8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

14 آذار و"حتميّة" انتخاب رئيس بنصاب النصف زائد واحد

أمس، عاد الموفد الفرنسي جان كلود كوسران إلى بيروت تمهيدا لزيارة الوزير برنار كوشنير الذي "سيحاول" استئناف الحوار الذي بدأ في "لقاء سان كلو". غير انّه ومن أجل قراءة دقيقة لآفاق الحركة الفرنسية بشأن الأزمة اللبنانية، لا بدّ من استحضار "الحصيلة" التي خرج بها كوسران من لقاءاته في كل من دمشق وطهران اللتين طالبتهما الديبلوماسية الفرنسية بـ"التعاون" في ما يتعلّق بلبنان.
كوسران في دمشق: إعادة تلمس التخريب
في دمشق، دعا كوسران النظام السوري إلى "تسهيل" حوار الفرقاء اللبنانيين واتفاقهم. وقال لفاروق الشرع ووليد المعلّم انّ بلاده سوف تعتبر أي "تسهيل" سوري بمثابة خطوة إيجابية "يمكنها" أن تفتح صفحة جديدة في العلاقة بين دمشق والمجتمع الدولي، بما انّ "التسهيل" في لبنان يُعدّ تغييراً في "السلوك". وكان واضحاً في إفهام محدّثيه أن لا تغيير في السياسة الفرنسية لجهة التمسّك باستقلال لبنان وسيادته ومساره الديموقراطي والدستوري.
لم تتفتق العبقرية البعثية سوى عن معزوفة متكرّرة: انّ سوريا تدعم ما يتفق عليه اللبنانيون (!). وهي "المعادلة" نفسها التي رفعها نظام بشار الأسد في وجه المساعي والمبادرات العربية. ولمّا كان كوسران ديبلوماسياً مخضرماً وخبر المفردات السورية منذ أن كان سفيراً لفرنسا في العاصمة السورية، فانّه فهم انّ هذه المعادلة لا يمكن تفسيرُها إيجاباً، بل انها على العكس تعني مواصلة النهج التخريبي التفجيري، طالما انّ نظام الأسد يقصد بمعادلته وضع شرط مانع للحوار والتوافق في لبنان.
..وفي إيران: تمايز لا يرقى إلى الضغط على بشّار
قبل دمشق، لا بل قبل "لقاء سان كلو"، كان كوسران زار طهران. عرض مع المسؤولين الإيرانيين "ماهيّة" المسعى الفرنسي، مشدّداً على الأولوية اللبنانية بالنسبة إلى فرنسا طالباً تعاوناً إيرانياً. سمع من أركان النظام الإيراني كلاماً فيه تشجيع لباريس على المضيّ في مسعاها، وفيه تأكيد على أن لا مصلحة لإيران في تفجّر الوضع اللبناني. وفيه إبداء للحرص الإيراني على عدم تفكك النظام السياسي في لبنان بين حكومتين. إلا انّ الديبلوماسي الفرنسي الذي استنتج أن لا مشروع تفجيرياً لإيران في لبنان، "لم يلمس" في الوقت نفسه انّ طهران في وارد الضغط على النظام السوري ليتوقف عن تخريبه للاستقرار في لبنان، وانّها ترغبُ في منعه من ذلك. كما لفته أن يطرح مسؤولون إيرانيون تعديلاً جذرياً على الصيغة أي على اتفاق الطائف، يتمثّل بـ"المثالثة" بدلاً من "المناصفة".
إذاً، يمكن القول انّ فكرة "لقاء سان كلو" بُنيت في الأصل على مؤشرات إلى نسبةٍ من التمايز الإيراني عن النظام السوري افترضت معه الديبلوماسية الفرنسية انّ في وسعها ـ تأسيساً عليه ـ الإقدام على خطوةٍ في مسيرة الألف ميل. لكن، يمكن القول في المقابل، انّ تطوير "لقاء سان كلو" يصطدم الآن بـ"حالة سورية ـ إيرانية" لا تعني التمايزات فيها شيئاً مهماً بالنسبة إلى إمكانيات الحلّ في لبنان.
زيارة نجاد إلى سوريا وتصريحاته
في الأسبوع الماضي، برزت مجموعة من المؤشرات التي يجدرُ أخذها في الاعتبار.
المؤشر الأول تمثّل في زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى سوريا، ليعقد قمّة هي الثانية في أقل من ستّة أشهر مع بشّار الأسد. وإذا كان صحيحاً ما استنتجه العديد من المتابعين من انّ الزيارة أتت لتأكيد التحالف الوثيق على خطّ طهران ـ دمشق، فالأصحّ انّها كانت لتتويج مسار من الإمساك الإيراني بالمفاصل الرئيسية اقتصادياً وتربوياً وعسكرياً في سوريا، ما يثبت معه انّ إيران التي تستطيع استتباع النظام السوري تستطيع "لجمه" إن هي أرادت ذلك بالفعل.
المؤشر الثاني تمثّل في تصريحات نجاد. وقد قال في هذا السياق انّه يتوقّع تطوّرات ساخنة في المنطقة وانتصارات. ولا معنى لهذه التصريحات إلا انّ ثمّة رهاناً إيرانياً ـ سورياً مشتركاً على تطوّرات إقليمية معيّنة خلال الشهور المقبلة، وانّ ثمّة رهاناً سورياً على حرب إقليمية. وذلك، بالتزامن مع التعجيل في موضوع المحكمة الدولية، حيث كانت الخطوة الإجرائية بتحديد مكانها في هولندا، لافتة أمس.
"حزب الله" وتهديداته ضدّ إسرائيل والداخل
أمّا المؤشر الثالث، فهو تمثّل في التهديدات التي أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله من قناة "الجزيرة" بانّ صواريخ الحزب تستطيع أن تصل إلى أي نقطة في إسرائيل. وقد تزامنت هذه التهديدات "ضدّ" إسرائيل مع أخرى ضدّ الداخل اللبناني "تخيّر" اللبنانيين بين قيام "حكومة وحدة وطنية" (الثلث المعطّل) وبين الفوضى.
وغنيّ عن القول انّ توقيت هذه التهديدات الحزب اللهيّة بعد لقاء نجاد ـ الأسد ولقاء نجاد ـ نصرالله يفيد انّ ثمّة قراراً إيرانياً ـ وسورياً ـ يقوم "حزب الله" بناء عليه بربط لبنان بالتطوّرات الإقليمية على إيقاع إيراني... وسوري.
في ضوء ما تقدّم، ليس صعباً إستنتاج انّ "الفصل الثاني" من التحرّك الفرنسي بعد "لقاء سان كلو"، مواجهٌ بحالة إيرانية ـ سورية "متواطئة" إقليمياً ولبنانياً. كما ليس صعباً إستنتاج أن لا أفق مفتوحاً في المدى المنظور أمام تسوية إقليمية ـ دولية، وانّ الأزمة اللبنانية "المقيمة" على تقاطع مع الأوضاع والمعطيات الإقليمية ليست مرشّحة لأي اختراق نحو الحل في المدى المنظور أيضاً.
الديبلوماسية الفرنسية لم تبع أثماناً لبنانية
إذاً، في موازاة "الفصل الثاني" من التحرّك الفرنسي الذي قد لا يتوصّل إلى عقد لقاء جديد للحوار، لا بدّ من توقّع فصل ثانٍ من التخريب السوري أو بالأحرى تصعيد في التخريب.
في التحليل، هناك الكثير ممّا يمكن قوله في "مسالك" التحرّك الفرنسي، وحول ما إذا كانت الديبلوماسية الفرنسية قد راهنت على شيء أو افترضت شيئاً في حركتها الإقليمية. بيد انّ ما يمكن تسجيله ممّا يتعلّق بنتائج هذه الحركة، بالغ الأهمية في النقاط الرئيسية الآتية:
انّ التحرّك الفرنسي بمحصّلته سورياً وإيرانياً، يؤكد أن لا فرنسا ولا المجتمع الدولي على استعداد لتقديم "أثمان لبنانية" إلى النظام السوري، وأن لا فرنسا ولا المجتمع الدولي على استعداد لإعادة النظر في القرارات الدولية التي حدّدت قواعد السلوك المطلوبة من دمشق وطهران.
وبالرغم من ان الكثيرين يعتقدون انّ الديبلوماسية الفرنسية كان يجب أن تأخذ بمقولة "من جرّب المجرّب"، فانّ ما انتهت إليه يعود ليعزّز العزلة السورية على الصعيد الدولي، وليؤكد انّ أي نسبة من "الانفتاح" تبديها أي دولة كبرى لا يقابلها نظام الأسد إلا بالمكابرة و"الشرّ".
الغضب العربي
والأهمّ، انّ تعزّز عزلة نظام الأسد دولياً، يتزامن مع موقف عربي "غاضب" لأسباب واعتبارات عدّة. فالنظام العربي أكد أكثر من مرّة ان علاقة نظام الاسد بلبنان هي محك لعلاقته بسائر الدول العربية. وشدّد النظام العربي على أن تخلّي نظام بشار عن دعم الإرهاب في لبنان والعراق هو محكّ آخر. واعتبر انّ التزامه بالاستراتيجية العربية التي قرّرتها قمّة الرياض الأخيرة محكّ ثالث.
ضرب النظام السوري بكلّ هذه المواقف والثوابت العربية عرض الحائط. ففي لبنان لا يزال يمارس الإرهاب لإسقاط النظام السياسي اللبناني والدولة اللبنانية. وفي العراق لا يزال يصدّر الإرهاب والإرهابيين. وأكثر من ذلك، بات يلعب لعبة تهديد الأنظمة العربية، إذ "يستورد" مواطنين من دول عربية "ويصنّعهم" إرهابيين ليعيد تصديرهم إليها وإلى دول الجوار.
إذاً، عزلتان دولية وعربية، وموقف دولي وعربي موحّد من النظام السوري. إذاً، في مواجهة التخريب الإرهابي لهذا النظام، يحظى لبنان بمظلّة دولية ـ عربية بالغة الأهمية.
14 آذار وتمتين الوحدة
وتلك المظلّة الدولية العربية بالغة الأهمية، بالضبط لأنّها في غياب حلول منظورة للأزمة اللبنانية، تُعطي أماناً للبنانيين.
غير انّ حركة 14 آذار معنية، مع وجود هذه المظلّة، بـ"التعاطي" مع عدد من الأمور الرئيسية:
لا شكّ انّ في مقدّمة الأمور التي ينبغي أن تكون الحركة الاستقلالية معنية بها، ما يتعلّق بتمتين وحدتها.
فإلى جانب المرونة التي تبديها حيال المبادرات الخارجية، عربياً وفرنسياً، وهي مرونة تؤكد انفتاحها على الحلول وحرصها على التسوية، لا بدّ من رؤية موحّدة بشأن المرحلة التالية، تتضمن "خطّة العمل" خاصة في الفترة بين 25 أيلول و25 تشرين الثاني، أي بين بدء الاستحقاق الدستوري الرئاسي ونهايته.
ما الموقف في الأيام العشرة الأخيرة للاستحقاق؟
المسألة المحورية تتعلّق بانتخاب الرئيس الجديد. قال البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير انّ نصاب الانتخاب الثلثان، واعتبر انّ الثلثين نصابٌ يجب تأمينه، وانّ هذا الواجب غير خاضع للمساومة. وقالت شخصيات في 14 آذار القول نفسه، وبعضُها أكد انّ تعطيل النصاب لا يعود "حقاً ديموقراطياً" في الأيام العشرة الأخيرة من الاستحقاق لانه يصبح عندئذٍ إغراقاً للبلاد في الفراغ والفوضى.
حتّى الآن، هذا الكلام مفهوم. وفي الأصل، تريد 14 آذار لنصاب الثلثين أن يتأمّن. لكن ماذا لو تمّ الوصول إلى الأيام العشرة الأخيرة وهذا النصاب "الموصوف" متعذّر تأمينه بسبب "مشروع الفوضى" الذي يتبنّاه النظام السوري وحلفاؤه؟
لا بدّ من جواب عن هذا السؤال: أيّهما هو الخيار، الاستسلام أمام التعطيل أم إجراء الانتخابات بنصاب النصف زائد واحد في الدورات التي تلي الدورة الأولى؟
النصف زائد واحد
ربّ قائل انّ الوقت لا يزال متاحاً أمام التوافق على الرئيس الجديد. لكن المؤمن يجب ألا يلدغ. فـ"المعارضة" تصرّ على قيام "حكومة وحدة" بشروطها، وتهدّد بعدم إجراء الانتخابات الرئاسية، ومن الواضح انها تريد "حكومة الوحدة" بديلاً من الرئاسة. فهل يجري التسليم بذلك؟
لدى معظم 14 آذار قناعة بانّ المصلحة الوطنية تحتّم انتخاب رئيس، وبأن الدستور لا يشرّع التعطيل وبانّ نصاب النصف زائد واحد دستوري.
غير انّ الجواب مطلوب من الذين ليسوا مع تعطيل الاستحقاق وقالوا بنصاب الثلثين، أي من البطريرك بالدرجة الأولى. ولذلك، ثمّة جواب منتظر، وثمة تنسيق مطلوب مع الكنيسة، وثمة توحيد مفترض للموقف داخل 14آذار نفسها.
فانتخاب رئيس جديد، أمر محوري في الأمان السياسي، بالرغم من انّ البعض قد يرى في انتخاب الرئيس بنصاب النصف زائد ردّاً تصعيدياً على التصعيد التعطيلي. لكن وجود رئيس شرعي في ظل قرار تعطيلي من جانب "المعارضة"، يشكّل حماية لـ"فكرة" الدولة والنظام.
نعم، انّ 14 آذار معنية بالسعي إلى الحلول، لكنها ليست معنية بـ"الاستسلام"، وهي ليست مهزومة كي تستسلم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00