8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستحقاق ليس "موعداً" إنّه "معركة"

في وقت يقترب الإستحقاق الرئاسي حثيثاً من موعده، لفت في الأيام الأخيرة تطوّر بارز على الصعيد الإقليمي ـ الدولي.
تمثّل هذا التطوّر البارز ـ والهام ـ في إعلان فرنسا وجوب إخضاع إيران إلى عقوبات "جوهرية" ما دامت مستمرة في برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وفي إعلانها ـ أي فرنسا ـ نيّتها الانضمام بقوة إلى جهود القوى الدولية الاخرى في إطار مجلس الأمن باتجاه العقوبات.
في قراءة هذا الموقف الفرنسي، قد يعتبر البعض أن ليس فيه جديد مما يستدعي "شدّ" الانتباه إليه باعتبار انّ باريس كانت دائماً ضدّ الأهداف "المستورة" للبرنامج النووي الإيراني وصوتّت في مجلس الأمن بجانب القرارات الهادفة إلى منع انفلات البرنامج النووي من الرقابة نحو أغراضٍ عسكرية.
"إنغلاق" خطّ باريس ـ طهران
بيد انّ في قراءة من هذا القبيل تبسيطاً فعلياً. ذلك انّ هكذا قراءة، يتجاهل أصحابها عمداً أو عن غير قصد واقع انّ العلاقات الفرنسية ـ الإيرانية شهدت خلال الشهور المنصرمة، في ظلّ أزمة إيران مع المجتمع الدولي وبالرغم منها، نسبة من "الحماوة"، سمحت ـ أي هذه "الحماوة" ـ بفتح "قناة اتصال" ديبلوماسية بين باريس وطهران. وإذا كانت "القناة" ركّزت خلال كلّ هذه الفترة على المسألة اللبنانية تحديداً، فانّ ذلك تزامن مع ميل الديبلوماسية الفرنسية إلى تغليب التفاوض السياسي والحلول السياسية مع إيران بالنسبة إلى ملفها النووي.
المهمّ في ما يتعلّق بلبنان، بالصلة مع هذا التطوّر، أنّ ثمّة جديداً لا بدّ من أخذه في الاعتبار، وهو انّ العلاقات الفرنسية ـ الإيرانية تبدو وقد عادت إلى "المربع الأول"، وأنّ "الخطّ" الفرنسي ـ الإيراني عاد إلى الإنقطاع. وكانت ملامحُ هذا الإنقطاع ظهرت في نهاية زيارة الوزير برنار كوشنير إلى لبنان والمنطقة، عندما أعلن ضرورة تكثيف الجهود لمنع دمشق وطهران من إشعال حرب في لبنان، فجاء الردّ من إيران بأنّ الوزير الفرنسي "لم يفهم" المشكلة اللبنانية.
"المعارضة".. والرهان الساقط
وإذا كان "يُستفاد" من هذا التطوّر انّ الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي تخطو خطوة متقدّمة نحو "المواجهة"، وانّ المساعي الديبلوماسية الأوروبية لـ"فصل" طهران عن دمشق لم تنجح، وانّ إحدى العقد الأساسية على صعيد الأزمة اللبنانية هي التفويض الإيراني للنظام السوري بـ"لبنان".. فانّ هذا التطوّر المشار إليه يُعدّ "خسارة" لـ"المعارضة". فليس خافياً انّ "المعارضة" ـ أي قوى التحالف السوري الإيراني ـ كانت تراهنُ على "الخطّ" بين العاصمتين الفرنسية والإيرانية من أجل "تحييد" فرنسا عن أميركا، و"شقّ" وحدة الموقف الدولي حيال لبنان، وكسب الوقت، ومن أجل "التضييق" على حركة 14 آذار.
الرياض ـ دمشق
على انّ أهمية هذا التطوّر على صعيد عودة العلاقات الفرنسية ـ الإيرانية إلى "المربّع صفر"، تتوازى مع تطوّر مهم آخر سبق زمنياً، وتجلّى في خروج العلاقات السعودية ـ السورية من دائرة التأزم "شبه الصامت" إلى دائرة التأزم "المتفجّر"، بهجوم النظام السوري وأتباعه في لبنان على المملكة ودورها، الذي استدعى ردّاً سعودياً رسمياً وضع النقاط على الحروف، معيداً الأزمة إلى أصلها، إلى خروج نظام الأسد عن الشرعيتين العربية والدولية.
وهنا أيضاً، لا بدّ من تسجيل حقيقة انّ "إنفجار" الأزمة السعودية ـ السورية، يعكس فشل النظام السوري ـ وحلفائه وأتباعه تالياً ـ في رهانهم على إستدراج المملكة ـ والنظام العربي فالمجتمع الدولي ـ إلى تسوية مع دمشق حول لبنان. وليس خافياً انّ كلّ نظرية "س.س" التي تبنّاها الرئيس نبيه بري، الذي لا يجهل واقع العلاقات بين الرياض ودمشق، كانت مبنيّة على "إعتقاد" بإمكان دفع المملكة نحو التسوية في "نهاية المطاف".
"الأرض" تميد
بين التطوّر على خطّ باريس ـ طهران من ناحية والتطوّر على خطّ الرياض ـ دمشق من ناحية ثانية، يمكنُ القول انّ ثمّة إستنتاجاً أول هو انّ الأفق مغلق تماماً في وجه تسوية إقليمية ـ دولية، وانّ ثمّة إستنتاجاً ثانياً هو انّ انهياراً يحصل على صعيد "الأرض" التي تقف عليها "المعارضة"، حيث تنهار "منظومة" الضغط على الأكثرية بـ"التوافق" الذي "كان" يستبطن رهانَين للتضييق على 14 آذار.. وانّ ثمّة إستنتاجاً ثالثاً هو انّ مواجهة النظام السوري وحلفائه وأتباعه لهذين التطوّرين ستكون ترجمُتها تعطيل الإستحقاق الرئاسي اللبناني.
الإصطفاف
ماذا يعني كلّ ذلك؟
لا شكّ انّ في مقدّم ما يعنيه، أنّ الإستحقاق الرئاسي محاطٌ خارجياً بـ"إصطفاف" دولي ـ عربي مع حصول الإستحقاق في موعده وفقاً للدستور في مقابل "الثنائية" السورية ـ الإيرانية. وهذا "الإصطفاف" الذي حصل ـ فعلياً وعملياً ـ في العام 2004 بعد التمديد المشؤوم وبعد القرار 1559 يحصل اليوم قبل الإستحقاق.
ولا شكّ أيضاً انّ "الإصطفاف" اللبناني الداخلي قائم قبل عودة الخارج الدولي العربي إلى "الإصطفاف" من جديد وسيبقى قائماً في موازاته.
وعندما يكون ثمّة إصطفافان "حادّان"، حيث التسوية الإقليمية ـ الدولية مستحيلة والتسوية الداخلية مستحيلة أيضاً، فلا شك انّ ذلك يعني نتيجة سياسية رئيسية: انّ الإستحقاق الرئاسي "معركة" بكلّ معنى الكلمة. وبكلام آخر، ليس الإستحقاق "موعداً" ولا هو "مجرّد" رئيس. إنه "معركة" لا بل محطّة في "معركة".
اجتماع معراب
انّ عقد الإستحقاق معركة وذلك قبل موعده نفسه. والعملية الإنتخابية نفسها معركة داخل المعركة. وهذا ما يطرحُ على حركة 14 آذار مجموعة من "الواجبات".
غنيّ عن القول انّ الإجتماع المسيحي الذي انعقد في معراب الاثنين الفائت بدعوة من رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، مهمّ ومفيد من زوايا عدّة. من زاوية تأكيد انّ الإستحقاق حاصل حتماً. ومن زاوية تأكيد انّ الفريق المسيحي المتعدّد في 14 آذار شريك متساو مع الآخرين في "الحركة" لا بل له "امتياز" معترف به من الشركاء في إستحقاق مسيحي ـ لبناني. ومن زاوية شدّ "العصب" ومنع التنافس الطبيعي من أن يتحوّل إلى "تشابك". ومن زاوية الإمساك بالمبادرة من موقع تمثيلي لا جدال فيه لمسيحيي 14 آذار.. ومن زاوية التشديد على "اللبننة".
14 آذار و"واجباتها"
بيد انّ الإستحقاق منظوراً إليه بوصفه "معركة" يتطلّب إستنفاراً سياسياً "أعلى".
لا بدّ أن يكون لدى 14 آذار مجتمعة، بمسيحييها ومسلميها قناعة بأن المسألة معركة، وأن تكون لديها رؤية إلى هذه المعركة في الإطارين الداخلي والعربي ـ الدولي.
ولا بدّ أن يكون لدى 14 آذار تصوّر لكيفية الوصول إلى "يوم" الإستحقاق، والأهم أن تمتلك برنامجاً لما بعده، أي للمرحلة السياسية التي تلي الإستحقاق.
ولا بدّ أن تستطيع وضع سائر العناوين من نوع النصاب في إطار فهم سياسي مشترك للمعركة وطبيعتها، بحيث تكون المسائل الثانوية تفاصيل بالنسبة إلى القضيّة الأساس.
ولا بدّ أن "تعي" 14 آذار "سرّها الكبير". فهي "حركة" وليست "جبهة حزبية ـ سياسية" فقط. وهي "تيار" سياسي ـ شعبي أعطى الحركة الإستقلالية الكثير. وفي "تيّارها" أكثر ممّا في بنيتها "الظاهرة". وفي داخلها ـ بهذا المعنى ـ "شبهُ" مجتمع مدني ديناميكي. وفيها طاقات على كلّ المستويات مستنفرة. والمعركة تفترض أن يجري خوضها بدون إستثناء أي مجال.
إذاً للمعركة، السياسية الكبرى بطبيعة الحال، متطلّبات. فإن توافرت تحقّق هدفان: حصول الإستحقاق من جهة ودرء أية تداعيات "سيئة" قد تنجم عن سلوك "المعارضة" من جهة ثانية. وبهذا المعنى، يصبح ضرورياً أن يسود خطاب الشراكة الوطنية أكثر فأكثر فلا يبقى الإستحقاق بواجهة مسيحية كانت إعتباراتها مفهومة حتى الآن.
انّها المعركة. وهي معركة سياسية "شرسة" بالتعريف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00