8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" صار في مرحلة "ما بعد الطائف"

"البرنامج السياسي للحكومة لا يشكّل ضمانة لها". "القدرة على منع انفراد الفريق الأميركي هي الضمانة".
بهذه العبارات قارب القيادي "الحديدي" في "حزب الله" نوّاف الموسوي قبل يومين مفهوم "المشاركة" وموضوع "حكومة الوحدة الوطنية".
"المشاركة" تعني بالنسبة إلى "حزب الله" حقّ النقض أو "الفيتو" ولا شيء غير ذلك، أي القدرة على تعطيل القرار في مؤسسة القرار. وإذا كان ذلك معروفاً قبل الآن، فـ"المدهش" في الأمر تمادي الحزب وقيادييه في كشف النوايا.
يريد حكومة المعروف منها التعطيل فقط
يريدُ الحزب إذاً "حكومة وحدة وطنية" لا شيء معروفاً عنها وفيها، لا رؤيتها السياسية ولا توجهها ولا المطلوب تعطيله. حكومةٌ الشيء الوحيد المعروف عنها انّ فيها قدرة للحزب وحلفائه على التعطيل. هكذا من دون أن "ينتبه" أحد في الحزب إلى انه يطرح استبدال حكومة قائمة ممّا يوجب معرفة الأساس السياسي. وهكذا يصبح التعطيل شرعياً ومشروعاً بمجرّد أن يقول "حزب الله" عن جهة ما انها أميركية أو عن شيء ما انه أميركي (!).
و"الأطرف" في الموضوع، هو انّ "حزب الله" يريدُ لـ"حكومة الوحدة الوطنية" أن تُعيد النظر لدى تشكيلها في "كلّ" القرارات الصادرة عن الحكومة القائمة بعد استقالة وزرائه ووزراء "أمل" منها، وربّما تلك التي صدرت قبل هذه الاستقالة، لا سيّما "النقاط السبع" على سبيل المثال التي نفى في وقت سابق أن تكون أقرّت في مجلس الوزراء. إذاً، يعرف ما يريد أن يعيد النظر فيه، بما في ذلك المحكمة الدولية، لكنه لا يريد للآخرين أن يعرفوا مسبقاً. فـ"الفريق الأميركي" يجب مباغتته بـ"عملية مفاجئة" (!).
رفض التزامن بين الحكومة والرئاسة = رفض الرئاسة
أمّا لماذا يصرّ "حزب الله" على الفصل بين "حكومة الوحدة الوطنية" ورئاسة الجمهورية ويرفض "التزامن" بين الاتفاق على تشكيلها والاتفاق على الرئيس الجديد وعلى انتخابه، فذلك ما لم يعُد مستعصياً على الفهم.
من الواضح انّ الحزب، وقد قال نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم قبل مدّة انّ "حكومة الوحدة الوطنية" ستبقى أولوية ولو قبل يوم واحد من موعد الاستحقاق الرئاسي، انّما يتطلّع إلى التفاوض على الرئيس المقبل بشروط "أفضل"، وبميزان قوى مختلف. "يأخذ" الحكومة ويضع الشروط على الرئاسة، فإن استجيبت شروطه "كان به" وإن لم تُستجب فالحكومة هي البديل من الرئاسة، بما انّ فيها ثلثاً معطّلاً ويزيد. ولذلك، لا في "سان كلو" ولا في اللقاء مع الموفد الفرنسي جان كلود كوسران، قَبِلَ "حزب الله" بـ"التزامن"، ولا هو وافق على إعطاء ضمانات بحصول الاستحقاق الرئاسي.
"الضخّ" المتمادي ضدّ "ثقافة الطائف"
من نافل القول، تأسيساً على هذه المقدّمات، انّ "حزب الله" لا يحاور، وانّ مفهومه للحوار لا يقوم على "الأخذ والعطاء"، وانّه يُملي شروطه ولا يبحث عن تسوية.
على انّ قراءة "متمعّنة" في مواقف الحزب وأدائه منذ تفجّر "الأزمة" في الخريف الماضي، تسمحُ بتفسير السلوك التفاوضي للحزب.
ففي هذه القراءة، يتبيّن بوضوح انّ "حزب الله" قام على امتداد الفترة السابقة بـ"ضخّ" كميّة هائلة من المفاهيم والمصطلحات التي لا تنتمي إلى ثقافة اتفاق الطائف، بل على العكس تهدف إلى التأسيس لـ"ثقافة" تشوّه الطائف وتنسفه.
أكثر من مرّة قام بتنسيب "حكومة الوحدة" إلى نصّ في الطائف. وأكثر من مرّة قام بشرح الطائف على انّه عبارة عن "فيتوات" متبادلة. واخترع نظريّة الثلث "الضامن" تارة و"المعطّل" تارة أخرى، ناسفاً مفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية.
ومن دون حاجة إلى تعداد مزيد من المواقف المدعومة بالممارسات، لا بدّ من القول انّ "حزب الله" بات خارج مظلّة اتفاق الطائف، أي انّه انتقل عملياً إلى نسفه والتأسيس لوقائع مغايرة.
"الجنرال المتعاون" ضدّ الطائف
وهنا، أي في سياق الحديث عن تحضير "حزب الله" الأرض لـ"صيغة" مختلفة عن اتفاق الطائف، لا مفرّ من "المرور" على مواقف حليفه الجنرال ميشال عون.
ثمّة الكثير ممّا يمكن قوله عن الجنرال في هذا المجال، عن عودته من باريس متحالفاً مع النظام السوري وسلسلة المواقف المتفرّعة عن هذا التحالف منذ ذلك الوقت. بيد انّ الأهم في موضوع البحث الحالي، هو انّ عون شكّل الغطاء المسيحي للانقلاب المتوالي فصولاً على السلطة.. وعلى الطائف.
للجنرال أن يتغنّى بـ"ورقة التفاهم" بينه وبين "حزب الله". وله أن يحاول "بيع" هذه "الورقة" إلى الجمهور المسيحي تحت عنوان انّها تشكّل حماية للمسيحيين.
عون: الطائف مقابل رئاسة الجمهورية
غير أن حقيقة الأمر غير ذلك.
ان الأساس الموضوعي لتحالف عون ـ "حزب الله" هو الموقف المشترك ضدّ اتفاق الطائف. و"المؤسف" أن الجنرال يبيع اتفاق الطائف لحزب الله في مقابل "وعد" بدعمه الى رئاسة الجمهورية. والقول هنا ان عون باع الطائف للحزب يستند الى التنافس الذي جرى بين الطرفين على نسف ثقافة الطائف، وإلى تبنّي الجنرال لنظرية "الثلث المعطّل". ومن لا يذكُر أن مسؤولين في "التيار العوني" ونواباً في "تكتّل التغيير والإصلاح" بدأوا بالحديث عن انتفاء الأساس الموضوعي للطائف الذي كان في نظرهم اتفاقاً أميركياً ـ سورياً، لينتهوا الى القول إن "الثلث المعطّل" هو ضمانة المسيحيين، ناسبين الى البطريرك الماروني نصرالله صفير الموافقة على الطائف في حينه على أساس "الثلث المعطّل". والحال، إن كل ذلك غير صحيح. فلا البطريرك وافق على الطائف لقاء "الثلث المعطّل"، ولا اتفاق الطائف أميركي ـ سوري، في حين أن أحد الأسباب الرئيسية للتفويض الأميركي الى سوريا في لبنان، كان رفض الجنرال الانخراط في الاتفاق.
إذاً، استخدم "حزب الله" ولا يزال يستخدم الجنرال. سياسياً لتسعير الأزمة، لكن لنسف الطائف. وماذا يريح "حزب الله" أكثر من موافقة طرف مسيحي على نظرية "الأثلاث المعطّلة"؟ ماذا يريحه أكثر من أن يساعده طرف مسيحي على تمهيد الطريق أمام "المثالثة" بدلاً من "المناصفة"؟
.. إذاً ماذا يقدّم للمسيحيين؟
في المقابل، إن الجنرال متوهّم أن "حزب الله" يدعمه لرئاسة الجمهورية. وعلى افتراض أن ثمة دعماً حزب اللهيّاً لعون لرئاسة الجمهورية، أو أن "معجزة" حصلت ووصل الى بعبدا، فإنه سيكون، بسبب تغطيته الانقلاب على الطائف، آخر رئيس ماروني لجمهورية لبنان الكبير. بكلام آخر، إن صيغة جديدة تقوم على "المثالثة" تعني أن لبنان تحوّل الى كونفيدرالية طائفية. فبماذا يعِد الجنرال المسيحيين؟ بأنه سيكون آخر رئيس ماروني؟ أم بآلام الفيدرالية والكونفيدرالية؟ أم بصيغة تكون فيها الفيدرالية الشيعية ـ الحزب اللهيّة هي الأقوى طالما أنها تملك قرار الحرب والسلم وتملك جيشاً أقوى من الجيش الفيدرالي؟ وكيف يجرؤ الجنرال على اتهام مسيحيي 14 آذار بتشكيل غطاء لتهميش مزعوم للمسيحيين؟ وكيف لا يقول مسيحيو 14 آذار للجنرال ان هذا بالضبط ما يفعله؟ وأين الكنيسة المارونية من هذا كله؟
التحرّك الفرنسي: الأمور واضحة
من هنا، وبالعودة الى المبادرة الفرنسية مع انتهاء كوسران من "استطلاع" المواقف وعشية مجيء وزير الخارجية برنار كوشنير، من الواضح أنه وأخذاً في الاعتبار للمعطيات "اللبنانية"، لا يبدو أن ثمة أفقاً أمامها. وهذا الاستنتاج ليس مبنياً فقط على ملاحظة الأداء التفاوضي "الرفضي" لحزب الله، ولا على اشتراطه قيام "حكومة وحدة" بلا ضمانات فحسب، إنما على حقيقة أن "حزب الله" الذي لم يعترف بالطائف فعلياً، والذي ينسف مفاهيمه منهجياً وهو يقول انه معه، والذي ارتضى الطائف "واقعياً" في المرحلة السابقة، قد بات الآن في مرحلة "ما بعد الطائف".
هذا الاستنتاج لا بد أنه واضحٌ في العيون الفرنسية. غير أنه يجب أن يكون واضحاً لحركة 14 آذار. وأن يكون الأمر واضحاً لـ14 آذار، يعني أن ترفض أمراً واقعاً يؤسس لـ"دفن" الطائف. فلا "حكومة وحدة وطنية" بدون ضمانات ولا "تسليم" بفراغ رئاسي، لأن في المسألتين ضرباً للشراكة الوطنية.
إيران و"الحصّة الشيعية"
إن ما تقدّم الحديث فيه يتّصل بالمعطيات "اللبنانية"، غير أن للموضوع جانباً إقليمياً من شقّين:
الأول، يتعلق بإيران. ذلك أن تطلّع "حزب الله" الى "تغيير" الطائف "مرعيّ" إيرانياً. وهذا التقدير لا يستند فقط الى المعلومات المؤكدة التي تفيد أن مسؤولين إيرانيين طرحوا على محاوريهم الفرنسيين "المثالثة" تحت عنوان "تعزيز الدور السياسي لحزب الله"، لكنه يستند الى طبيعة العلاقة بين إيران والحزب. فـ"الجمهورية الإسلامية" تعتبر ـ بداهةً ـ أن "حزب الله" يمثّل "حصّتها" في لبنان. ولما كانت تطمح الى دور في هذا البلد فإن لها مصلحة في حصول تعديل جوهري في "الصيغة اللبنانية" يؤدي الى تعزيز "موقع" الحزب إمّا في إطار دولة "مركزية" أو في إطار دولة فيدرالية (أو كونفيدرالية). ومن الواضح أن مجرد قيام إيران بطرح أولي لـ"المثالثة" يعني رغبتها في حصول مفاوضات إقليمية ـ دولية حول طائف "آخر" في لبنان. وليس متعذّراً تقدير أن إيران التي لم يكن لها دورٌ في الطائف "القائم"، ترغب في توليد طائف مختلف على إيقاع موقعها الإقليمي الراهن. وبهذا المعنى، لا غضاضة إيرانية، من أجل تكريس مرجعية طهران عن شيعة لبنان، في أن يجري تقديم التعديل على الصيغة بوصفه تطويراً لـ"حقوقهم".
وإذا كان الشقّ الأول يعني انّ إيران تشكّل غطاء إقليمياً لمسألة تغيير اتفاق الطائف، ما يفيد انّ الحل في لبنان "بات" ـ عندما يأتي زمانه ـ مشروطاً بقيام صيغة مختلفة، فانّ الشقّ الثاني يتصل بإيران والنظام السوري، لجهة مآل العلاقة الإيرانية ـ الأميركية وأزمة العلاقة بين النظام السوري والمجتمع الدولي.
اللحظة الإقليمية
من المبكّر تقديم استنتاجات بشأن العلاقة الإيرانية ـ الأميركية في ضوء اللقاء بين السفيرَين الأميركي والإيراني في بغداد حول الوضع العراقي، بالرغم من الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة. من المبكّر تقويم اللقاء، لانّ "الملف العراقي" واحد فقط من ملفات الأزمة بين الجانبين. ومن المبكّر لانّ المسألة المركزية تتعلّق بالموضوع النووي. ومن المبكّر أيضاً لانّ التفاوض الأميركي ـ الإيراني حول العراق باستبعاد النظام السوري حمّال وجهين: الأول هو "ثقة" إيران باستتباعها للنظام السوري وبقدرتها على التفاوض بـ"الورقة السورية"، والثاني هو إمكان أن تكون إيران في صدد "إدّخار" الدور التخريبي لنظام الأسد، أي أن يبقى متزامناً مع استطلاع طهران لأفق التسوية مع الولايات المتحدة.
غير انّه، وفي جميع الأحوال، لا مناص من القول انّ سلوك "حزب الله" تجاه المسعى الفرنسي، يعبّر عن شروط "على" الحلّ لحسابات "لبنانية" عندما يأتي وقت الحلّ من جهة وعن التزام بالايقاع الإيراني ـ والسوري ـ حتّى ذلك الوقت من جهة أخرى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00