في الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة الحديث عن "مسعى توافقي" بشأن الإستحقاق الرئاسي، سوف يقوم به الرئيس نبيه بري. "قيل" انّ بري شمّر عن ساعدَيه وانه سيلتقي البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مطلع أيلول المقبل ليعرض عليه أفكاراً توافقية. وبشّر النائب "السابق" لرئيس مجلس النواب ميشال المر بأن الدخان الأبيض "بدأ" ينبعث.
حملة نظام الأسد وأتباعه على المملكة
هل يمكن "تصديق" حديث "التوافق" هذا؟
انّ أسباب عدم التصديق كثيرة جداً وذلك بالصلة مع عددٍ من المعطيات الرئيسية. وفي مقدّم هذه المعطيات انّ النظام السوري ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية اللبنانية، لم يكتفِ بالإيعاز إلى أتباعه بمهاجمة المملكة العربية السعودية ودورها في لبنان، بل سارع، كي لا يخطئ أحد التقدير ويقلل من أهمية كلام الأتباع المباشرين، إلى تبني الحملة رسمياً.
طبعاً، أتى الردّ السعودي "القاطع" ليضع الأمور في نصابها، وليعيد المشكلة مع نظام الأسد إلى "أصولها"، باعتبار هذا النظام خارجاً على الشرعيتين العربية والدولية و"موزعاً" للقلاقل والفتن في عموم المنطقة. بيد انّه ليس خافياً انّ حملة نظام دمشق وأتباعه، إنما انطلقت من انه كان يسعى عبر "حجز" الإستحقاق الرئاسي و"حجز" التسوية في لبنان، إلى "شراء" اعتراف عربي ـ دولي بانه الممّر الإلزامي إلى الإستحقاق والتسوية، وإلى استدراج مفاوضات معه تُفضي إلى تفاهم معيّن بحيث تسقط بموجبه مفاعيل إنشاء المحكمة الدولية ويُعترف له بدور "خاص" في لبنان.
النظام السوري: أنا الممّر الإلزامي أو التعطيل
لم يكن ذلك خافياً على الإطلاق، على اعتبار انّ نظام بشار الأسد أمعن خلال الشهور الماضية في توجيه الرسالة التي تقول ان كلّ المبادرات لن يكتب لها النجاح ما لم تكن التسوية العربية والدولية معه هي الممّر الإجباري. ولم ينظر النظام السوري إلى حلفائه أي انه لم يُقم لهم أي اعتبار، وهو يؤكد انّ هؤلاء الحلفاء "ليسوا شيئاً"، وكانت مهمتهم "الوحيدة" إبلاغ المبادرين انهم لا يقوون على شيء من دون دمشق، وفي بعض الحالات، خجلاً من هذه "الصورة" كانوا يصعّدون المطالب كي يبقوا في دائرة "الأمان السوري".
المهمّ ان حملة النظام السوري وأتباعه على المملكة تعني حملة على التوافق، بما انّ تحرّك المملكة يتمحور حول هدف تحقيق التوافق. والحملة على المملكة هي حملة على المبادرة العربية للتوافق أيضاً، وكانت هذه المبادرة تعرّضت للفشل بسبب مواقف النظام السوري منها. والمهمّ أيضاً انّ الجواب السعودي يعني أن لا المملكة ولا النظام العربي في وارد الاعتراف بانّ ثمّة ممراً سورياً إلزامياً، وانهما ليسا في وارد التسليم للنظام السوري بدور في لبنان يتجاوز واجباته حيال هذا البلد، المحدّدة في القرارات الدولية، وانهما ليسا في وارد جعل الإستحقاق الرئاسي اللبناني محطة للمساومة مع نظام الأسد.
المساومة المرفوضة مع دمشق
على انّ حملة النظام السوري وأتباعه على المملكة، تزامنت مع "إحساس" هذا النظام بانّ المجتمع الدولي يرفض المساومة معه على الإستحقاق الرئاسي. فالقمّة بين الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي نيكولا ساركوزي شدّدت على اعتبار انتخابات الرئاسة محطّة حاسمة في لبنان، وعلى اعتبار انها يجب أن تحصل. والقرار الدولي 1559 عاد إلى الواجهة، على أساس انّ البند الرئاسي فيه لم ينفّذ وهو ينصّ على إجراء انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة ومن دون تدخّل خارجي ووفقاً للأصول الدستورية اللبنانية. وحركة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بيدرسون لافتة خلال الأيام الماضية إذ يستطلع الديبلوماسي الدولي ملاءمة الإستحقاق مع القرار 1559. ومبعوث الأمين العام لمراقبة ومتابعة تنفيذ هذا القرار تيري رود ـ لارسن يستعدّ لـ"مراقبة" حركة الإستحقاق اللبناني.
إلى ذلك، فانّ المبادرة الفرنسية التي كان هدفها الرئيسي تأمين حصول الانتخابات الرئاسية في موعدها، اصطدمت بـ"الجدار السوري". وفي أعقاب آخر زيارة له إلى بيروت، أعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ما مفاده انّه لا بدّ من تكثيف الجهود لإنقاذ لبنان من حرب تدفع دمشق وطهران باتجاهها.
إذاً، انّ الحديث عن "مسعى توافقي" يقوم به بري لدى البطريرك يتناقض مع حقيقة انّ قرار النظام السوري هو منع حصول الإستحقاق الرئاسي اللبناني ما لم يمرّ به وبشروطه وبموافقته. لكنه، أي الحديث عن "مسعى توافقي" لا "يلاحظ" أصحابُه انّهم يتجاهلون حقيقة انّ المبادرة العربية التوافقية "معلّقة"، وانّ المبادرة الفرنسية التوافقية جامدة عملياً حتى لو عاد الموفد الفرنسي جان كلود كوسران إلى بيروت. ويتجاهلون حقيقة انّ ثمّة "جبهة" دولية ـ عربية قيد التشكّل لمنع التعطيل السوري للإستحقاق الرئاسي.
فكيف إذاً يمكن في ظلّ قرار النظام السوري بمنع الإستحقاق وموقف دولي ـ عربي بتعطيل التعطيل، تصديق الحديث عن "مسعى توافقي"؟.
الحرب في خطاب نصرالله
وكي تكتمل "الصورة"، لا بدّ من الإشارة إلى ثلاث ملاحظات "لبنانية".
الأولى، هي انّ حديث "المسعى التوافقي" يتزامن مع الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وفي هذا الخطاب تركيزٌ على إستحقاق آخر هو "الحرب الإقليمية" التي "إن حصلت" ستشهد "مفاجآت تغيّر وجه المنطقة" كما قال السيّد. ويستفاد من ذلك انّ البديل من التسوية الإقليمية ـ الدولية المستحيلة مع النظام السوري و"المتعثّرة" مع إيران، هو حرب ثمة من يسعى إلى إستدراجها.
والثانية، هي انّ حديث "المسعى التوافقي" يتزامن مع هجوم من جانب أتباع النظام السوري و"مسيحييه" على البطريرك صفير.
بري الملتزم
والثالثة هي انّ الرئيس بري "الساعي التوافقي" ليس مفصولاً عن "السقوف" المشار اليها سابقاً. فهو ليس حيادياً لانه طرف في "المعارضة" يقول قولها وينطق بخطابها. وهو لا يمكن أن يكون مقنعاً بانّه ساعٍ إلى توافق حول الإستحقاق عندما يكون القرار السوري بتعطيله. وهو، بالرغم من انّه القائل بالمصالحة بين "س.س" أي السعودية وسوريا، لا يمكن و"الحال" السعودية ـ السورية على ما هي عليه أن "يستقلّ". إلى ذلك، يضاف انّ "التفويض" الذي منحه إياه نصرالله انما هو تفويض "مكبِّل"، بمعنى انّ "حزب الله" قال له هذه شروطي أمامك وأنا من ورائك.
من هنا، فغني عن القول انّ كلّ ما سبق ذكرُه من معطيات خارجية وداخلية. يجعل الحديث عن "مسعى توافقي" كلاماً غير ذي "معنى"، خاصة عندما يكون قرار نظام الأسد تعطيل الإستحقاق، بما أن لا استعداد دولياً وعربياً للمساومة معه، وبما انه لا يستطيع الإتيان بالانتخاب برئيس مكمّل لإميل لحود، وبما انّ التوافق على رئيس لا معنى له، لا يمكن أن يحصل.
بري 2000 ـ بري 2007
لذلك، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، ولانّ زيارة بري إلى بكركي وهي الأولى منذ سبع سنوات عندما قام بزيارته التاريخية الشهيرة وخرج من لقاء البطريرك ليعلن برنامجاً لـ"إعادة الانتشار" السوري في لبنان، واجبة الإستحضار إلى الذهن، فإنّ ثمّة احتمالاً واحداً لما يُنقل عن الرئيس بري من سعي توافقي.
لا يمكن تصوّر أن يسمح بري بأن يتكرّر معه ما حصل في تشرين الثاني من العام 2000، أي أن يذهب إلى بكركي وهو "غير واثق" من النوايا السورية، فكيف إذا كان عالماً؟ هذا مع العلم ان تصريح بري على درج بكركي قبل سبعة أعوام كان معدّاً لا بل مكتوباً ومنسّقاً مع دمشق كما قال بري أكثر من مرة، ولم يكن ممكناً غير ذلك... قبل أن يأتي القصف عليه من إميل لحود في ظل "إشتباك" بعض الخطوط المخابراتية داخل النظام السوري.
إشغال الأكثرية و"الإشتغال" بها
وعلى هذا الأساس، فانّ الاحتمال الوحيد، هو انّ بري الذي يعرف المعطيات و"التقاطعات" يحاول ملء الوقت، ويحاول أن يُشغل الأكثرية من فريق 14 آذار وأن "يشتغل" بها تارة بموضوع النصاب وتارة أخرى بانّه "سيفتح" المجلس في 25 أيلول المقبل، وتارة ثالثة بـ"لعبة" الأسماء.
هذا هو المعنى الراهن لما يسمّى "مسعى توافقياً" ولا معنى آخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.