8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

معنى وحيد لـ"الوسط": محطّة انتقالية من 8 الى "14 آذار التسوية"

في الفترة الأخيرة، تكرّر الحديث عن "حالة وسطية" في البلاد، وذلك في موازاة محاولة لتشكيل تكتّل وسط نيابي.
وهذان الحديث والمحاولة يتطلّبان نقاشاً من أجل تبيّن المقصود فعلياً من وراء الإيحاء بأن ثمة وسطيّة سياسية حقيقية في لبنان في المرحلة الحالية.
"التسوويّة"
بدايةً وتعريفاً، إن "الوسطية" في السياسة هي "التسوويّة"، أي أن التعبير الأدق عن "التوسّط" بين رأي ورأي، بين مشروع ومشروع، هو "التسوويّة".
وتأسيساً على هذا التحديد، يمكن بكل "سهولة" تفهّم أن يتشكّل تجمّع وسطي بين فريقين عندما يكون كل واحد من هذين الفريقين يمتلك مشروعاً "جذرياً"، يأتي التجمّع الوسطي ليحمل مشروع تسوية بينهما، ليكون مشروع التسوية هذا بديلاً من التصادم والمواجهة.. والحرب.
ليس هذا واقع الحال في لبنان اليوم.
14 آذار هي التسوويّة
حركة 14 آذار تمثّل مشروع التسوية، بينما يمثّل فريق 8 آذار مشروعاً "جذرياً" بمعنى أنه "أقصويّ" بكل المعايير.. بمعايير الكيان والعيش المشترك والنظام الديموقراطي والاستقلال.
ذلك أن 14 آذار تحمل بالفعل خطاب التسوية وبرنامجها. وإذا اُخذ في الاعتبار أن أمرَين مركزيَين وضعتهما خارج أي مساومة هما سيادة لبنان والمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، فإن سائر ما تطرحه 14 آذار من عناوين وبنود أخرى، إنما ينتسب الى التسوية.
في وقت مبكّر بعد 14 آذار 2005 وانتفاضة الاستقلال، سعَت الحركة الاستقلالية اللبنانية الى ما سمّته "التسوية التاريخية" بحيث تقوم على مصالحة إنجازَين وطنيين كبيرين لا بل تاريخيَين هما إنجاز التحرير من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000، وإنجاز التحرّر من الوصاية السورية في العام 2005، وعلى التزام من جانب 14 آذار بعدم ربط لبنان بالمحور الغربي في مقابل التزام الفريق الآخر بعدم ربط لبنان بالمحور السوري ـ الإيراني.
ومنذ ذلك الوقت، تكرّر 14 آذار دعوَتها الى تسوية سياسية ـ وطنية متكاملة تتضمّن العناوين الآتية: تجديد الالتزام باتفاق الطائف، تبنّي إجماعات مؤتمر الحوار الوطني للعام 2006، التمسك بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بلبنان في امتداد الالتزام بانتماء البلد الى المجتمع الدولي، والانضمام الفعلي الى إعلان الرياض الصادر عن القمة العربية الأخيرة التي رسمت استراتيجية العمل العربي المشترك.
ليس في أي مما طرحته 14 آذار موقف أو بند غير دستوري. ومع أنها أكدت أكثر من مرة اقتناعها بأنه من غير المنطقي ومن غير الممكن التفاهم بشأن موضوعَي رئاسة الجمهورية و"حكومة الوحدة الوطنية" بدون أساس سياسي صلب، إلا أنها أبدت مرونةً في الموضوعَين قبل أن تصطدم بالشروط التعجيزية لفريق 8 آذار وبضغوطه وتهديداته.
14 آذار تطرح التسوية ولو أنها في وضع صراعيّ
في هذه الأثناء، ومع أن لا داعي لاستحضار كل مواقف 8 آذار السياسية و"العملية"، فمن الواضح أنه مضى في التطلّع الى "الحدّ الأقصى"، وأخطر ما فيه ربط لبنان بالمحور الإقليمي السوري ـ الإيراني، والتطلّع ـ على هذا الإيقاع ـ الى إسقاط السلطة أو تعميم الفراغ.
يمكن إذاً استنتاج أن الصراع الدائر في لبنان هو بين فريق تسوويّ تجسّده 14 آذار من جهة وفريق أقصويّ لا يقيم اعتباراً لـ"لبنانية" لبنان من جهة أخرى. هو بين فريق يحمل مشروعاً للتسوية تنقل لبنان الى مرحلة جديدة، ومشروع أقصويّ يشدّ لبنان الى المرحلة القديمة.
كذلك، يمكن القول أن وجود 14 آذار في موقع "رأس الحربة" دفاعاً عن استقلال لبنان، لا يغيّر في حقيقة أنها تسوويّة تجاه الداخل اللبناني، وحيال الخارج. فهي تصارع بمشروع تسوية.. حتى لو كانت أقصويّة الفريق الآخر وتطرّفه يؤديان الى إظهارها بمظهر "تصادميّ".
"الوسطية" المطروحة اليوم ما هي؟
إذاً، وفي ضوء ما تقدّم من حيثيّات، من الواضح أن لا أساس حقيقياً لـ"وسطية" على النحو الذي يجري تسويقه في الآونة الأخيرة. والدليل الأهم على ذلك أن أياً من "الوسطيين الجدد" لم يقُل كلمة واحدة عمّا يحمله في السياسة. هل يريد "الوسطيّون الجدد" تسوية "على" استقلال لبنان؟ هل يريدون تسويةً "على" الطائف؟ هل يريدون تسويةً "على" مشروع الدولة؟
لا أساس حقيقياً لـ"وسطية" من هذا النوع. إذاً ماذا؟
في الجواب عن هذا السؤال، تبرز ثلاثة احتمالات "نظرية".
الأول، وهو من باب الظنّ خيراً، أن يكون من يتحدث عن "الوسطية" في صدد إحياء تراث الفنان الشعبي اللبناني الراحل "أبو ملحم" ويتطلع إلى "سياسة الموعظة الحسنة"، من دون أي تقليل من أهمية "أبو ملحم" في التراث الشعبي الأخلاقي.
والثاني، هو أن يكون "الوسطيون" المزعومون في صدد استمالة نواب من 8 آذار لفكفكة التشدّد الذي يبديه هذا الفريق وإشعاره بضرورة تعديل أدائه.
تعطيل "اليد العليا" لـ14 آذار
أمّا الثالث، فهو أن يكون هؤلاء في صدد "اللعب" على أكثرية 14 آذار لتعطيل "اليد العليا" التي لديها في الاستحقاقات المقبلة.
"سياسة الموعظة الحسنة" لا تفيد.. وإن كانت لا تضرّ. والتأثير على فريق 8 آذار لحثّه على الاعتدال والمجيء إلى "نقطة وسط" منطقي إذا كان هذا هو الهدف بالفعل. ذلك انّ المنتمين إلى مشروع من طبيعة أقصوية غير تسووية هم من يكونون قد قاموا بـ"خطوة إلى الأمام" إن هم قاموا بـ"نقلة" نحو "نقطة وسط" باتجاه التلاقي مع 14 آذار التسووية.
"الوسطيون الجدد": صامتون أم "سوريون"؟
غير انّه لا يمكن التعامل مع حديث "الوسطية" الراهن ومع محاولة تشكيل إطار نيابي مسمّى وسطاً، بنوايا طيبة.
ثمّة سبب أول لذلك، هو انّ بعض الذين يسمّون أنفسهم "وسطيين" الآن، صمتوا صمتاً عميقاً منذ 14 شباط 2005 تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولم يجدوا ما يقولون طيلة الفترة هذه كلها، وعاملوا أنفسهم بوصفهم "أكبر" من أن يعلنوا مواقف بالرغم من الظرف "المفصليّ" الذي يمرّ به لبنان، وظلّوا على علاقةٍ بـ"وجوه" كالحة من النظام السوري.
لماذا يشجعهم بري؟
وثمّة سبب ثانٍ، هو انّ بعض المعلومات يفيدُ انّ الرئيس نبيه بري "يشجّع" على قيام "تكتل وسط". ولمّا كان بري معروفاً جداً بانّه طرف وليس وسطياً، فمعنى ذلك انّ "وراء الأكمة ما وراءها". وما "وراء الأكمة" ليس مستعصياً على التقدير: فرئيس "أمل" بما انّه مُحرج كرئيس للمجلس النيابي من عدم حصول الاستحقاق الرئاسي في موعده، يطمحُ إلى "خلط الأوراق" بما يخلق وضعاً نيابياً مختلفاً يعطيه فرصة التحكّم ولو نسبياً بمسار الاستحقاق، وذلك ما يتطلب "تنقيص" الأكثرية. وعلى أي حال، فانّ مراجعة تصريحات نواب في كتلة بري في اليومين الماضيين بشأن مواقف اعتبرت انّ نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو بالثلثين، تظهر انّ هؤلاء اعتبروا انّ "موقعنا التفاوضي تحسّن" مع 14 آذار.
وهناك سببٌ ثالث، هو انّ بعض المعلومات يفيد انّ المشتغلين على قيام "تكتل وسط" يقولون في سرّهم: من أجل عدم "تنقيز" 14 آذار، سيظهر في بداية الأمر انّ "التكتل الوسط" يضم نواباً في كتل من "المعارضة" متفقين مع رؤسائهم، لكن التركيز سيكون على نواب الأكثرية.
"الوسطي" هو المنتقل من 8 آذار إلى 14 آذار
ثمّة أسباب عدّة إذاً للاعتقاد انّ أكثرية 14 آذار هي المستهدفة بـ"خطّة الوسطية".. أي انّ "الوسطية" لا أساس سياسياً حقيقياً لها من ناحية، وهي موجهة في إطار "لعبة سياسية" مكشوفة من ناحية ثانية. ومرة اخرى، ليس فقط 14 آذار هي التسوية، بل لا "وسطية" بين فريق يشدّ بلبنان إلى مرحلة قديمة وآخر يتطلع إلى الدفع بالبلد نحو مرحلة جديدة.
حالة وحيدة يمكن أن تكون فيها "الوسطية" ذات معنى: أن تكون مرحلة انتقالية من 8 آذار إلى التسوية الوطنية المتكاملة، أي مرحلة انتقالية نحو ترجيح خيار التسوية الاستقلالية بكل مضامينها وتجلياتها.. وإلا فانّها مشبوهة بأهدافها.
"طرفة" استحضار "تكتل الوسط" للعام 1970
على انّ "أطرف" ما سُمع في الأيام الماضية هو ما نقل عن أحد المشتغلين على "الوسط" والمشجعين عليه، من استعادة لتشكيل "تكتل الوسط" في العام 1970 على أبواب رئاسة الجمهورية آنذاك.
في العام 1968، جرت الانتخابات للمجلس الذي سينتخب الرئيس في العام 1970. عن هذه الانتخابات نتج مجلس نيابي بتوازن "على المنخار" بين نواب "الشهابية" من جهة، والنواب المعارضين لها بكثرة ولـ"الحلف الثلاثي" في إطار هذه المعارضة من جهة أخرى.
أنشأ أقطاب معارضون لـ"الشهابية" ما سمّي آنذاك "تكتل الوسط" الذي ضمّ الرؤساء صائب سلام وكامل الأسعد وسليمان فرنجية ومعهم النائب جوزف سكاف. كان هذا التكتل فريقاً ثالثاً بين كتلة "النهج" الشهابية وكتلة "الحلف". لكنه كان ضدّ "النهج"، وكان متفقاً مع "الحلف" على إنهاء المرحلة الشهابية. ولم ينشأ لأن الانتخابات الرئاسية العام 1970 كانت مهدّدة بالا تحصل، أي أن هدفه لم يكن "تحريك" الاستحقاق الرئاسي (أي القيام بـ"ديبلوكاج" كما يُقال بالفرنسية). كان هدفه واضحاً وهو ترجيح الكفّة ضدّ "النهج"، بمرشح رئاسي لا يكون من "الحلف" يمكنه أن يخترق أصوات "النهج"، لكن ممرّ هذا المرشح كان الاتفاق مع "الحلف".. بدليل ما حصل، وهو انّ سليمان فرنجية فاز بالرئاسة بخمسين صوتاً أي بفارق صوت واحد عن منافسه الياس سركيس.. أي ان "تكتل الوسط" كان حليف "الحلف".
إذاً، حتى بالعودة إلى التاريخ، لا "تكتل وسط" بمعنى الوسطية، بل "وسط" متحالف مع أحد طرفَي الاستقطاب، ومرشح الوسط آنذاك لم يكن وسطياً بل كان "منحازاً".
فهل يكون "الوسطيون الجدد" غير منحازين إذاً؟
أمّا إذا كانت "اللعبة" من أجل ترجيح كفّة مرشح رئاسي معيّن.. فهناك طريق أقصر: التوافق بلا لفّ ولا دوران.
وفي جميع الأحوال، فإنّ 14 آذار متيقّظة جداً. وكل من فيها أدرك انّ محاولة استغلال تصريح من هنا وموقف من هناك، ستكون فاشلة. ولـ14 آذار "مطبخها" أيضاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00