8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا استحقاق رئاسياً اليوم = لا رئاسة جمهورية "على طول"

لا تزالُ "المعارضة" ملتزمة تخريب الاستحقاق الرئاسي. وإذا كان البعضُ من فريق 14 آذار يستغرب إصرار "المعارضة" على تشكيل ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" قبل الرئاسة مع انّ "مدّة" هذه الحكومة لن تكون سوى ثلاثة أشهر، فانّ ذلك لا يكفي لـ"الاشتباه" بنوايا فريق التحالف السوري ـ الإيراني. فـ"المشكلة" مع "المعارضة" هي في ربط الاستحقاق الرئاسي بـ"حكومة وحدة" تسبقه، وهي كشفت عن هذا الربط منذ أن طالبت بهكذا حكومة في الخريف الماضي.
"لغز" الحكومة قبل الرئاسة
في "المبدأ" لا يرتبط الاستحقاق الرئاسي بـ"شيء". النصوص الدستورية واضحة، ولا تشترط أن تكون الانتخابات الرئاسية مسبوقة "بأي" أمر. أما الموضوع الحكومي فيلي الانتخابات الرئاسية تلقائياً، إذ تستقيل الحكومة القائمة حتماً بعدها. وفي "المنطق" إذاً، فإنّ "المعارضة" لو كانت فعلاً في صدد تحسين وضعها السياسي، لفاوضت على حكومة ما بعد الرئاسة. وبكلام آخر، حتّى لو جرى التسليم جدلاً بأنّ "المعارضة" تريد ضمان وضعها للمرحلة المقبلة، فانّ "المنطق" يفترض أن تربط الاستحقاق الرئاسي بـ"حكومة وحدة" بعده لا قبله. وإذ ذاك يمكنُ فهم أن تكون "المعارضة" ضاغطة باتجاه تفاهم على "سلّة" متكاملة بين الرئاسة والحكومة، أي على تسوية سياسية متكاملة.
"مبادرة" برّي: أخذ الحكومة والبلد
غير انّ واقع الحال ليس كذلك. وفي الأيام القليلة الماضية، تسرّبت معلوماتٌ عن "مبادرة" للرئيس نبيه بري. وتتضمن "المبادرة" ـ بحسب المعلومات "المتسرّبة" ـ تشكيل "حكومة وحدة وطنية" معرّفة بما يسمّى "الثلث المعطّل"، في مقابل استعداد الرئيس بري لـ"ضمان" حصول الاستحقاق الرئاسي في موعده لكن بشرطَي نصاب الثلثين في كل دورات الاقتراع و"التوافق" على إسم الرئيس.
بداية، فُهم من "المبادرة" ان برّي لم "يتلحلح" وانّه لا يطرح شيئاً جديداً. ردّت المعلومات "المتسرّبة" على هذا التشكيك، فنسبت إليه انّه يطرح "التزامن" بين قيام "حكومة الثلث المعطّل" و"التوافق" على الرئيس المقبل، أي انّه يطرح اتفاقاً يتمّ تنفيذه عند اكتماله. لكن سرعان ما خرج نائب من كتلته لينفي "التزامن" ويعيد الأمور إلى المربّع الأول: "حكومة الثلث المعطّل" أولاً. لكأن برّي، حتى في تحريكه الشكلي للموقف، لم يلقَ إستحسان حلفائه.
وفي قراءة لهذه "المبادرة" (!) حتّى في "أفضل" حال أي "التزامن"، يبدو واضحاً تماماً انّ "المعارضة" تعني بـ"التزامن" الحكومة أولاً. وليس هذا فقط، لأنّ ما تريده بالفعل هو "أخذ" الحكومة بـ"الثلث المعطّل"، وتريد "أخذ" الرئيس بما يسمّى "التوافق"، وإن لم يتمّ "التوافق" على إسم الرئيس، تحلّ "حكومة الثلث المعطّل" مكان الرئاسة.
إذاً، كيفما "دار" التحليل يتبيّن انّ "المعارضة" تريد الحكومة، وفي ما يتعلّق بالرئاسة فإمّا رئيس تختاره أو لا رئاسة جمهورية. وهذا ليس استنتاجاً تحليلياً بل هو جزء من الخطاب الرسمي لفرقاء "المعارضة" ككّل.
من هنا، فانّ الإشتباه بنيّة "المعارضة" تعطيل الاستحقاق الرئاسي، ليس قفزاً فوق الوقائع والمعطيات.
تعطيل الاستحقاق: الصيغة في "الدقّ"
وقبل الدخول في نقاش حول ما يتوجّب على 14 آذار في هذه الحالة، لا بدّ من القول انّ تعطيل الاستحقاق الرئاسي ليس مجرّد "خيار سياسي"، بل هو ينطوي على خيار تجاه الصيغة اللبنانية، أي انّه خيارٌ باتجاه إعادة النظر بالصيغة التي يرعاها اتفاق الطائف.
وفي العام 1988، لم يحصل انتخاب رئيس الجمهورية في الموعد الدستوري. كان لبنان في العام الثالث عشر من الحرب، وكانت الصيغة "السابقة"، صيغة 1943، أحد العوامل في هذه الحرب. وآنذاك لم يصبح انتخاب رئيس الجمهورية ممكناً إلا بعد عام ومع إقرار اتفاق الطائف، وقد تخلّلت هذا العام حروب داخلية شتّى "شقّت" المذاهب على نفسها.
اليوم في العام 2007، لا يمكن أن يعني تعطيل انتخاب الرئيس الا تمهيداً من جانب "المعارضة" لإعادة النظر في الصيغة. و"القاعدة" انطلاقاً من التجربة اللبنانية تفيد انّ كلّ تعطيل لانتخاب الرئيس هو تعطيل للصيغة. وليس من أحد بحاجة إلى التذكير بكلّ ما حفل به الخطاب الإعلامي ـ "الثقافي" لفرقاء "المعارضة" من مفاهيم ومصطلحات تنسف الطائف، فضلاً عن الإعلان بين حين وآخر انّ "اتفاق الطائف كان يصلح لزمن آخر".
لحود
على انّ اللافت "هذه المرّة" هو انّ "التآمر" على الاستحقاق الرئاسي يغطّيه مارونيّان.
الأول هو رئيس التمديد إميل لحود الذي لا يتردّد في شرشحة الرئاسة وإسقاطها عندما يصل به الأمر إلى حدّ التلويح بالبقاء في القصر الجمهوري بعد انتهاء ولايته الممدّدة. وذلك بخلاف الدستور ونصوصه، حيث ليس رئيس الجمهورية منتحل صفة أو مغتصب سلطة، بل الرئيس رأس الدولة ورمز وحدة لبنان، من موقعه كممثل للموارنة في الشراكة الوطنية.
عون: ماذا عن التفاهمات السريّة؟
أمّا الثاني فهو الجنرال ميشال عون. انّه "حصان طروادة" الذي يجري استخدامه لإسقاط رئاسة الجمهورية. ليس فقط عَرَض مقايضة مقعد المتن بـ"حكومة وحدة وطنية"، لكنه لا يزال يغطّي عدم حصول الاستحقاق الرئاسي بموافقته على ربط الرئاسة بقيام هذه الحكومة مسبقاً.
عقد عون مع "حزب الله" تفاهماً، خلا من مرجعية اتفاق الطائف. "يبيع" الجنرال هذا التفاهم بوصفه حماية للمسيحيين تارة وبوصفه لمصلحة مشروع الدولة تارة أخرى. لكن ماذا عن الصيغة عندما لا يكون اتفاق الطائف مرجعيتها؟ وهل الصراخ حول صلاحيات رئيس الجمهورية يكفي للتستير على الانخراط في تبديد الرئاسة موقعاً وصلاحيات؟.
معروف انّ عون "لم يمانع" في "المثالثة" بدلاً من "المناصفة"، وطرح ذلك في مؤتمر الحوار الوطني. فهل يجرؤ على كشف التفاهمات السريّة الأخرى؟ هل يقول للبنانيين مثلاً ما التغيير الذي يقترحه على مستوى قيادة الجيش؟. ومَن لنيابة رئاسة مجلس الوزراء وبأية صلاحيات؟..
14 آذار: الرئاسة أولاً..والخطأ ممنوع
تأسيساً على ما تقدّم، انّ فريق 14 آذار مطالب بالتعاطي مع الوضع الراهن من ضمن توجهات مبدئية وعملية محدّدة.
الاستحقاق الرئاسي يجب أن يتمّ ولا بحث في المسألة الحكومية قبل انتخاب رئيس الجمهورية الجديد.
وما يُسمّى "مبادرة" كالتي نُقلت عن الرئيس بري، لا بدّ أن ترفض.
ولا بدّ أن يكون واضحاً انّ مصير الصيغة يتوقف على المواقف التي ستعتمدها 14 آذار.
وينبغي أن يكون واضحاً سلفاً انّ التمسّك بحصول الاستحقاق الرئاسي في موعده، هو موقف ضدّ تقسيم الكيان والدولة والنظام.
قد تكون 14 آذار أخطأت بموافقتها في فترة سابقة على إعطاء "الثلث المعطّل" إلى "المعارضة" التي وضعته في جيبها وراحت تصعّد شروطها.
وقد تكون أخطأت عندما طرحت "التزامن" مع انّ "تزامنها" كان يقضي بالموافقة على "حكومة وحدة" بالتزامن مع ضمان موافقة "المعارضة" على إتمام الاستحقاق.. فصار "التزامن" شيئاً آخر.
الرئاسة قبل أي شيء. فهي رمز الصيغة ورمز استمرار الكيان موحّداً. واتفاق الطائف، بلا مبالغة، هو آخر تسوية في كيان موحّد.
أمّا بعض المسيحيين داخل الكنيسة وخارجها ممّن راحوا يفتشون عن "الأسلمة" في مواقف حكومة 14 آذار، فالكل ينتظرهم اليوم ليقولوا كلاماً مفيداً عن محاولات إسقاط آخر معقل للمسيحيين وهو رئاسة الجمهورية. ولا شكّ انّ رأس الكنيسة البطريرك نصرالله بطرس صفير يجب أن يكون الطليعة التي تسير 14 آذار وراءها. ولا معنى من وجهة نظر كثيرين لـ"المشروع" الذي يتحدث عنه بعضهم، والقاضي بعقد "اجتماع مسيحي" في بكركي يحضره عون وسليمان فرنجية. لا معنى له الا تعويم الجنرال وإحياء "الرميم" فيما المطلوب تفاعل مسيحيي 14 آذار مع الكنيسة.
باختصار، انّ الخلاف مع "المعارضة" استراتيجي وليس تكتيكياً. وحتّى الأخطاء التكتيكية غير مسموحة. ألم يسمع جميع من في 14 آذار لحود أول من أمس يتحدّى أن تكون الحركة الاستقلالية تستطيع أن تؤمن النصف زائد واحد؟ أليس ذلك ما يستوجب من 14 آذار عدم "شلح" أي ورقة من أوراقها وهي المدافعة عن إنجاز الاستحقاق الرئاسي حفظاً للصيغة؟.
لا تسوية على حساب الصيغة وعلى حساب وحدة الدولة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00