في اليومين الماضيين، توالت مجموعة من المواقف المهمّة دولياً وعربياً، سواء ما تعلّق منها بلبنان أو ما تعلّق بالوضع الإقليمي، تشير في مجملها إلى أنّ ثمّة ما هو "جديد" قادم في الفترة المقبلة.
كوشنير خلال المسعى وبعده
ما كاد الوزير الفرنسي برنار كوشنير يغادر بيروت منهياً زيارته حتى أطلق من القاهرة موقفاً "مدوياً" يختصرُ السبب الرئيسي للأزمة في لبنان، إذ دعا إلى مضاعفة الجهود من أجل منع دمشق وطهران من إشعال حرب في لبنان.
وأن يأتي هذا التحذير من كوشنير، فذلك بالغُ الدلالة. فالديبلوماسية الفرنسية مع كوشنير، أخذت خلال أسابيع مسافة نسبية عن الولايات المتحدة، وتجلّت تلك المسافة النسبية، أي الهامش من الاستقلالية عن السياسة الأميركية، في التفاوض مع إيران وسوريا بشأن الأزمة اللبنانية.
ولم يكن خافياً انّ واشنطن، بالرغم من تأكيد باريس انّها توجّه إلى العاصمتين الإيرانية والسورية رسالة بضرورة التعاون، انمّا كانت غير راضية عن تلك "الانفتاحة" الفرنسية، وقد عكست ذلك في مواقف معلنة. وكذلك، لم يكن خافياً انّ ثمة نوعاً من الرهان لدى كوشنير على تمايز ما إيراني عن النظام في دمشق.
أكثر من ذلك. فقد ترجم كوشنير تحرّكه باتجاه لبنان بمسافة متساوية إلى حدّ كبير عن طرفَي الصراع اللبناني. فتحدّث عن دور "تسهيلي" لفرنسا ما يعني نسبة كبيرة من "الحياد"، بدا منه انّ الديبلوماسية الفرنسية ترغبُ في نوع من "التوسّط" بين الطرفين في لبنان. وفي هذا السياق، توقّف المراقبون مليّاً في فترة من فترات التحرّك الفرنسي عند "مبالغة" كوشنير في الحديث عن الدور المُتاح للداخل اللبناني في إنتاج تسوية داخلية "بالرغم" من التأثيرات الخارجية، ومبالغته أيضاً في اعتبار انّ ثمّة مجتمعاً "مدنيّاً" في لبنان وانّ هذا المجتمع "المدني" يملك قابلية أن يكون "القوة الثالثة" بين فريقَي 14 آذار و8 آذار.
إذاً، بنتيجة التحرّك في لبنان، والاتصالات مع طهران ودمشق، أعادت الديبلوماسية الفرنسية اكتشاف مصدر الخطر على لبنان وتحديده: انّه المحور الإيراني ـ السوري مع إضافة معبّرة تقول انّ لدى هذا المحور مشروعاً يمكنه أن يقود لبنان إلى حرب، ما يجعل الأزمة اللبنانية "أصعب مشكلة يواجهها العالم" كما قال كوشنير بنفسه.
موراتينوس: سوريا جزء من المشكلة
بالتوازي مع تحرّك الديبلوماسية الفرنسية، كان وزير الخارجية الاسباني ميغيل انخيل موراتينوس يزور بيروت وينتهي من زيارته إلى معادلة معلنة. فدمشق من وجهة نظره هي جزء من الحل وجزء من المشكلة، ولعلّه كان يقصد القول انّ النظام السوري جزء من المشكلة ويمكن أن يكون جزءاً من الحلّ إذا استجاب للرسالة التي يحملها موراتينوس والتي تطالبه بسلوك "إيجابي" في لبنان.
التقاطع الأوروبي ومضامينه
بـ"لفظية" مختلفة، تقاطع الوزيران الأوروبيان، الفرنسي والاسباني حول التأثير "السلبي" للمحور السوري ـ الإيراني في لبنان.
غير انّ ما يتقاطع الأوروبيون حوله في لبنان، هو انّ ثمة استثماراً أوروبياً فيه. والاستثمار ليس فقط في مجال تطوير الحضور الأوروبي إقليمياً انطلاقاً من لبنان ومن خلال دعم استقلاله و"نموذجه"، انما يتمثل أيضاً وبشكل رئيسي في المساهمة الأوروبية الفعّالة في قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب بموجب القرار 1701. وهذا الموضوع على قدر كبير من الأهمية أوروبياً، تماماً لانه يعني انّ هذا الاستثمار سيكون عرضة للتبديد والتفجير إذا نجح المحور الإيراني ـ السوري في الإبقاء على لبنان "ساحة"، وستفقد أوروبا سياسياً هذا "النموذج" للحلّ في حال تقدّمت المفاوضات بشأن المسألة الفلسطينية.
رايس و"الخطوط المتوازية"
في هذه الأثناء، كانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تعلنُ بعد الكشف الأميركي عن مساعدات عسكرية بقيمة 30 مليار دولار إلى إسرائيل خلال السنوات العشر المقبلة، انّ ثمّة خطّة أميركية للتفاوض مع مصر وعدد من دول الخليج بشأن عملية تحديث عسكري في هذه البلدان. وحدّدت رايس أهداف عملية التحديث العسكري عربياً بتعزيز القدرة العربية على محاربة الإرهاب وبتعزيز دور الدول العربية المعنية في المنطقة وبـ"ضمان أمن لبنان واستقراره واستقلاله".
أن يقول أحد انّ ثمّة رابطاً آلياً "مفهوماً" بين الأهداف الثلاثة التي أعلنتها رايس، ففي ذلك قدرٌ عالٍ من الادعاء.
لكن "على ما يبدو"، فانّ ما قالته الوزيرة الأميركية يشيرُ إلى خطوط متوازية في التحرّك الأميركي.
فالحديث عن دور عربي في محاربة الإرهاب، أي عن تعاون أميركي ـ عربي في هذا المجال، ليس جديداً في "السياسة" الأميركية. وكذلك فانّ الحديث عن تعزيز دور الدول العربية "الرئيسية" في المنطقة ليس جديداً هو الآخر، وإن كان يرتبط ـ في إطار كلام رايس ـ بإيجاد توازن عسكري مع المحور الإيراني ـ السوري أي تحقيق تفوّق عسكري على هذا المحور. أمّا ضمان استقرار لبنان في كلام رايس، فيبدو هنا "نتيجة" للجانبين الآنفين.. أي انّ التعاون الأميركي ـ العربي ضدّ الإرهاب وتطوير التوازن العسكري يشكّلان معاً ضمانة لدعم لبنان.
..ودعوة بوش إلى مؤتمر للسلام
غير انّه لا يمكن الاكتفاء بهذا القدر من "التحليل". ذلك انّ ما كشفت رايس عنه في اليومين الماضيين، يأتي في سياق انطلاق الاهتمام المتجدّد للإدارة الأميركية بالمسألة الفلسطينية، وهذا ما أشّرت إليه دعوة الرئيس جورج بوش إلى مؤتمر للسلام الخريف المقبل، وسط معلومات ديبلوماسية تؤكد انّ واشنطن تريد للمؤتمر أن ينتهي بإعلان الدولة الفلسطينية.
الفيصل وكيان الدولة اللبنانية
بهذا المعنى، هناك ما هو مهمّ ملاحظتُه، ويتعلّق بما يمكن تسميتُه "التناغم" بين الموقف العربي ومحصّلة الموقف الدولي.
وفي اليومين الأخيرين، أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل انّ لبنان يمرّ بفترة خطيرة جداً تهدّد كيان دولته.
يتّسم موقف الفيصل بـ"نبرة" مختلفة عن السابق. ففي تقدير المملكة إذاً انّ الصراع في لبنان ليس من "النوع" الذي يمكن اعتباره صراعاً محدوداً بخلافات حول بعض العناوين السياسية، طالما انّه يهدّد كيان الدولة.
ولم يختلف وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عن نظيره السعودي في التقدير فتحدّث عن استحقاقات لبنانية شديدة الحساسيّة بالنسبة إلى مستقبل لبنان. وكذلك قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى كلاماً مشابهاً مستهولاً وضع لبنان في "مهبّ الريح".
غير انّ ما لا بدّ من لفت النظر إليه، هو انّ هذه المواقف العربية بشأن لبنان، انما تأتي في سياق "أوسع".
الإنشقاق السوري
مواقفُ الفيصل وأبو الغيط وموسى اُعلنت بعد اجتماعهم مع كوشنير. وقيلت "على هامش" اجتماع مجلس الوزراء الخارجية العرب الذي ركّز بحثه على القضية الفلسطينية. وفي هذا الاجتماع الذي تابع نتائج اتصالات اللجنة الوزارية العربية، صدر موقف يرحّب بإيجابيات دعوة بوش إلى مؤتمر للسلام.
ليس في هذا الموقف ما يدعو إلى المفاجأة. فالقمة العربية الأخيرة في الرياض جدّدت تبنّي مبادرة السلام العربية وقرّرت تفعيلها. واللجنة الوزارية العربية تحرّكت بناء على قرار القمة. وحتى قبل القمة، كانت الجامعة العربية دعت إلى إعادة النظر في مسار العملية السلمية وذهبت الى المطالبة بـ"رفع" الأمر إلى مجلس الأمن. وبهذا المعنى، فانّ دعوة بوش، حتى لو كان الدافع المباشر إليها "شعور" الولايات المتحدة بأنها لا تستطيع أن تكمل في الشرق الأوسط بدون النظر إلى "المسألة المركزية"، وحتى لو كان مطلوباً دائماً عدم رفع سقف التوقعات، انّما تشكّل ـ أي الدعوة ـ خطوة في إطار "التفاعل" مع الموقف العربي.
في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب أول من أمس، أعلن النظام السوري انشقاقه عن النظام العربي، عن الاستراتيجية العربية، متخذاً من مشروع بوش ذريعة. لكن الملاحظ انّ الموقف العربي لم يتراجع في ضوء الموقف السوري.
النظام العربي يضيق ذرعاً
انّ ما تقدّم ذكرُه يعني أمرين رئيسيين:
الأول هو انّ النظام العربي يضيق ذرعاً بالنظام السوري وسياساته في لبنان وفلسطين، بعد ان أُعطي هذا النظام فرصاً عدّة لتغيير سلوكه. ويعني انّ النظام العربي يربط بين القضيّتين اللبنانية والفلسطينية ويعتبرهما أساسيتين لسلامته وأمنه.
والثاني هو انّ النظام العربي إذ قرّر أن "يحفر" المسالك كافة أمام استراتيجيته، لم يعد يطيقُ الخروج السوري عليه، والإيغال الإيراني في تحدّيه.
"الوقت الضائع".. إلى الانتهاء
ما المطلوب استنتاجه من كلّ هذا الاستعراض للمعطيات دولياً وعربياً؟.
لا يمكن أن يكون خافياً على أحد انّ فترة الأسابيع والشهور الماضية، كانت بمثابة "وقت ضائع" إقليمياً ودولياً.
ولا يمكنُ أن يكون خافياً أيضاً انّ هذا "الوقت الضائع" كان أميركياً بنسبة كبيرة وبالدرجة الأولى. وذلك بالتزامن مع أمرين: أولهما إعادة ترتيب الإدارة الأميركية لـ"أوراقها" ولتلازم الأولويات في المنطقة، والثاني هو "متابعة" واشنطن للمفاوضات مع إيران حول العراق من جهة وللاتصالات الأوروبية والدولية الأخرى مع طهران حول الملف النووي الإيراني من جهة أخرى.
خلال هذا "الوقت الضائع"، حصلت تحرّكات ومبادرات أوروبية وعربية لا سيما في ما يتعلّق بالأزمة اللبنانية. وإذا كان منطقياً وصف هذه التحرّكات والمبادرات بأنها "محاولات صادقة" للحلحلة و"تبصير" النظامين في دمشق وطهران بـ"مصلحتهما" بالتعاون، فالمنطقي أيضاً اعتبار انّ سوريا وإيران مارستا سياسة "كسب الوقت". إذاً "وقت ضائع" من هنا و"كسب للوقت" من هناك.
غير انّ المعطيات والوقائع التي تمّ استعراضها آنفاً تقود إلى سؤال ملّح: هل انتهى "الوقت الضائع"؟.
الجواب عن هذا السؤال يُعطيه كثير من المتابعين: يبدو ذلك، والأسابيع المقبلة قد تشهدُ أحداثاً "كبيرة". وعلى أي حال، عندما تكون الآفاق السياسية مغلقة بالكامل، تحتّل التطورات "الكبيرة" مقدّم الاحتمالات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.