من استمع إلى الرئيس نبيه بري أول من أمس أو قرأ تصريحاته، لم يكن صعباً عليه أن يستنتج انّ الرجل بما يمثّل ومن يمثّل لم يتقدّم ميلليمتراً واحداً باتجاه طمأنة اللبنانيين إلى مصير الإستحقاق الرئاسي. فهو قال كلاماً كثيراً عن هذا الإستحقاق، وحاول للمرّة الألف أن "يبيع" إلى اللبنانيين دعوته المجلس النيابي إلى الانعقاد اعتباراً من 25 أيلول المقبل، لكنّه انتهى إلى "الشرط المانع" لحصول انتخاب الرئيس، أي "حكومة الوحدة الوطنية ـ أو حكومة الثلث المعطّل ـ مقروناً بشرط مانع آخر هو التوافق المسبق على إسم الرئيس الجديد.
ليس هذا فقط. فمن "يدقّق" في المواقف التي أطلقها، "يكتشف" انّ الغاية من الدعوة إلى جلسة 25 أيلول إنما هي إسقاط شرعية الحكومة القائمة بقرار "ذاتي" من برّي نفسه. فهو لن يدعو الحكومة إلى الجلسة، وبما انّ الجلسة انتخابية، يُمنع نوّاب الأكثرية من الاعتراض والتصويت، فيُسجّل "أمر واقع" غير دستوري.
هجوم الأبواق السورية على الخوجة وتحرّكه
على انّ الأهم من تصريحات برّي في "نصّها"، هو "السياق" الذي تأتي هذه التصريحات من ضمنه.
ليس سرّاً انّ مواقف برّي أتت متزامنة مع هجوم أبواق للنظام السوري على السفير السعودي عبد العزيز الخوجة وحركته بين الفرقاء اللبنانيين. و"الرسالة" التي حمّلها نظام الأسد إلى أحد أبواقه واضحة جداً: على المملكة أن تفاوض نظام بشار الأسد في كلّ ما يتعلّق بلبنان.
وإذا كان "البوق" قرأ الرسالة "على طريقته"، فانّ أحداً لا ينسى انّ تحالف ما يسمّى "المعارضة" أبلغ إلى الوفد العربي برئاسة الأمين العام للجامعة عمرو موسى المضمون نفسه عندما زار لبنان في حزيران الفائت: انّ القرار بشأن الحلّ موجود في دمشق وليس في بيروت.
فشل الأسد في استدراج تسوية
تزامناً مع الهجوم على سفير المملكة وحركته السياسية، لم يكن خافياً ولا للحظة انّ خطّة النظام السوري قامت خلال الفترة الماضية كلّها على "نقطة" رئيسية، هي استدراج بحث أو تسوية مع الشرعيّتين الدولية والعربية. وكان نظام الأسد يأمل أن "يبيع" دوره التخريبي في لبنان لقاء مجموعة من "الشروط" أهمّها على الإطلاق إسقاط المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فينجم عن ذلك "إعتراف" دولي ـ عربي جديد بـ"نفوذ" سوريا في لبنان، ويكون انتخاب رئيس الجمهورية عندئذٍ بمواصفات نظام دمشق و"مباركته".
غير انّه من الواضح، انّ محاولات نظام الأسد استدراج تسوية دولية ـ عربية معه حول لبنان لم تنجح. كان ثمّة رسالة واحدة وجّهت من جانب النظام العربي والمجتمع الدولي اليه، وهي انّ عليه الكفّ عن التدخّل ـ التخريبي ـ في الداخل اللبناني، وعليه أن يكون عاملاً مساعداً في الحلّ، وأن لا مساومة دولية ـ عربية على حساب استقلال لبنان وسيادته. وهذا ما تبلّغه النظام السوري من كلّ الوفود العربية والأوروبية التي توجّهت إلى العاصمة السورية في الآونة الأخيرة.
إيران و"تقطيع الوقت"
إذاً، في قراءة لـ"سياق" المواقف التي أطلقها الرئيس برّي، يتبيّن انّها "تواكب" زمنيّاً الهجوم السوري على المملكة العربية السعودية من جهة وإعادة إكتشاف نظام الأسد أن لا استعداد دولياً وعربياً للمساومة معه "على" لبنان من جهة ثانية.
غير انّه، ومن أجل استكمال الصورة إقليمياً، لا مفرّ من "إضافة" العامل الإيراني. وفي هذا المجال، من المفيد التذكير بانّ إيران "انتهت" إلى تفويض النظام السوري بـ"لبنان"، وبأن المسألة اللبنانية تشكّل بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية "ملفاً" للاستخدام في حالتَي "المواجهة" مع المجتمع الدولي أو التسوية معه، وبأن إيران لا تزال تدير سياسة "تقطيع الوقت" في انتظار تبلور "إتجاه الرياح".
تأسيساً على ما تقدّم من استعراض للمعطيات الإقليمية والدولية، ليس ثمّة صعوبة في استنتاج انّ قرار النظام السوري بـ"تفجير" لبنان قائم ومستمرّ، وانّ الاستحقاق الرئاسي مطروح سورياً للتعطيل، طالما انّه غير قابل للتحوّل إلى محطّة لتسوية دولية ـ عربية مع نظام الأسد.
التاريخ يعيد نفسه: التمديد والتعطيل
التاريخ يعيدُ نفسه ولو باختلاف جزئي.
في العام 2004، وقبل التمديد المشؤوم لإميل لحود، "نظّم" نظام الأسد بازاراً رئاسياً. حاول حينذاك الايحاء بـ"لبننة" الاستحقاق الرئاسي، أي بترك هامش لبناني في إطار الإستحقاق الرئاسي "الممسوك". لكن حقيقة الأمور هي انّ تلك "الفترة العابرة" صيف 2004، كانت في إطار سعي النظام السوري إلى "إستكشاف" ما إذا كان التفويض المعطى له في لبنان منذ العام 1990 قد انتهى بالفعل من ناحية وإلى "مبادلة" الإستحقاق الرئاسي بتجديد التفويض من ناحية أخرى. وعندما تأكد لنظام الأسد انّ التفويض منتهية صلاحيته وانّ أوان مغادرته لبنان قد حان، اتخذ قراره بالتمديد للحود وفرضه بالترهيب.
في العام 2007، يشكّل تعطيل الإستحقاق الرئاسي المرادف للتمديد في العام 2004. في الـ2004 كان النظام السوري قادراً على فرض التمديد. أمّا في الـ2007، ولأنّه غير قادر بين المعطيات اللبنانية والعربية والدولية على فرض رئيس، فخياره منع الاستحقاق وإلغاء الرئاسة. وفي الحالتين قرارٌ بـ"التفجير".
1559 لا يزال غير مطبّق
لكن في العام 2004، كان القرار الدولي 1559 ردّاً على التمديد القسريّ خلافاً للدستور اللبناني. قد لا يكون القرار السوري بتعطيل إستحقاق أيلول 2007 بحاجة إلى قرار دولي جديد. ذلك انّ الـ1559 قائم، وفي كلّ مرّة يقدّم تيري رود ـ لارسن تقريره حول تطبيق هذا القرار، يلحظُ عدم تنفيذ البند القاضي بحصول انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة وبدون تدخّل خارجي، وعلى أساس هذا القرار جرت مقاطعة لحود دولياً وعربياً. وبكلامٍ آخر، انّ "تدويل" الإستحقاق الرئاسي قائمٌ منذ ثلاث سنوات، وهو لا يزال يظلّل إستحقاق العام الحالي.
وعلى هذا الأساس، لن يكون مفاجئاً أن يذكّر المجتمع الدولي بالقرار 1559 وأن يصعّد ضغوطه لمنع تعطيله. بيد انّه لن يكون مفاجئاً في المقابل أن يردّ النظام السوري ـ كما في العام 2004 ـ بتحدّي المجتمع الدولي.
جنبلاط يتوقّع اغتيالات
ولعلّه لهذا السبب بالتحديد، كان رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط يعلن توقّعه في جلسة خاصة أمس، أن يُقدم النظام السوري في الأسابيع المقبلة على جرائم اغتيال جديدة هدفُها إنقاص الأكثرية بالقتل. فنظام الأسد لا يستطيعُ فرض انتخاب رئيس تابع من ضمن الموازين السياسية ـ النيابية الراهنة، لكنّه يريد منع انتخاب رئيس بـ"المطلق"، وهو انتخاب قد تقدم الأكثرية عليه منعاً للفراغ من جهة وتمسّكاً بالصيغة ورفضاً لتمويتها من جهة ثانية.
وعلى أي حال، فانّ من سمع إميل لحود قبل أيام قليلة، لا يستبعد ذلك. فبعد انّ كرّر شروط "المعارضة"، وتحدّث عن نصاب الثلثين، تحدّى لحود الأكثرية أن تبقى مالكة للنصف زائد واحد، قبل أن يستدرك بالقول انّ هذه الأكثرية لن تملك النصف زائد واحد "بعد أن أكد أعضاء فيها انّهم يريدون التوافق" كما زعم!.
وإذا كان لحود يثير احتمالاً موازياً للقتل، عبر الايحاء باستخدام مواقف دستورية لبعض نوّاب الأكثرية، فانّ وليد جنبلاط لم يخطئ في دعوته جميع تيارات الأكثرية إلى التوحّد وعدم تقديم ما يمكن إستخدامه من جانب نظام الأسد وحلفائه وأتباعه. فثمّة "ورقة ثمينة" هي انّ فريق 14 آذار يشكّل الأكثرية النيابية، وليس من حقّ أحد في هذا الفريق أن يفرّط بهذه "الورقة" لأي سبب أو "اجتهاد" كان.
من هنا، وبالعودة إلى المواقف الأخيرة لبرّي، لا مبالغة في القول انّه إذ لم يتقدّم ميلليمتراً واحداً باتجاه طمأنة اللبنانيين إلى مصير الإستحقاق الرئاسي، فانّه ليس جاهلاً بـ"المعطى السوري". وحيال هذا "المعطى" لا يسعهُ أن يقول كلاماً مختلفاً عمّا قاله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.