8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الوقت الضائع" والمشكلة الفعليّة مع "المعارضة" تبعيّتها

قالها بشار الأسد من دون التباس أمس: العام 2007 مصيري والأشهر المتبقية منه ستحدد مصير ومستقبل المنطقة والعالم كله.
هل ثمة ما هو أوضح من هذه الجملة لفهم ما يجري في لبنان ولفهم حقيقة المشكلة مع تحالف ما يُسمّى "المعارضة"؟
رهان بشار
من الواضح انّ كلام الأسد يلخّص توجهات النظام السوري. هناك رهانٌ على تطوّرات في "الإقليم"، امّا حرب إقليمية ما تقلب المعادلات لتنتج تسوية إقليمية ـ دولية معيّنة، وإمّا تسوية ـ من دون مواجهة ـ يكون النظام في سوريا طرفاً فيها. وبغضّ النظر عن تقدير الاحتمالات، من الواضح انّ ثمة رهاناً سوريّاً على الوقت.
أما بالنسبة إلى "المعارضة"، فانّ ما قاله الأسد يعني لها شيئاً واحداً هو انّ هناك وقتاً ضائعاً خلال الفترة الممتدة حتى نهاية العام الجاري.. على الأقل، وهو انّ عليها تنفيذاً لأمر العمليات "غير المشفّر" المتضمن في كلام الأسد أن تضيّع الوقت في لبنان.
المشكلة الفعلية مع "المعارضة"..إقليمية
هنا بالضبط تكمنُ المشكلة مع "المعارضة". فالمشكلة هي بين فريق تمثله حركة 14 آذار يرفض ربط لبنان بسوريا والمحور السوري ـ الإيراني، ويرفض السير بلبنان على إيقاع الأزمة الإقليمية واحتمالاتها ويريد تحييد البلد عن صراع المحاور ـ كلّ المحاور ـ وتداعياته، وبين فريق آخر يريد إحكام ربط لبنان بالمحور السوري ـ الإيراني وجعله ساحة من ساحات هذا المحور، وتحميله أعباء التداعيات.
هنا المشكلة بالضبط وليس في مكان آخر.. أي انها ليست مشكلة مشاركة أو شراكة كما يدّعي فريق ما يسمّى "المعارضة". وتتجلّى المشكلة في رفض هذا الفريق عقد تسوية مع 14 آذار حول موقع لبنان ودوره وحول السياسات التي تحفظ له موقعه ودوره.
..وليست مشكلة "مشاركة": الدلائل
وافقت 14 آذار على "حكومة وحدة وطنية بصيغة 19 + 11. رفضت "المعارضة" وطالبت بصيغة 17 + 13. لم تمانع 14 آذار في النقاش على أن يتم التفاهم على السياسات وعلى إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده. أصرّت "المعارضة" على إعادة النظر في القرارات الصادرة عن الحكومة منذ تقديم وزراء "حزب الله" و"أمل" استقالاتهم، علماً انّ "حزب الله" كشف على سبيل المثال انّه ضدّ النقاط السبع.
في "لقاء سان كلو"، أبدت 14 آذار مرونة قصوى إذ دعت إلى نوع من التزامن بين "حكومة الوحدة الوطنية" والرئاسة. رفضت "المعارضة" بإصرار هذا الطرح، متمسّكة بالحكومة، رافضة التعهّد بأن يجري الاستحقاق الرئاسي في موعده. وعندما سئلت عن "لغز" هذا الإصرار على "حكومة الوحدة" في مقابل تجهيل مصير الرئاسة، لم يتورّع ممثلون لهذا الفريق عن القول: نريد الحكومة لانّ الانتخابات الرئاسية يمكن ألا تحصل.
انّ إيراد هذه المعطيات يهدف إلى تأكيد انّ المشكلة ليست مشكلة شراكة، بل هي مشكلة ارتباط بأجندة إقليمية. ذلك انّ التمسّك بـ"حكومة وحدة وطنية" معرّفة على انها حكومة "ما يزيد عن الثلث المعطّل" ومن دون تفاهم على السياسات التي تحمي لبنان، في مقابل الاستهتار بالاستحقاق الرئاسي، انما يعنيان (التمسّك والاستهتار) انّ "المعارضة" إما أن تلقي القبض على السلطة وإمّا لا مانع لديها من أن تبقى الأزمة مفتوحة على شتّى الاحتمالات الخطيرة.
أمرُ العمليات الذي أذاعه بشار الأسد على الهواء مباشرة أمس يعني انّ ثمة وقتاً ضائعاَ وتضييعاً للوقت من جانب ما يسمّى "المعارضة". هو تضييع للوقت على البلد، لكن خطة الإمعان في الأزمة مستمرة، ما يعني انّ الخطة تهدف إلى ملء الوقت الضائع بخطوات إنقسامية، فضلاً عن ملئه من جانب النظام السوري وأدواته وشبكاته بالتخريب والإرهاب.
بعد "سان كلو" بـ24 ساعة: التفجير في القاسمية
قبل خطاب الأسد أمس بأربع وعشرين ساعة، وبعد انتهاء "لقاء سان كلو" بأربع وعشرين ساعة، سجّل أول من أمس تطوّران بارزان.
الأول "أمني" تمثّل في التفجير الإرهابي ضدّ "اليونيفيل" في منطقة القاسمية جنوب لبنان. فهل يمكنُ اعتبار هذا التفجير إلا رسالة سورية، سواء نُفّذ التفجير بواسطة شبكة سورية "مباشرة" أو بواسطة "قاعدة" ما، إلى المجتمع الدولي وفرنسا بأنّ الجنود الدوليين والفرنسيين ليسوا في مأمن؟. هذا مع لفت الانتباه إلى انّ هذه "الرسالة" تلي مباشرة تنويه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بإيران بتمييزها عن سوريا (!).
عون يصعّد.. قبل لقائه الحريري
أمّا الثاني فـ"سياسي" وتجلّى في المواقف التي أطلقها الجنرال ميشال عون. اللافت في ما أعلنه عون من مواقف انّه اختار لرفع السقف ـ أي التصعيد ـ عناوين سياسية "معبّرة". فهو عاد إلى حرب تموز 2006 ليتّهم الحكومة و14 آذار بـ"التواطؤ مع إسرائيل". وإذا كان هذا الاتهام ليس جديداً في حدّ ذاته، فلكأن الجنرال أراد بتلك "العودة" أن يعيد البلد ما يقرب من تسعة أشهر إلى الوراء ليقول عملياً انّ التصعيد لا يزال في بداياته كما لو انّ 16 تموز 2007 (أول من أمس) هو الأول من كانون الأول 2006 تاريخ بدء انقلاب "المعارضة". وفي السياق نفسه اتّهم عون الحكومة بـ"التواطؤ مع فتح الاسلام" (!). غير انّ الجنرال لم يكتفِ بذلك، فسارع إلى تقديم قراءته للتقرير الأخير الصادر عن رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس، ليرى في هذا التقرير "إحياءًا للقناة الأصولية" في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ما يلفتُ في ما قاله عون ليس فقط المواقف في حدّ ذاتها، انما مجموعة من الاعتبارات الاخرى.
في مقدّم هذه الاعتبارات انّ تصعيد الجنرال يستبق لقاءً متفقاً على عقده بينه وبين رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في الأيام المقبلة، ما يشكّل والحالة هذه محاصرة للقاء بمواقف متشنّجة مسبقاً.
..وخلافاً لما قاله ممثّلوه في "سان كلو"
وفي الاعتبارات انّ تصعيد الجنرال جاء بعد "مناخ" مختلف أوجده وفد "التيار" و"تكتل التغيير والإصلاح" في "لقاء سان كلو". فقد سجّل ممثلو قوى 14 آذار في هذا اللقاء انّ الوفد الممثل للجنرال قدّم نفسه "متميزاً" عن الأطراف الآخرين في "المعارضة"، إذ أوضح الوفد انّه يستثني المحكمة الدولية من إعادة النظر التي تطالب بها "المعارضة" في قرارات الحكومة، وأبدى مرونة معيّنة حيال فكرة التزامن بين الرئاسة والحكومة. وبهذا المعنى، ظلّ التصعيد مفاجئاً إلى أن لفتت معلومات إلى انّ المرونة العونية في "سان كلو" كانت جزءاً من عملية تنسيق أدوار بين ممثلي "المعارضة" وانها كانت منسّقة مع "حزب الله".
وفي الاعتبارات اللافتة أخيراً انّ تصعيد العماد عون حول "تواطؤ الحكومة مع فتح الإسلام" يتزامن مع اقتراب الجيش من إنهاء الحسم في مخيم نهر البارد. لكأن الجنرال يستبق الانتصار الأخير للجيش بفتح سجال سيكون من نتائجه تبديد الانتصار "سياسياً" أو إدخاله في دوّامة سياسية.
إذاً، لا يمكنُ قراءة التصعيد الذي توّلاه عون إلا بوصفه تصعيداً بالنيابة عن "المعارضة" وفي توقيت إقليمي لافت. فكيف إذا كان التصعيد يتضمّن "تنبيهاً" من انّ "أهون الشرور هو قيام حكومتين" ومن أن "أقصاها هو الفراغ"؟ وكيف إذا كان في التصعيد عودة إلى الانتخابات المبكّرة أو الاستفتاء.. إلى كلّ شيء إلا الاستحقاق الرئاسي في موعده؟
"حكومة انتقالية" لا "حكومة ثانية"
على انّ ما يؤشّر إلى استمرار خطة النظام السوري بملء الوقت الضائع بخطوات تخريبية، ما تأكد من معلومات في الأيام القليلة الماضية عن استمرار نيّة رئيس التمديد تشكيل حكومة، انتقالية هذه المرّة، لمدة سنتين.
ففي المعلومات انّ إميل لحود افترض انّ ثمة بحثاً جارياً على قدم وساق في الداخل وفي الخارج، بشأن مرحلة انتقالية مدّتها سنتان أو ثلاث سنوات، وانّ هذا البحث قد يكون وصل إلى مرحلة متقدمة وانّ الأمور محسومة في هذا السياق، فقرّر النظام السوري تكليفه تشكيل حكومة انتقالية لمدة سنتين ويعهد برئاستها إلى القطب الماروني في "المعارضة". وهذه الحكومة الانتقالية هي حكومة ثانية لكن مع فارق انّ "الحكومة الثانية" كانت مطروحة لتتسلّم السلطة "في حال" لم يتمّ انتخاب رئيس جديد للجمهورية و"إلى حين" يتمّ الانتخاب، بينما الحكومة الانتقالية لعامين تعني أن لا انتخابات رئاسية، وهي مطروحة لتتولى إعداد قانون للانتخابات والإشراف على انتخابات نيابية جديدة تليها بعد ذلك انتخابات رئاسية.
"المعارضة" لا تريد حكومة ولا رئاسة
في المعلومات إذاً انّ "المعارضة" لا تريد "حكومة وحدة وطنية" حقيقية لأنّ ما تريُده هو إما استلام السلطة وإما الفراغ.. ولا تريد استحقاقاً رئاسياً لانه لا "يَلزَمها" في هذه المرحلة.. على إيقاع التعليمة الواردة من رئيس النظام السوري.
هكذا إذاً، وبالعودة إلى "الجملة" في خطاب بشار الأسد أمس، لا بدّ أن يكون واضحاً انّ ثمة وقتاً ضائعاً لبضعة أشهر، وانّ كل التحركات والمبادرات العربية والدولية على أهميتها لن تستطيع في هذا الإطار تحقيق اختراق في جدار الأزمة اللبنانية، تماماً لأن "أصل" هذه الأزمة هو التخريب السوري، وهو استتباع "المعارضة" للبنان بالمحور الإقليمي السوري.. والإيراني.
وبما انّ ثمة وقتاً ضائعاً سياسياً، سيكون من حُسن الفطن توقّع تفجيرات إرهابية في البلد. سينتصر الجيش على عصابة الإرهاب في نهر البارد وسيبيدها في أيام قليلة. لكن الجيش ـ ومعه كل اللبنانيين ـ سيكون عليه الخوض في مواجهات أخرى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00