في الأيام الماضية، وبالتزامن مع "السقوط الماروني" المدوّي للجنرال ميشال عون في انتخابات المتن الفرعية، سُجّل إستحضار النظام السوري لـ"جماعته" الى واجهة التصريحات والتعليقات. وكانَ "أبرز" الذين تمّ استحضارهم ممثّل "جناح مسيحيي سوريا" سليمان فرنجية الذي "أطلّ" في مقابلة تلفزيونية "تميّزت" بالهجوم على البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير لا بل بتوجيه شتائم الى رأس الكنيسة.
السقوط الماروني لعون وهجوم فرنجية
استنفارُ النظام السوريّ لـ"جماعته" بالتوازي مع نتائج فرعية المتن، "مفهوم" الى حد كبير. ذلك ان ادعاء انتصار سياسي للجنرال في المعركة المتنية يقتضي نوعاً من "الهمروجة" او "الضجيج" لإقناع الذات بالانتصار ولتضليل الرأي العام به. وبهذا المعنى، فإن "الاستنفار السوري" هو بمثابة "تعويض" عن الهزيمة المارونية للجنرال التي أدّت الى سقوط حجر الزاوية في خطاب ترشيح عون الى رئاسة الجمهورية.
قصفٌ على دور بكركي في "الرأي العام"
بيدَ انّ تولّي سليمان فرنجية الهجوم على البطريرك قد لا تكون أسبابه واضحة بشكل تلقائي. وفي هذا المجال يمكن الإشارة الى سببين رئيسيين.
ثمّة سببٌ اول يتعلق بفرعية المتن نفسها. ففي سياق المعركة الانتخابية، اتخذ البطريرك موقفاً داعياً الى تزكية الرئيس امين الجميّل "المرشح" لملء المقعد الذي شغر باستشهاد نجله الوزير والنائب بيار الجميّل. ومن هذه الزاوية، فان الهجوم على البطريرك تعبيرٌ عن انزعاج من جانب النظام السوري و"مسيحييه" ليس فقط من موقف سيّد بكركي، بل من تأثيره في مجرى تحوّل "الرأي العام" المسيحي عن الجنرال باتجاه الرئيس الجميّل وسائر مسيحيي 14 آذار. وبكلام آخر، فان للهجوم دافعاً يتصل بدور الكنيسة في "صياغة" المزاج المسيحي.
ومحاولة لإلغاء مرجعية البطريرك
غير ان ثمة سبباً ثانياً، وهو الأهم، يتعلق بالمرحلة المقبلة. فالهجوم على البطريرك يُدرَج في اطار محاولة "استباقية" لـ"تهشيم" الدور المرجعي للبطريرك والكنيسة المارونية في الاستحقاق الرئاسي الآتي.
رئاسة الجمهورية مسألة وطنية ميثاقية ودُستورية. لكنها مسألةٌ مسيحية إذ تتعلق بموقع المسيحيين ضمن الشراكة الوطنية. ولأنها كذلك، فإن البطريرك يمثل تاريخياً "الحماية" لهذا الموقع.
الهجوم عليه اذاً لكونه حامياً لموقع الرئاسة. لكن الى ذلك تضاف "حقيقة" ان التوازن الماروني ـ الماروني الذي أفرزته الانتخابات الفرعيّة في المتن "حرّر" البطريرك والكنيسة من "ضغوط" خطاب حصريّة التمثيل الماروني الذي أفرط الجنرال في استخدامه، خلال السنتين الماضيتين خصوصاً، وقاد المسيحيين به الى خيارات متناقضة مع تراثهم ومع ثوابت الكنيسة.
وإذا كان واضحاً تماماً ان الدور المرجعيّ للبطريرك، ولا سيما في موضوع الاستحقاق الرئاسي، يزدادُ "فاعلية" في ظل توازن القوى الماروني المتحوّل، فان للهجوم عليه هدفاً مركزياً هو تحييده او تعطيل دوره او إلغاؤه.
وتأسيساً على ما تقدّم، لا بد من توقع سلسلة هجمات على البطريرك من جانب الجنرال كما من جانب حلفائه، في الاسابيع المقبلة كلما اقترب موعد الاستحقاق الرئاسي.
البطريرك حتى الآن: محاولة حماية الدور
حيال ذلك، اي بإزاء محاولة إلغاء مرجعية البطريرك، كيف أدّى رأس الكنيسة دوره وكيف يمكن ان يؤدّيه، في موضوع رئاسة الجمهورية؟.
في الفترة السابقة، في البيانات الشهريّة لمجلس المطارنة الموارنة، وفي العظات الاسبوعية وفي التصريحات، شدّد البطريرك على ان نصاب إنتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا اعضاء المجلس النيابيّ، لكنه اعتبر ان تأمين النصاب واجب دستوري وليس تأمينُه او عدم تأمينه جزءاً من "اللعبة" السياسية الديموقراطية.
الى جانب هذا الموقف "المبدئي"، بدا البطريرك في عدد من الأحيان على مسافة متساوية من طرفَي الصراع في لبنان. تجلّى ذلك في حديثه بـ"التساوي" عن "صراع على المناصب"، وفي كلامه عن رئيس يتمتع بـ"أوسع تأييد" تارة وعن رئيس "توافقي" تارة اخرى.
يمكن القول ان البطريرك بمواقفه هذه، كان حتى الآن "يحاول" حماية دوره وحماية الاستحقاق الرئاسي في آن.
غير ان بقاء مواقفه على حالها، أي بالمضمون نفسه في الاسابيع المقبلة، لا يرقى الى مستوى التحدّي الذي يواجهه لبنان وموقع الرئاسة ودور بكركي.
الصراع في لبنان ليس صراعاً على المناصب. انه صراع سياسي ـ وطني بين مشروعين. ولطالما كانت الكنيسة والبطريرك في طليعة مشروع إستكمال إستقلال لبنان وبناء دولته.
والرئيس المقبل ليس أيّ رئيس ولا يمكن ان يكون ايَّ رئيس. و"التوافق" تمييعٌ للمواصفات الوطنية التي يجب ان يتمتع بها هذا الرئيس. واذا كان سبق للبطريرك أن قال إن الرئيس المقبل هو "الذي لا يستحي حاضره من ماضيه"، فان ذلك يعني ان يكون الرئيس رمزاً للانتقال بلبنان الى مرحلة الاستقلال و"وفاقياً" ملتزماً ميثاق الشراكة الوطنية.
ماذا إذا لم يتوافر الثلثان؟.
و"الأهم"، ولا شك، هو ان الموقف "المبدئي" من النصاب الدستوري لا يجيبُ عن السؤال الجوهري الآتي: ماذا إذا بقي فريق ما يسمى "المعارضة" مصراً على شرطه المجيء برئيس "له" وعلى تعطيل النصاب في حال لم يحصل على "رئيسه"؟.
وغنيّ عن القول ان أهمية السؤال المطروح تنبع من حقيقة ان ثمة خطراً على رئاسة الجمهورية، هو في آن خطرُ تعطيل الاستحقاق وإلغاء الرئاسة، وخطرُ الاتيان برئيس ينتمي الى حقبة سابقة او يسير بالرئاسة على خطى "السلف" بالارتباط مع النظام السوري، مما يُسقط دور الرئيس في حماية الكيان والاستقلال معاً.
ان "حقّ" اللبنانيين على البطريرك ان يسألوه: هل الموقف "المبدئي" من النصاب شرطٌ مانع لانتخابات الرئاسة في "جميع" الظروف بما في ذلك في حال إحتمال الفراغ؟ هل يرفض انتخاب الرئيس بنصاب النصف زائداً واحداً، وهو نصابٌ فيه اكثر من اجتهاد دستوري حتى لو كان الفراغُ هو "البديل"؟ هل يشجع نواباً موارنة باتجاه التمسك بنصاب الثلثين كشرط مانع؟ وإذا كان يأمل ان يؤدي الموقف من النصاب الى خلط الاوراق، فهل يأمل ان يؤدي خلطُ الاوراق هذا الى حلّ؟ وهل يريد من 14 آذار ومسيحييها باسم "التوافق" ان "يسلّموا" الرئاسة التي تمثّل تكراراً الموقع الاول الضامن للمسيحيين ضمن الشراكة الوطنية؟.
أجوبة البطريرك لا تزال منتظرة
اذاً، في وقت يعتبر مسيحيو 14 آذار ان البطريرك مرجعيتهم، وردّوا خصوصاً في الآونة الاخيرة على كل الادعاءات بوجود مرجعيات مسيحية أخرى، وفي وقت تعتبر 14 آذار بكل مكوناتها ان البطريرك مرجعيتها في الاستحقاق الرئاسي وسواه من المواضيع الوطنية، يبدو ملحاً جداً ان يعطي البطريرك أجوبته عن كل الاسئلة السابقة.
كان البطريرك سبّاقاً في معركة الاستقلال عام 2000. وكان سبّاقاً الى رفض التمديد لاميل لحود عام 2004، والى التحذير من عواقبه الكارثية. وفيما "المعركة" لا تزال مستمرة، تتجه الانظار اليه ثانية.
ان الردّ على هجوم النظام السوري وحلفائه و"مسيحييه" يتطلب وضوحاً ما بعده وضوح.. ولا بد من كلام آخر في الاسابيع المقبلة.
وإذا كان في ما تقدّم ذكره إلحاحٌ على اسئلة محددة الى البطريرك، فإن دوره المرجعي يفترض في نظر العديدين واحداً من توجّهين رئيسين: إما الدفع باتجاه تسوية سياسية ـ وطنية تحت سقف اتفاق الطائف يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية في ظلها، وإما "إفهام" الجميع ان الكنيسة لن تسمح بتعطيل رئاسة الجمهورية او إلغائها بأي حال من الاحوال حفاظاً على الصيغة المهدّدة اليوم أكثر من أي يوم مضى.
"أملُ" لبنان معقودٌ اذاً على البطريرك. ومسؤوليته في هذه المرحلة "تاريخية" بكل معنى الكلمة. ومستقبل الصيغة بين يديه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.