ما "يجب" قوله في هذه الأيام، هو انّ لمشروع "المعارضة" الهادف الى تعطيل الاستحقاق الرئاسي اصلاً عميقاً في مرحلة الوصاية السورية على لبنان. ما هو هذا الأصل؟.
التدمير المنهجيّ للصيغة من جانب الوصاية السورية
ليس سرّاً، أو بالأحرى لم يُعد سّراً ان النظام السوريّ عندما أوكلت اليه "رعاية" الوضع في لبنان مطلع تسعينيات القرن الماضي "تسلّم" اتفاق الطائف لينفّذه لكنّه قامَ بتفريغه من مضمونه، ليس فقط من أجل ان يكون مرتاحاً في إدارة "الملف اللبناني"، وليس فقط من أجل تسهيل الإمساك بموازين القوى اللبنانية على نفسه، لكن اساساً من أجل نسف الصيغة اللبنانية تسهيلاً لعمليّة استتباع لبنان وإلحاقه.
في هذا السياق، تصبح "تفاصيل" المرحلة السابقة غير ذات معنى جوهريّ. اما "الأسس" في الصيغة والتي أستُهدفت بتدمير منهجي من جانب نظام الوصاية، فهي ثلاثة وفقاً للتسلسل الآتي:
الأساس الأول هو مجلس الوزراء. فبموجب اتفاق الطائف، تتجسّد الشراكة الوطنية المتساوية في مجلس الوزراء الذي هو سلطة القرار. لكنّ الوصاية السورية التي جاءت لـ"تترجمَ" انتقال "المركز اللبناني" الى خارج لبنان، الى عنجر ودمشق، سعت الى تدمير أي إمكانية لقيامة مركز القرار اللبناني في أي يوم من الأيام. وفي هذا الاطار "اخترعت" بدعة "الثلث المعطل"، بحيث تكون لها بالنسبة الى أمر معيّن نسبة ثلثي القرار، وبالنسبة الى أمر آخر نسبة ثلث القرار.
تدمير رئاسة الجمهورية بـ"سورنتها"
والاساسُ الثاني هو رئاسة الجمهورية. فبموجب اتفاق الطائف تتحقق المشاركة المتساوية للموارنة داخل مجلس الوزراء. اما رئيس الجمهورية الماروني فيؤدّي دور الحكَم ولهذا الدور صلاحيّات كثيرة وكبيرة. وإذ كان "الشائعُ" هو ان الطائف "أخذ" من رئيس الجمهورية الماروني لـ"يعطي" مجلس الوزراء، فالدقيق هو ان الطائف أعطى الموارنة ضمانة المناصفة مع المسلمين، وأعطى الموارنة شراكة متساوية كما كلّ الطوائف، وأعطى الموارنة دور الحكَم معترفاً بأن لبنان بلد العيش المشترك لكن "بـ"نهكة" مسيحية.
عملت الوصاية السورية كلّ ما في وسعها من اجل "سورنة" موقع الرئاسة، و"سورنة" الرئاسة هي عملياً إلغاء للرئاسة موقعاً ودوراً. و"السورنة" الكاملة للرئاسة تحققت بالتزامن مع إقامة "النظام الأمني" الذي ألغى الحياة الدستورية الفعلية، وتُرجمت "السورنة" الكاملة أي الإلغاء بمجيء إميل لحود الى الرئاسة في العام 1998. فصار رئيس الجمهورية جزءاً رئيسياً من عملية تعطيل الدستور والسلطة الاجرائية، وانتهى دور الحكم الذي يؤدّيه الرئيس الماروني.
.. وتعطيل الجيش ودوره
أمّا الأساس الثالث، ولعله الأهمّ، فهو الجيش. فبموجب اتفاق الطائف "نصاً وروحاً" يمثّل الجيش سيادة الدولة وتعود اليه حصريّة السلاح على الأرض اللبنانية.
قيل الكثير في حقبة الوصاية عن "المساعدة الأخوية السورية" للجيش اللبناني. غير ان واقع الحال يفيد ان نظام الوصاية إستند الى القوات المسلحة والأجهزة الامنية السورية على الارض اللبنانية، ومنع بناء الجيش الشرعيّ وتطوّره كي يبقى بمثابة "شرطة حراسة" للاجهزة السورية، وكي يبقى النظام السوري قادراً على القول ان لبنان لم يبلغ بعد مرحلة "الرشد الأمني" والقدرة على ان يتخذ قراراً ببسط سلطة "قواه الذاتية". وفي المقابل كان الجيش الذي ساعدَ النظامُ السوري ايران في بنائه، هو "حزب الله" باسم "المقاومة".
إذاً، انّ ما دمّرته الوصاية السورية على نحو منهجي هو الصيغة اللبنانية. هو صيغة العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية. هو الانتظام اللبناني العام ميثاقاً ودستوراً. وذلك بالضبط لأن تلك الوصاية من طبيعة "اجتياحيّة"، ولم يكن خافياً طموحها ليس فقط الى "البقاء "أبديّاً" في لبنان بل تطلّعها الى إلحاق لبنان ما يقتضي إلغاء الصيغة.
حلفاء النظام السوريّ يستكملون تدمير الصيغة
ورث لبنان 14 آذار بعدَ الانسحاب السوريّ عام 2005 دماراً على مستوى الأسس الثلاثة للصيغة. وكان على لبنان 14 آذار ان يعيد بناء الركائز الثلاث للصيغة.
لكن ما ان كادَ مجلس الوزراء يستعيد دوره المناط به ميثاقياً ودستورياً حتى "انهالت" بدعُ حلفاء النظام السوري حول "حكومة الوحدة الوطنية" و"الثلث المعطّل" وما الى ذلك من اشتقاقات. إذاً عودةٌ الى "نموذج" الوصاية. إذاً استمرارٌ في ضرب الصيغة.
تعطيل الرئاسة إنهاؤها
وما ان اقترب موعد الإستحقاق الرئاسيّ حتى غدا هذا الإستحقاق عبارة عن "وجهة نظر" من جانب حلفاء النظام السوري، اي انه "يمكن" ان يحصل و"يمكن" ألا يحصل. "يمكن" لـ"حكومة الوحدة الوطنية" ان تكون بديلاً من الرئاسة. يمكن لـ"حكومة التعطيل" أن تكون بديلاً من رئيس الجمهورية. اذاً "إستلهام" متجدّد لـ"نموذج" الوصاية. اذاً إمعان في ضرب الصيغة.
معركة الجيش تقلب المعادلة
وما ان تحرّك الجيش في مواجهة الارهاب وبؤره وشبكاته حتّى تبدّى أمران. الأول بمفعول رجعيّ، هو انّ الجيش الذي خلف الأمن السوريّ المستعار، متروك بلا تسلّح وبلا لوجيستيّة كي يبقى مشلولاً وكَي لا يستطيع الاضطلاع بمهامه المتعدّدة. أمّا الثاني فقد تجلّى بما سمّي "الخطوط الحمر" في وجه الجيش، والمقصود منها ترهيب المؤسسة العسكرية ومنعها من أن تتحوّل الى قوّة قادرة على حماية الدولة، ومنع حصول أيّ اختلال في موازين العلاقة بينَ الجيش الرسمي والجيش الفعليّ لحزب الله.
مما لا شكّ فيه انّ ما جرى في مخيّم نهر البارد حتّى الآن والانجار المتوقّع في الأيّام المقبلة، قلَبا المعادلة المرسومة للجيش مِن جانب النظام السوريّ وحلفائه وأتباعه. فالجيش قيادةً وضبّاطاً وجنوداً إمتلك الارادة، وتظلّل بقرار سياسيّ.. فصار جيشاً مقاتلاً بشجاعة ومهارة، وصارَ يُحسب له حساب، وصار جيشاً للدولة.
العماد سليمان: لماذا يكون الجيش حيادياً؟
على أن ما ينبغي الإنتباه اليه في هذا الوقت بالذات هو انّ الجيش بقتاله ضد الارهاب، انّما يستعيد دوراً سُلب منه سنوات بل عقوداً طويلة، وانّه باستعادته لهذا الدور انّما يعيد ترميم أحد الأسس الرئيسيّة الثلاثة للصيغة. ولا يمكنُ للجيش ان يكونَ غافلاً عن المعنى العميق للمعركة التي يخوض في وجه الحرب السوريّة على الصيغة اللبنانيّة.
مِن حقّ قائد الجيش العماد ميشال سليمان الاعتزاز ببطولات الجيش.. وبإنتصاره. ومن حقّه أن يناشد الفرقاء السياسيين كي يتوافقوا تأسيساً على إنجاز، وحدويّ بامتياز. ومِن حقّه أن "يخافَ" على الإنجاز من التبديد.
بيدَ انّ إعلانَه عزمَه على تقديم إستقالة في 24 تشرين الثاني المقبل الى "الحكومَتين" في حال تشكّلت حكومة "ثانية" وفي حال حصول فراغ في رئاسة الجمهوريّة، كانَ موضعَ نقاش في الأيام الماضية. وفي حصيلة هذا النقاش انّه اذا كانَ العماد سليمان في إعلانه هذا في صدد حثّ الفرقاء السياسيين على الحوار والتوافق، فإنّ ذلك طبيعيّ ومفهوم. غيرَ انّ الجيش من وجهة نظر المتناقشين لا يمكن أن يكونَ حيادياً لأن المسألة أبعد من "حكومَتين" علماً أنهما ليستا متعادلَتين في الشرعيّة، ولأن لا حيادَ بينَ الصيغة وبين ضدّها. فالجيش لم يخض معركته بحياديّة ولم يكسبها بحياديّة. وبهذا المعنى، فإن إنجازه لا بدّ أن يكون ضاغطاً لمصلحة الصيغة. والموقفُ هنا، من وجهة نظر المتناقشين، لا يتعلقّق بـ"تفاصيل سياسيّة" قد تكون قابلة للأخذ والردّ، بل بقضيّة مبدئيّة.
تأسيساً على ما تقدّم، "يجب" أن يكون واضحاً انّ الصراع القائم في لبنان اليوم ليسَ صراعاً من أجل "المشاركة" ضدّ "الإستئثار" من جانب "المعارضة" كما تدّعي، وليس حولَ حكومة أو رئيس.. انّه صراعٌ بين فريق لبنانيّ يريد ترميم الصيغة وإعادة بنائها بمرجعيّة اتفاق الطائف وبين فريق آخر، عدا عن كونه يُمعن ربطاً للبنان بمرحلة الوصاية، فإنّه يريد نسف الصيغة أي نسف الطائف.
تزوير مصادر الخطر على المسيحيين
وبالمناسبة، لقد آن الأوان لمواجهة "مسيحيّي سوريّا" بعواقب مواقفهم.
يزعمون أنّهم يدافعون عن حقوق المسيحيين ضدّ تهميشهم.
وواقع الأمر انّ ثمّة تزويراً لأصل الموضوع.
الخلل في الصيغة من نتاج الوصاية السوريّة ومن نتاج "سورنة" الرئاسة والرئيس. وهم يدافعون عن إميل لحّود.
والخلل في الصيغة ناجمٌ الآن عن موقف الحلفاء "غير المسيحيّين" لا سيّما "حزب الله"، الذي يجعل الرئاسة مجرّد "إحتمال".
والخطر على الصيغة، ناجمٌ من الانقلاب المتمادي على اتفاق الطائف. الحلفاء "غير المسيحيّين" "يحكّون" على وتَر صلاحيّات الرئيس المارونيّ التي "يجب إستعادتها" و"مسيحيّو سوريّا" يغطّون بدعة الثلث المعطّل والأثلاث المعطّلة. الحلفاء يتطلّعون الى وضع لا يبقى فيه مكانٌ لرئاسة حقيقيّة ولا لرئيس مارونيّ.
والحال انّ الخطرَ على المسيحيين، والخطر من تهميشهم يكمنان في أيّ اعادة نظر بإتفاق الطائف. واتفاق الطائف هو آخر ضمانة للمسيحيين اي للكيان. هو آخر ضمانة لأنه لا يبتزّ المسيحيين بالعدديّة، بينما ايّ شكل آخر سيؤدي الى تغليب العددية.. أو التقسيم.
والخطر على الصيغة متأتٍ من الحلفاء "غير المسيحيين". فهؤلاء من رسموا خطوطاً حمراً امام الجيش. وهؤلاء من يرفضون الدخول الى الجيش. وهؤلاء من قد لا يقبلون حتى بإعادة النظر في التركيبة القياديّة للجيش.
لماذا تبرئة النظام السوريّ؟
لا بد ان يُقال ان ثمة تزويراً إذاً. فالمسيحيون في خطر عندما تكون الصيغة في خطر، عندما يكون الطائف في خطر.. عندما تكون عمليّة إعادة بناء "المركز اللبناني" لمرحلة الاستقلال الثاني، في خطَر. ومسؤوليّة تجنيب الكيان والصيغة الخطر تقعُ اليوم على المسيحيين بالدرجة الأولى. ومسؤولية المسيحيين ان يثبتوا ان "طبقة مسيحييّ سوريا" لا يأتون بدور للمسيحيين ضمن الشراكة الوطنية بل يأخذونهم الى "التهلكة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.