8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مع انتهاء زيارة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى لبنان وبانقضاء شهر تموز، من الواضح أن الأزمة اللبنانية تراوح مكانها إن لم تكن في طريقها إلى التصاعد في الشهور المقبلة.
مقاربة كوشنير حول الداخل والخارج
لا ينطلق هذا التقدير فقط من "الشعار" الذي جعله كوشنير عنواناً للفصل الثاني من تحرّكه في بيروت، والذي يقول إن فشل الحوار يعني عودة الحرب، إنما من تأثير العوامل الخارجية على الوضع في لبنان، بالدرجة الأولى.
في تصريحاته السياسية خلال إقامته في بيروت، قارب الوزير الفرنسي مسألة العلاقة بين الداخل اللبناني والخارج. فهو إذا قال إن "التأثيرات الخارجية معروفة ولسنا بجاهلين لها"، خلص "مع ذلك" إلى استنتاج "ضرورة الحل اللبناني ـ اللبناني" الذي يرضى به اللبنانيون والجيران.
غنيّ عن القول ان هذا الاستنتاج لا ينطبق على "الحالة اللبنانية". فمع أنّ كوشنير بدا راغباً في تظهير أهمية الهامش اللبناني الداخلي، إلا أن العوامل الخارجية في الأزمة اللبنانية ليست خارجية "صرفة" إنما هي عوامل داخلية أيضاً. والإشارة هنا هي إلى العاملَين السوري والإيراني بالتحديد. والصراع الدائر في البلد هو بين مشروع "تحرّر" من هذين العاملَين الخارجيّين ـ الداخليّين من جهة ومشروع ربط للبنان بهما من جهة أخرى. وبين مشروع "التحرّر" من العاملَين المذكورَين ومشروع "الارتباط" بهما، تتأكد استحالة الحل اللبناني ـ اللبناني حتى الآن وإلى أمد منظور. وإلى ذلك تضاف "حقيقة" أن المحور السوري ـ الإيراني خارجياً وحلفاءه داخلياً يتعاملون مع فريق 14 آذار بوصفه فريقاً أميركياً غربياً، ويستخدمون "الساحة" اللبنانية لـ"تحسين" شروط العلاقة بالولايات المتحدة والمجتمع الدولي تسويةً أو مواجهةً.
الممرّ إلى الحلّ اللبناني توازن خارجي مختلف
وبدون حاجة إلى استطرادات كثيرة، لا مفرّ من الاعتراف بأن تطوير فرص الحل اللبناني ـ اللبناني، إنما يمرّ بقيام "توازن" مختلف بين المجتمعَين الدولي والعربي الداعمين لاستقلال لبنان من جهة والمحور الإيراني ـ السوري من جهة أخرى. أما "التوازن المختلف" فممرّه إما تسوية وإمّا ضغوط وإمّا ضغوط تليها تسوية، وكل هذه الأمور ليست في يد اللبنانيين.
ولعلّه، بدلاً من التساؤل عن "سرّ" عدم تمكّن اللبنانيين من إنتاج حل لبناني داخلي، يفيد أكثر التساؤل عن قدرة المحور الإيراني ـ السوري حتى الآن على تحدّي إرادة المجتمع الدولي والنظام العربي. وكل ذلك مع التذكير بـ"تجربة" مؤتمر الحوار الوطني بين آذار وتموز من العام 2006، والتي تفيد أن الحوار اللبناني توصّل إلى "حلول" في عدد من القضايا جرى تعطيلها تنفيذياً من جانب النظام السوري وحلفائه، ولم يتوصل إلى "حلول" في قضايا أخرى لارتباطها باستراتيجيات محور طهران ـ دمشق.
إذاً، من الواضح أن ثمة فريقاً من اللبنانيين، هو فريق 14 آذار، يرغب في "عزل" التأثيرات الخارجية، في مقابل أنّ ثمّة فريقاً آخر هو فريق 8 آذار لا يرغب في ذلك ولا يستطيعه.
ولعلّه لا مبالغة في القول انّ الوزير الفرنسي الذي حاول الحثّ على تطوير "الهامش اللبناني، أنهى زيارته "معترفاً" بأنّ الخطر على لبنان مصدره دمشق وطهران. ولذلك أعلن من القاهرة التي انتقل اليها بعد بيروت انه "لا بد من تكثيف الجهود لمنع سوريا وايران من إشغال حرب في لبنان".
التفويض الإيراني لدمشق يلغي حديث "التمايز"
على أي حال، وفي ما يتجاوز هذا النقاش للعلاقة بين الداخل والخارج، من المفيد جداً لفت الانتباه إلى انّ المبادرة العربية والمبادرة الفرنسية "تواجهان" الآن تطوّراً بارزاً على صعيد العلاقة الإيرانية ـ السورية بشأن لبنان.
فبعد فترةٍ غير قصيرة من الحديث عن "تباين" أو "تمايز" بين إيران والنظام السوري بالنسبة إلى الوضع في لبنان، وهو كان حديثاً في الكواليس الديبلوماسية لم يظهر منه أي شيء "ملموس" في العلن، استقرّت العلاقة بين طهران ودمشق على تفويض إيراني لنظام الأسد بـ"الملفّ اللبناني".
قيل الكثير في الشهور والأسابيع الماضية عن رفض إيراني لـ"التفجير" في لبنان ولـ"الازدواج" الحكومي. وفي الآونة الأخيرة، ذُكر انّ إيران فوّضت النظام السوري بلبنان بـ"شرط" الانضباط بعدم الوصول بلبنان إلى الفتنة الشيعية ـ السنّية. والسؤالان المطروحان في هذا الإطار هما: كيف تكون إيران ضدّ التفجير في لبنان وتفوّض النظام السوري؟. وكيف تفوّضه "تحت سقف" الفتنة؟.
ماذا يعني التفويض تحت سقف الفتنة؟
ينطلق السؤالان السابقان من واقع انّ الجميع يعرف انّ لدى نظام الأسد مشروعاً تفجيرياً ليس في علم الغيب إنّما قيد التنفيذ، ومن واقع انّ الجميع يعرف انّ النظام السوري سعى أكثر من مرّة إلى تحريك خطّ الفتنة المذهبية، وهو بالفعل حرّك ـ بالتوازي ـ الفتنة السنّية ـ السنّية والمسيحية ـ المسيحية. فهل يظنّ أحد انّ "الشرط" الإيراني في إطار التفويض سيكون شرطاً مانعاً للتفجير والحالة هذه؟. وهل يظنّ أحد انّ في وسعه "إطعام اللبنانيين جوزاً فارغاً"؟. وهل استذكار انّ ثمة التزاماً إيرانياً تجاه المملكة العربية السعودية بالنسبة إلى لجم الفتنة المذهبية، يكفي ليكون اللبنانيون مطمئنين؟.
من هنا، فإنّ التفويض الإيراني لنظام الأسد، هو الآن في مقدّم العوامل الخارجية ـ الداخلية المعوّقة للحل اللبناني، وفي مقدّم العوامل التي تصطدم بها المساعي والمبادرات عربياً وفرنسياً.
وممّا لا شك فيه انّ التظهير الأهم لمراوحة الأزمة اللبنانية بل اتجاهها إلى التصعيد بتأثير من "التفويض" الآنف الذكر، ما توافرَ من معطيات ووقائع في اليومين الماضيين.
نصرالله وبري: المترادفات التعطيلية
في "رسالته" إلى الداخل اللبناني، والتي ضمّنها خطابه في بنت جبيل أول من أمس، غيّب الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله موضوع الاستحقاق الرئاسي تغييباً كاملاً، ليشدّد في المقابل على تشكيل ما سمّاه هذه المرّة "حكومة الشراكة والإنقاذ".
في هذا الوقت، أي أول من أمس أيضاً، كان الرئيس نبيه بري يقترح "عبر" المبادرة الفرنسية قيام "حكومة انتقالية" تعدّ للاستحقاق الرئاسي، على أن تقوم "حكومة وحدة وطنية" بعد هذا الاستحقاق، وأُردف الاقتراح بكلام "عمومي" عن "استعداد" بري لتمكين الاستحقاق من الحصول.
ولدى التدقيق في اقتراح بري تبيّن ـ ويتبيّن ـ انّ المعارضة تشترط الحصول على أكثر من "الثلث المعطّل" في "الحكومة الانتقالية" (صيغة 17 زائد 13)، ولا تقدّم أي ضمانة بالنسبة إلى الاستحقاق الرئاسي فتكون "الحكومة الانتقالية" والحالة هذه بديلاً من الرئاسة. وبين بري ونصرالله، صارت كل المصطلحات ترادف بعضها: "حكومة الوحدة الوطنية" هي "حكومة الشراكة والإنقاذ" وهي "الحكومة الانتقالية".. ودائماً "الثلث المعطّل".
وعلى كلّ حال، فهذا ما انتهت اليه الأبحاث مع كوشنير: فـ"المعارضة" التي ترفض إعطاء الضمانات الجديّة بحصول الاستحقاق الرئاسي في موعده، تريد أخذ ضمانتي التعطيل، أي "حكومة التعطيل" من ناحية و"نصاب التعطيل" لإنتخاب الرئيس من ناحية ثانية. الثلث هنا والثلثان هناك!.
نصرالله: فريق 14 آذار عميل رغماً عنه!
غير أنّ نصرالله فاق بري تصعيداً. فمع انهما يلتقيان على "حكومة التعطيل" مهما كانت مسمّياتها، فإنّ الأمين العام لـ"حزب الله" لم يرَ حرجاً في تطلّب "الشراكة والإنقاذ" مع فريق متّهم من قبله بـ"العمالة" لإسرائيل. فمن وجهة نظره، كان الهدف السياسي المركزي للعدوان الإسرائيلي في تموز 2006، تمكين فريق 14 آذار من "الاستفراد" بالسلطة ومساعدة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة للسيطرة على البلد. وفي مكان آخر من خطابه "يستعين" بما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت في أحد أيام حرب تموز من انّ إسرائيل تريد للحكومة في لبنان أن تبسط سلطتها في كلّ لبنان.. فيستنتج انّ كلام أولمرت "حتى لو قيل بدون تنسيق" يدين الحكومة وفريق 14 آذار. إذاً، هذا الفريق "عميل" إمّا بإرادته أو رغماً عنه!.
..ونفيُه "المثالثة"
على انّ ممّا قاله السيد نصرالله في "خطاب بنت جبيل"، يجب الأخذ باقتراحه نشر "المحاضر الصوتية" لمجلس الوزراء في مرحلة حرب تموز 2006.
الأمر من وجهة نظر فريق الأكثرية، لا يتعلّق فقط بضرورة أن يتعرّف اللبنانيون على مواقف الجميع في مجلس الوزراء في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان، ممّا يستدعي المطالبة بنشر محاضر مؤتمر الحوار الوطني أيضاً.
ففي "خطاب بنت جبيل"، نفى نصرالله أن يكون "حزب الله" أو "أمل" أو إيران اقترحوا إعادة النظر باتفاق الطائف باتجاه "المثالثة" بدلاً من "المناصفة". وقال إنّ "حقيقة الأمر أنّ وفداً أوروبياً سأل الإيرانيين ما إذا كان اتفاق الطائف لا يزال صالحاً برأيهم، فأجابوه أنّ هذا الموضوع يُسأل عنه اللبنانيون". و"راح" نصرالله يؤكد أنّ الحزب ملتزم بالطائف وأنّ العودة إلى "الأرشيف" قبل الطائف لا تعني شيئاً لأن الكلّ "قال" في حينه آراء كثيرة و"المهمّ ما نقوله الآن".
من طرحها بشكل مباشر أو غير مباشر؟
يعتبر فريق 14 آذار أنّ نفي "المثالثة"، وقد نفاها الرئيس بري قبله بأيام قليلة، قد يكون ناجماً عن الإحراج الذي سبّبه الكشف عن هذا "المقترح". لكن مع ذلك، ومع "تفهّم" النفي، فإنّ ثمة بضع أسئلة لا بدّ من طرحها على نصرالله:
الأول هو: من الذي قال في إحدى جلسات مجلس الوزراء إبّان حرب تموز ما معناه انّ اتفاق الطائف كان لزمن آخر، وإنّه لم يعد ملائماً في ظلّ المعطيات المتغيّرة؟. هل هو الوزير محمد فنيش أو غيره؟ وهل هذا الكلام من "الأرشيف" قبل الطائف؟.
والثاني هو: من الذي اقترح "المثالثة" على طاولة الحوار الوطني في العام 2006؟. هل هو حليفه الجنرال ميشال عون أو غيره؟. وما علاقة "حزب الله" بهذا الطرح في حينه؟. وهل ذلك من "الأرشيف" قبل الطائف؟.
والثالث هو: يؤكد السيد نصرالله أنّه ملتزم بما ورد في "وثيقة التفاهم" بين الحزب و"التيار الوطني الحرّ"، فهل ثمة تفاهمات "جانبية" بين الطرفين خاصة أنّ اتفاق الطائف مغيّب عن تلك "الوثيقة"؟.
الأسئلة كثيرة إذاً. غير انّ ما لا مفرّ من العودة إلى تأكيده هو انّ الجانب الداخلي من الأزمة اللبنانية يتكامل مع الجانب الإقليمي، لا بل هو جزء من عملية ملاقاة بعض الداخل لـ"استراتيجية" المحور الإقليمي، وهذا هو السبب الرئيسي لتعطّل الحلّ اللبناني ـ اللبناني، طالما انّ ثمّة استقواء بالخارج، وأنّ هذا الخارج لا يزال قادراً على التخريب. ولذلك، فإنّ المجتمعَين الدولي والعربي معنيّان بالبحث عن كيفيّة "تحييد" هذا الخارج المخرِّب من أجل ترجيح فرصة الحلّ في لبنان.. وهذا ما يبدو أنّ أوانه يجب أن يحين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00