8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هزيمة الجنرال: تغيّر استراتيجي على جبهة "المعارضة"

أفرزت الانتخابات الفرعيّة في المتن الشمالي نتائج سياسية "استراتيجية" ستكون لها تداعيات بالغة الأهميّة في المديَين القريب والمتوسّط.
أولى النتائج، تتعلق بالتمثيل السياسي المسيحي، الماروني بنوع خاص. وفي قراءة للأرقام يتبين بـ"سهولة" ان ميزان القوى الماروني ـ الماروني تبدّل بشكل جذريّ، فـ"انقلبت" الأكثرية من ضفة الى أخرى، اي انتقلت من الجنرال ميشال عون الى مسيحيي 14 آذار الذين كان الرئيس امين الجميّل رأس حربتهم في المعركة الانتخابية ـ السياسية المتنيّة.
المسار الانحداريّ ـ الانهياريّ العونيّ
هذه النتيجة الأولى لا تعني فقط ان الجنرال تراجع في حجم تمثيله للمسيحيين بنسبة النصف عما كان في العام 2005، ولا تعني فقط سقوط كل ادعاءات الجنرال بـ"لا شرعية" غيره من قوى وشخصيات التمثيل المسيحي، انما تعني ان ثمة مساراً انحدارياً ـ انهيارياً ـ بالنسبة الى "التيار العوني".
المسارُ انحداري انهياريّ لأن مواصلة الجنرال لنهجه وسياساته سوف تقضي على ما تبقى من امتداد شعبي لـ"التيّار" ولأن استدراك الجنرال لسياساته ـ وهذا ما لن يتم ـ سوف يعيد الاعتبار لحقيقة ان المسيحيين الآخرين أولى بالقيادة.
سقوط القائد الآمر
طبعاً ليسَ من داعٍ لتفسير لماذا لن يستدرك الجنرال ويعيد النظر في "الخط" الذي التزمه حتى الآن. ذلك انه متورط في الاساس بتفاهم مع النظام السوري وحلفائه، ولا يملك شجاعة التبديل، وهو ليس من صنف السياسيين الذين إذا ما احسّوا ان شارعهم يتململ او يرفض سارعوا الى "التعديل" و"التغيير". فالجنرال اثبت مراراً انه يعاند إرادة الشارع، وانه يتعامل في السياسة مع الناس كقائد يأمر والناس واجبهم ان يطيعوه. ثمَّ، ان الناس يعطون فرصةً او فرصتين او ثلاثاً لـ"الزعيم"، لكنهم لا يعطونه مليوناً من الفرص.. وهو أخذ كل الفرص فقادَ المسيحيين الى كوارث. ولعل المسيحيين باتوا اليوم مكتملي القناعة بأن الجنرال أصل بلائهم وبلاء لبنان بـ"الوصاية السورية".
فعون يتحمّل مسؤولية تاريخية على هذا الصعيد. فهو برفصه اتفاق الطائف في العام 1989، مهّد الطريق امام "تكليف" النظام السوري بلبنان اي بالوصاية عليه وقد استمرت ستة عشر عاماً. وهو بسياسته وتحالفاته منذ العام 2005 يفسح في المجال أمام عودة النظام السوري من "النافذة" بعد ان اخرجته "ثورة الأرز" من "الباب".
الجنرال لن يكون رئيساً ولا حتى "ناخباً كبيراً".
النتيجةُ "الاستراتيجية" الثانية، هي ان الجنرال الذي اظهرت الأرقام ان "كتلته الانتخابية" او قوّته الناخبة أقل بكثير من الكتل الناخبة لحلفائه، سوف يندمُ لرفضه سابقاً إقتراحاً عرضه عليه ديبلوماسي غربي كما قال عون بنفسه.
اقترح الديبلوماسي بحسب عون الا يكون الجنرال مرشحاً رئاسياً بل ان يؤدي دور "ناخب كبير" في انتخاب الرئيس. رفضَ عون الاقتراح في حينه. لكنه الآن يخسر دفعة واحدةً ثلاثة خيارات: لا يستطيع بعدَ الآن ان يكون مرشحاً رئاسياً يزعم حصرية التمثيل المسيحي، وهو ليس رئيساً "توافقياً" ولا يستطيع ان يطالب بأن يكون رئيس الجمهورية من قرّرت طائفته انه زعيمها، وهو لم يعد ناخباً كبيراً بمعنى انه لم يعُد في وضع يجعله قادراً على منح "بركة مسيحية" للرئيس المقبل.
"المعارضة" صارت "شيعية"
مع مسيحيين "وزن خفيف".
ماذا عن النتيجة الثالثة؟
ان نتائج انتخابات المتن أحدثت أول تغيير من نوعه على جبهة "المعارضة".
كانت "المعارضة" حتى الآن تستطيع ان تقول انها متشكلة من ائتلاف يضمّ اكبر قوتين سياسيتين للتمثيل الشيعي من جهة وأكبر قوة سياسية للتمثيل الماروني من جهة ثانية، اي ان "المعارضة" كانت حتى الآن تستطيع القول انها تمثّل تحالفاً طائفياً قوياً في مقابل تحالف 14 آذار المستند الى فريقي تمثيل سياسي ـ طائفي، سني ـ درزي، وان هذا الفريق ـ اي 14 آذار ـ يستلحق مسيحيين به.
كانت تستطيع ان تقول كل ذلك حتى لو لم يكن صحيحاً. ذلك ان 14 آذار هي تحالف بين طوائف وقوى تمثيل طائفي، لكنها "تيار" مختلط في الوقت نفسه، يتجاوز المكونات "التنظيمية".
ومع ذلك، أي بالرغم مما كان يمكنها أن تزعمه في مرحلة سابقة، فإن نتائج "فرعية المتن" أعادت الأمور الى نصابها. فالمسيحيون في أكثريّتهم الساحقة مع 14 آذار، و"المعارضة" لم تعد تضمّ زعامة مسيحية ـ شعبية، بل يتأكد أنها تستند الى قوة طائفية "عظمى" مع ملحقات من طوائف أخرى، من بينهم "مسيحيو سوريا".
5 آب و14 آذار
"الاستراتيجي" في نتائج "فرعية المتن" هو إذاً أن 14 آذار تتقدم وتحقق اختراقاً موصولاً بيوم 14 آذار، إذ حسم مسيحيو الحركة الاستقلالية أحقيّتهم في تمثيل تطلعات المسيحيين، التي جرى تشويهها من جانب الجنرال بطروحات لا تأتلف مع البيئة المسيحية وتراثها وتاريخها.
وبانتصار مسيحيي 14 آذار، أي بإسقاط الغطاء الماروني ـ العوني ـ عن المشروع السوري ـ الإيراني، عادت "الساحة المسيحية" الى ديناميّتها في إطار التعدّد، وصار من حقّ مسيحيي 14 آذار اليوم أكثر من أي يوم مضى أن يطالبوا بأن تكون رئاسة الجمهورية لواحد منهم بما أنهم هزموا جنرال الالتحاق بالمشروع السوري ـ الإيراني.
"المشروع السوري" بين الضربة والتصعيد
والنتيجة الرابعة تبدو "مركّبة".
من جهة، لا شك أن المشروع السوري ـ المؤيّد إيرانياً ـ تلقّى ضربة بما أنتجته انتخابات المتن. يستطيع الاحتفال بالحصول على مقعد الوزير والنائب الشهيد بيار الجميل. لكنه لن يكون قادراً على تحريك فتنة مسيحية ـ مسيحية (وقد أحبط مسيحيو 14 آذار محاولة على أبواب سرايا الجديدة أول من أمس)، أو فتنة مسيحية ـ سنية، مثلما فشلت محاولة تحريك فتنة سنية ـ سنية.
لكن من جهة أخرى، أي في المقابل، إن فشل الجنرال في انتزاع تفويض شعبي مسيحي متجدّد، وهو ما يعرفه النظام السوري وحلفاؤه في "أعماقهم"، سيدفع "المعارضة" والمشروع السوري ـ الإيراني الى التصعيد أكثر وأكثر في المدى المنظور لمنع 14 آذار من تثمير هذا المتغيّر الكبير.
أما من جهة ثالثة، فإنه يمكن القول أن ثمة صراعاً سيقوم اعتباراً من الآن بين توازن قوى لبناني متحسّن لصالح 14 آذار مدعوم من النظام العربي والمجتمع الدولي وبين "معارضة" متراجعة في إطار ميزان القوى اللبناني ومدعومة من التحالف السوري ـ الإيراني. ولا بد أن ينشأ عن هذا الصراع توازن مختلف. وأهم ما في الأمر أن 14 آذار عندما أكدت أن ثمة متغيرات، فإنها كانت تتوقّع هذا التغيّر الكبير الذي أفرزته انتخابات المتن.
ميشال المرّ "أسير الماضي"
على أن هناك نتيجة خامسة، تتعلّق بالنائب ميشال المرّ، لا بد من تسليط الضوء عليها.
لا شيء في اعتقاد كثيرين، كان يبرّر حماسة المرّ للمرشح العوني. فقد كان واضحاً منذ بداية الاستعدادات للانتخابات الفرعية أن "التيّار العوني" لم يعُد كما كان في العام 2005، وأن "بلوك المرّ" أقوى من الكتلة العونية الناخبة "العائمة".
وإذا كان المرّ احتمى في العام 2005 من "التسونامي" العوني، وحرص حتى في أوج "التسونامي" آنذاك على أن يبقى ثمة مقعد للشهيد بيار الجميل، فإنه في "الفرعية" الأخيرة كان عليه ألاّ يضع كتلته الناخبة في وجه المزاج الماروني. تصرّف بـ"منطق" الماضي، في حين كان يمكنه أن يحرص على مستقبل دوره في هذه المنطقة، وأن يؤكد قدرته على التقاط التحوّلات. ذلك أن معركة أمين الجميل في المتن هي في "المضمون" معركة نجله الياس المرّ، لأن من اغتال بيار الجميل هو مَن حاول اغتيال الياس المرّ، وليس فقط لأن قواعد المرّ متداخلة تاريخياً مع "الكتائب"، بل لأن الوزير المرّ كان على اتفاق مع الشهيد بيار، وكانا يستعدّان معاً لتأسيس عمل سياسي مشترك في المنطقة وعلى المستوى اللبناني العام.
لكن من الواضح، والمعروف، أن مندوباً عن مسؤول في النظام المخابراتي السوري أبلغه رسالة "شديدة اللهجة"، فاستجاب الى الضغوط، وكادت نسبة تجييشه لصالح المرشح العوني تقترب من النسبة التي استنفرها لصالح ابنته ميرنا في "الفرعية" عام 2002.
لذلك، فان النائب المر مدعو الى درس النتائج جيداً، وهو "البارع" في المجال الانتخابي، ومدعو الى "تجديد" موقفه كي تستقيم المعادلة المتنية وكي يحقق انتقالاً الى مرحلة جديدة.
"الطاشناق": الحساسية مع الجوار الماروني
أما النتيجة السادسة فتتعلق بـ"الطاشناق"
بعيداً مما قيل مما يجوز ولا يجوز قوله، فان المشكلة مع "الطاشناق" سياسية. فقد كان معروفاً عن "الطاشناق" حتى الآن حرصه على حسن العلاقة مع "الجوار"، ومع الموارنة بشكل خاص. فهل كان مضطراً الى التجييش (فضلاً عن التزوير) في انتخابات جرت بسبب اغتيال ماروني هو الشهيد بيار الجميّل؟ وهل كان مضطراً الى إعطاء "كل" طاقته كأنه كان يمارس التشفي في معرض استعراض عضلاته؟.
بالنتيجة، وإذا كان مفهوماً ان يساير "الطاشناق" الموجة العونية في العام 2005، فانه بموقفه في "الفرعية" اول من امس خلق "حساسية" لم يسبق له ان خلقها مع جواره الماروني. و"الطاشناق" تصرّف بعيداً عن مصالح الكتلة الارمنية، وبدا كأن ثمة رغبة لديه في عرقلة مسار التحولات في لبنان.. وبدا كأنه خارج "الزمن اللبناني"، إذ يمارس "القطع" مع كل القوى والفاعليات الحيّة في المجتمع السياسي.
بعدَ انتخابات المتن، "يوم آخر" إذاً وفقاً لكل المقاييس.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00