيات تعتبر، إذا اضطرت 14 آذار الى هذه الخطوة، أنّها تكون في صدد "حد أدنى"، هو إبقاء "هيكل" الدولة والنظام السياسي، فليس مجهولاً أن ثمة في البلد صراعاً يدور في العمق بين "الدولة" و"الدويلة"، وأن دمجهما هو أحد الأسباب الرئيسة لتفجر هذا الصراع، وانتخاب رئيس في جلسة "بالنصف زائد واحد" إذا كان سيعيد تظهير الصراع على حقيقته، فإنه ليس سبباً مضافاً الى "الأزمة"، ولن يكون "ذريعة" حتى.
وتختم بالقول أن الاستحقاق الرئاسي محطة دستورية ـ سياسية لإعادة الاعتبار الى طبيعة "المشكلة"، وإلى دور اللبنانيين في الحكم بين مشروعين وسياستين وفهمَين..








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.