تعدّدت خلال الشهور الماضية صيغ التعبير "المحلّي" عن القرار السوري بتعطيل الإستحقاق الرئاسي. فمن الإصرار على ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" أي "حكومة الثلث المعطّل" ممّراً إجبارياً إلى انتخاب الرئيس الجديد، مروراً باشتراط "التوافق" على اسم الرئيس أي الإتيان برئيس يمثّل امتداداً لـ"العهد" القائم، إلى جانب "حكومة الوحدة"، ثم الحديث عن "حكومة الوحدة" بوصفها البديل من الرئاسة في حال تعذّر "التوافق"، وصولاً إلى التهديدات الأخيرة لبعض أتباع النظام السوري بأنّ بقاء الرئيس فؤاد السنيورة على رأس الحكومة القائمة ولو لنصف ساعة قبل انتهاء ولاية إميل لحود يعني بقاء هذا الأخير في بعبدا.. شريطٌ متكامل من "الايضاحات" لقرار نظام الأسد بمنع الانتخابات الرئاسية.
بري وترجمة التعطيل
طبعاً، لا شيء ممّا يهدّد به أتباع النظام في سوريا "ينتمي" إلى الدستور. لكنه يعبّر بـ"دقّة" عن "النوايا" السياسية.
في خضمّ هذه الصيغ المتناسلة من بعضها، وفي مواكبة لها، قدّم الرئيس نبيه بري الترجمة العملية لتعطيل الإستحقاق. فهو إذ ربط حصول هذا الإستحقاق بقيام "حكومة الثلث المعطّل" التي اعتبرها مدخلاً إلى الرئاسة، ربط في الوقت نفسه انتخاب الرئيس بنصاب الثلثين، وربط تأمين نصاب الثلثين بـ"التوافق" على اسم الرئيس.
بالتأكيد، ليس الجدل مع بري دستورياً، لأنّه يربط النصاب الدستوري بمجموعة من الشروط السياسية "المانعة" التي لا تدخل في صلب الدستور. وبكلام آخر، حتى بنصاب الثلثين لافتتاح دورات إنتخاب الرئيس، لا كلام في الدستور عن اعتبار النصاب "وجهة نظر" ولا كلام عن شرط التوافق المسبق على الاسم بل كلام عن "انتخاب" الرئيس.
وفي هذا السياق، من البديهي التذكير بأن أكثرية 14 آذار لا تعترضُ على نصاب الثلثين في حدّ ذاته، بل تعترضُ على مجموعة القيود السياسية الموضوعة عليه من أجل عدم تأمينه في نهاية المطاف.. أي انها تعترض على إحدى أبرز صيغ التعبير عن قرار النظام السوري بمنع لبنان من أن يكون له رئيس ينقذ الرئاسة ممّا آلت إليه، ويساهمُ في إنقاذ البلد من الأزمة، وفي نقله إلى مرحلة الاستقلال الحقيقي.
لحود جزءٌ عضويٌ من نظام الأسد
بطبيعة الحال، ثمّة أسباب كثيرة لرفض نظام الأسد أن يكون في لبنان رئيس للجمهورية يمثل عنواناً لمرحلة جديدة. وإذا كان فشل النظام السوري في إستدراج تسوية دولية ـ عربية معه حول لبنان تُسقط المحكمة الدولية وتجدّد الاعتراف بدوره "اللبناني"، هو السبب الأهم لرفض حصول انتخابات رئاسية، فإنّ ثمّة سبباً لا يقلّ أهمية وهو أنّ النظام السوري لا يستطيع أن يأتي برئيس مثل إميل لحود، أي برئيس يشكّل جزءاً عضوياً من "النظام" في سوريا. ذلك أنّ لحود كان جرى "إعداده" سنوات طويلة كي يكون رئيساً "إلى الأبد" تابعاً للرئيس "المركزي" للنظام في دمشق وينفّذ ما يؤمر به.
على أن ما لا بدّ من أن يكون واضحاً تماماً، هو أنّ الرئيس بري في صدد تحرّك لـ"توافق" وضعت له شروط مسبقة، هي شروط لاغية للإستحقاق الرئاسي، والهدف منه تقطيع الوقت، وإستدراج الأكثرية إلى النقاش في "المكان" الذي حدّده بري بنفسه. وهذا ما يرتّب على الأكثرية التعامل مع تحرّك بري بـ"وعي" حادّ لخلفيته، بما هو تحرّك لـ"ترجمة" القرار السوري من ناحية ولنصب "أفخاخ" لـ14 آذار من ناحية أخرى.
لصفير "منظومة" رؤية متكاملة
في هذه الأجواء، صدر عن البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير موقف في الأسبوع الماضي. قال إنّه ضدّ تعديل الدستور "لكن إذا كان التعديل الوسيلة الوحيدة للإنقاذ نقبل به".
"إنهمرت" التفسيرات لهذا الموقف، وأحد هذه التفسيرات "أخذ" من كلام البطريرك أنّه مع تعديل الدستور وأنّه مع مرشّح رئاسي معيّن.
سبق للبطريرك أن قال في الإستحقاق الرئاسي كلاماً كثيراً. سبق له أن طالب لحود بالتنحّي. وسبق له أن أعلن تأييده لنصاب الثلثين، وقرن هذا التأييد بدعوة إلى اعتبار تأمين النصاب واجباً دستورياً غير قابل للجدل. وسبق له أن طالب المعارضين بالمعارضة داخل المجلس. وسبق له إذ دعا إلى أوسع تأييد للرئيس الجديد أن اعتبر أنّ انتخاب الرئيس بالنصف زائداً واحداً أمر طبيعي.
إذاً، لم "يأخذ" المفسّرون المغرضون من الموقف الأخير إلا استعداد البطريرك للقبول بتعديل الدستور. وإذ تناسوا "المنظومة" المتكاملة التي تقوم عليها رؤيته إلى الإستحقاق، وإلى مواصفات الرئيس المقبل، حسموا من موقفه الأخير المصطلح المفتاح: الإنقاذ. وبكلام آخر، فإنّ المعيار الرئيسي الذي يضعه البطريرك للإستحقاق الرئاسي، هو الإنقاذ، أي أن يكون محطة إنقاذية وأن يكون الرئيس الجديد إنقاذيّاً.
البطريرك يفتح كل الأبواب لـ"الإنقاذ"
أراد البطريرك، أخذاً في الحسبان كامل "المنظومة" التي تقدّم رؤيته، أن يفتح كل الأبواب من أجل أن يحصل الإستحقاق الرئاسي في موعده، كي لا يبقى للتعطيل أي ذريعة. قدّم الإطار الذي لا يجعل من إنعقاد الإستحقاق أزمة فحدّد النصاب ودعا إلى الالتزام بتأمينه. وقدم نظرته التي لا تجعل من نتيجة الإستحقاق أزمة أيضاً، فحدّد مواصفات الإنقاذ "ورئيس الإنقاذ".
وبهذا المعنى، فانّ تمعّناً في قراءة رؤية البطريرك وصولاً إلى موقفه الأخير، لا بدّ أن يُفضي إلى إستنتاج منطقي: إنّ البطريرك ليس مع رئيس إدارة للأزمة، أي أنّه لا يؤيد أن ينتج عن الإستحقاق رئيس لإدارة الأزمة بل رئيس لإنقاذ لبنان من الأزمة.
استقبل البطريرك في الأيام الماضية زوّاراً عديدين، لا سيما من قوى 14 آذار. بعضهم "استفسر" عن الموقف الأخير، وبعضُهم الآخر سأله ما إذا كان موقفه لصالح شخص ويستبعد آخرين. وجميعُهم أكد له أنّ 14 آذار تقف وراءه في هذا الموضوع.
..وليس لـ"إدارة الأزمة"
نفى البطريرك أن يكون موقفه لصالح شخص محدّد. ونفى أن يكون في صدد استبعاد مرشحي 14 آذار من "الحلبة". وأكد أنّه لا يدخل في لعبة التسميات. وشدّد على أنّ المسألة بالنسبة إليه هي حصول الإستحقاق أولاً. ولفت إلى أنّ الإستحقاق من وجهة نظره يجب أن يُنتج إنقاذاً. ولعلّه في ثنايا موقفه الأخير، عندما قال إنّ "الأرض أفلست وننتظر معجزة من السماء"، كان يعبّر عن خوفه من تحويل محطة الإستحقاق إلى محطة إضافية في الأزمة بدلاً من أن يكون محطة إنقاذية بالفعل.
إنطلاقاً ممّا تقدّم، وتأسيساً على حقيقة أنّ قرار النظام السوري هو تعطيل الانتخابات الرئاسية اللبنانية، من الواضح أنّ بين تحرّك بري باستهدافاته من جهة ومواقف البطريرك من جهة أخرى، مسافةً شاسعة هي المسافة بين تقطيع الوقت للتعطيل واستمرار الأزمة وبين التأكيد على الإستحقاق وعلى الإنقاذ عبره.
14 آذار وتحرّك بري
في الأيام المقبلة، ستمضي 14 آذار من أجل تأمين حصول الانتخابات الرئاسية بنصاب الثلثين. لن توافق على القيود المفروضة على هذا النصاب واللاغية للإستحقاق. ستتمسّك بـ"المنظومة" الكاملة لمواقف البطريرك، وستُعلي راية اعتبار هذه المحطة للإنقاذ الوطني.
وستقول 14 آذار للرئيس بري بوضوح انه في تحرّكه "العتيد" يحمل الشروط اللاغية للانتخاب، وأنّ المصطلح "النبيل" أي "التوافق" تحوّل من جانب "المعارضة" إلى عنوان لـ"أفظع" عمليّة تدمير للنظام السياسي.. والكيان. وستقول له إنّ رئيساً للمجلس مكبّلاً على هذا النحو و"محكوماً" بالقرار السوري، لا يمكنه أن يدير الإستحقاق الرئاسي بـ"تجرّد". وستقول له أن لا وقت لتضييع الوقت.
وستقول له أخيراً إنّها إذ ترفض الفراغ في موقع الرئاسة، ستطلب من البطريرك صفير موقفه في اللحظة المناسبة واليوم المناسب لمنع الوصول إلى الفراغ ـ الفوضى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.