أول من أمس، أعلن السفير الأميركي جيفري فيلتمان أن ثمة عملاً مشتركاً بين الولايات المتحدة وشركائها الدوليين من أجل تأمين حصول الاستحقاق الرئاسي اللبناني في موعده.
القرار 1559 ساري المفعول
ليس هناك ما يفاجئ في هذا الإعلان بحد ذاته. ذلك أنه يعيد التذكير بحقيقة أن الاستحقاق الرئاسي في لبنان "مدوّل" منذ العام 2004، وهو تحت "الرقابة" الدولية منذ ذلك التاريخ بموجب القرار 1559. والتقارير الدورية التي يقدّمها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود ـ لارسن بشأن تطبيق القرار 1559، تؤكد أن الانتخابات الرئاسية وفقاً للدستور وبدون تدخّل خارجي لم تحصل، أي أن هذا البند ـ الأول ـ في القرار الدولي، لم يُطبّق. ولذلك، اعتبر المجتمع الدولي التمديد لإميل لحود خروجاً عن الشرعية الدولية فضلاً عن كونه جرى خلافاً للدستور وبالإكراه السوري.
واقع الأمر أن ليس معلوماً ما إذا كان ثمة "نية" أميركية ـ دولية لاستصدار قرار جديد بشأن استحقاق 2007، وإن كان معلوماً أن القرار 1559 لا يزال ساري المفعول لأنه غير محدّد بمهلة زمنية ولأن البند الرئاسي فيه لم ينفّذ أصلاً.
الاتفاق الأميركي ـ الفرنسي:
التسوية المستحيلة مع الأسد
بيدَ أن لهذا الإعلان الأميركي في هذا الوقت بالذات، دلالات وأبعاداً عدة.
فهو إذ يأتي بعد قمة الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي نيكولا ساركوزي، يشكّل نوعاً من الإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا على التحرّك لتمكين لبنان من إتمام انتخاباته الرئاسية.
كذلك، فإن الحديث عن تحرّك يُفترض أنّه يكتسب في هذه المرحلة معنى الحديث عن ضغوط "حيث يجب" من أجل جعل حصول الاستحقاق الرئاسي اللبناني ممكناً، في مواجهة ضغوط أخرى لمنعه من الحصول.
وإذا كان الاستنتاجان السابقان عن اتفاق أميركي ـ فرنسي بشأن الانتخابات الرئاسية في لبنان وعن ضغوط متوقعة على الجهة المعطّلة أي النظام السوري، صحيحَين، فإن ذلك يؤشّر الى نتيجتَين شديدتَي الأهمية.
الأولى هي أن لا تسوية دولية ـ سورية (أو دولية ـ إيرانية) في الأفق، أي إن المجتمع الدولي لا يريد للاستحقاق الرئاسي في لبنان أن يمرّ بتسوية مع دمشق.. أي أن لا "بازار" مع نظام الأسد في هذا الموضوع. وأكثر من ذلك، يمكن القول أن لا تسوية دولية مع النظام السوري حول لبنان و"عليه".
المؤتمر الدولي ـ الإقليمي "مطويّ" الآن
أما النتيجة الثانية، فهي أن "الاقتراح" المنسوب الى فرنسا بعقد مؤتمر دولي ـ إقليمي حول لبنان، يبدو قد طويَ. فعلى ما يبدو ـ أيضاً ـ فإن الموقف الدولي في محصّلته قد توصّل الى "ملاحظة" أن مشاركة النظام السوري في مؤتمر دولي ـ إقليمي حول لبنان "قد" يعطي إشارةً الى إمكان التسوية معه في المسألة اللبنانية وإلى اعتراف بدور سوري ما في لبنان، وهذا ما ليس وارداً بالنسبة الى المجتمع الدولي. أما البديل أي عدم دعوة نظام الأسد الى المشاركة فيتساوى مع عدم عقده، بمعنى أن في حوزة لبنان والداعمين له عربياً وإقليمياً ودولياً عدداً وافراً من القرارات التي تدعم استقلاله وحريّته وتدين التدخّلات الخارجية في شؤونه و"تحميه" في نهاية المطاف.
واللافت في هذا المجال، أن التحفّظ عن عقد المؤتمر الدولي ـ الإقليمي، كان عربياً بشكل أساسي. وأول من أمس، أعلن السفير المصري حسين ضرار تحفّظ بلاده والمملكة العربية السعودية بعنوان أن ثمة توضيحات لا بد منها للمؤتمر وأبعاده و"وظائفه". غير أن السفير كان واضحاً تماماً عندما أكد على "الحلّ اللبناني" من جهة وعلى التنسيق بين المبادرتين العربية والفرنسية من جهة ثانية، أي أنه أعطى للمبادرتَين وظيفة "المساعدة" على إنتاج "الحلّ اللبناني".
على أن ما بات معروفاً، هو أن الدول العربية الرئيسية ترفض تسويةً مع نظام الأسد حول لبنان. ويعتبر النظام العربي أن على النظام السوري احترام سيادة لبنان وعدم التدخّل في شؤونه، وأن عليه احترام المقررات العربية التي تؤكد في مجملها على أن العلاقات بين دول النظام العربي هي علاقات نديّة بين دول ذات سيادة. وبهذا المعنى، فإن الاستياء العربي من النظام السوري وصل في الآونة الأخيرة الى ذروته لخروج هذا النظام على الشرعية العربية في كل المجالات والعناوين، وليس فقط في الموضوع اللبناني.
كيف يبقى تخريب النظام السوري بلا رادع؟
إذاً، مما تقدّم يتبيّن بوضوح أن ثمة حركة دولية قيد الإنضاج، يواكبها موقف عربي تحت عنوان تمكين لبنان من إجراء انتخاباته الرئاسية في موعدها. لكن أحداً لا يحق له أن يخطئ التقدير. ذلك أن النظام السوري عندما تُغلق في وجهه أبواب التسويات، يندفع في التحدّي والتخريب. والسؤال هنا هو: أي ضغوط سيقوم بها المجتمع الدولي والنظام العربي وهل ثمة "حدود" لها؟
لا يُمكن إنكار أن الإنجازَين الكبيرَين اللذين تحقّقا للبنان، أي الانسحاب السوري أواخر نيسان 2005 والمحكمة الدولية بموجب القرار 1757 في 31 أيار 2007، كانا بتضحيات اللبنانيين من ناحية لكن بتضامن دولي وعربي من ناحية ثانية. غير أن لبنان "بالرغم" من هذَين الإنجازَين كان منذ أكثر من عامين تحت مطرقة النظام السوري وتخريبه، وإن هذا النظام خاض أكثر من هجوم في لبنان وبدا متحدياً المجتمع الدولي والنظام العربي وقراراتهما، وبدا مقتنعاً بأن أحداً لا يمكنه ردعه.
طبعاً، وراء كل موقف دولي أو عربي حسابات ومصالح. لكن لا يستطيع أحد في لبنان أن يتخيّل أن نظاماً يمكن أن "يصول ويجول" في وجه العالم كله.
الضغوط تبدأ بتعجيل المحكمة
من هنا، فإن نقاشاً دار في اليومين الماضيين حول الضغوط "المفترضة" على النظام السوري وأتباعه. واستقرّ رأي المتناقشين على أن بقاء الضغط في حدود سياسيّة "إعلاميّة" لم يعد كافياً، وإن ثمة ثلاثة عناوين، على الأقل، لا بد أن تنطلق الضغوط منها.
لا شك أن تسريع الخطوات الإجرائية لتشكيل المحكمة الدولية، يمثّل عاملاً ضاغطاً رئيسياً. وهذا يعني الإسراع في تعيين المدّعي العام الدولي والإسراع في تحديد المقرّ لتمكين رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس من الاتهام اعتباراً من تقريره المقبل. ويرى المتناقشون أن "قتال" نظام الأسد ضد المحكمة قبل تشكيلها ومباشرة أعمالها "شيء" مختلف عمّا بعد التشكيل إذ يصبح الحائط "مسدوداً" في وجهه.
.. وضبط الحدود اللبنانية ـ السورية
ولا شك أن الإسراع في وضع الحدود اللبنانية ـ السورية تحت الرقابة الدولية الداعمة للأمن اللبنانيّ، هو عاملٌ ضاغطٌ رئيسي آخر. ذلك أن ضبط هذه الحدود هو بندٌ من بنود القرار 1701، والحدود هي معابر للتدخّل الإرهابي والمخابراتي والتسليحي والتمويلي.. أي السياسي بالنتيجة. وقد يقول قائل إن التدخل السوري لا يحتاج الى الحدود كي يحصل أو أنه يمكن أن يحصل بـ"طرق" أخرى. لكن هنا يردّ المتناقشون بأن الحدود معابر لـ"الحضور" المادي والضغط المادي. ويضيفون أن ضبط الحدود أي مراقبتها من شأنه أن "يحرّر" حتى "بعض" حلفاء النظام السوري الذين يردعهم الخوف من ذلك "الحضور المادي".
.. ومكافحة "الجناح" المالي
وإضافةً الى تسريع إجراءات تشكيل المحكمة الدولية وضبط الحدود، يعتبر المتناقشون أنه فيما ثمة تمويل (مالي) للإرهاب ولمجمل عمليات هزّ الاستقرار اللبناني و"الأنشطة" العدائية للمسار الديموقراطي السلمي، فإن على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة "الجناح" المالي للإرهاب والتخريب، ضد الجهات والأشخاص و"حركة الأموال". وفي اعتقادهم أن فعالية الإجراءات المطلوبة في هذا المجال، أن تكون صادرة عن الأسرة الدولية ككل وليس عن دولة بمفردها، ما يتطلّب جهداً دولياً مشتركاً وربّما جهداً عربياً ـ دولياً أيضاً.
لن يكتسب الإعلان عن عمل دولي مشترك لـ"تأمين" حصول الاستحقاق الرئاسي اللبناني في موعده، معناه الفعلي بدون الضغوط المشار إليها آنفاً.
التوازن الداخلي بلغ "حدوده القصوى"
ومما لا شك فيه أن الأكثرية كانت ولا تزال مستعدة لتسوية سياسية ـ وطنية متكاملة تظلّل الاستحقاق الرئاسي، بحيث ينتخب رئيس جديد وفاقي (من ضمن هذه التسوية). لكنها لا تزال "تدقّ الماء وهي ماء"، طالما أن "المعارضة" تشعر أن في وسعها تعطيل العملية السياسية ما لم تكن نتائجها محسومة لها، بالاستناد الى قوة التدخّل الخارجي السوري بالدرجة الأولى.
وبكلام أكثر وضوحاً، إن توازن القوى اللبناني ـ اللبناني، أي التوازن الداخلي، وصل الى حدوده القصوى، بمعنى أن أياً من الفريقين لا يستطيع أن "يتمدّد" أكثر مما هو الآن. وبدلاً من أن يكون ذلك سبباً للتوجه الى التسوية، تستقوي "المعارضة" بالنظام السوري كما يمنعها النظام السوري من ذلك. والحد الفاصل هو تغيّر "توازن القوى الخارجي". هكذا بلا تردّد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.