8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التسوية "المستحيلة" الآن مع "حزب الله" الإقليمي

اليوم، تحلّ الذكرى الأولى لحرب تموز، للعدوان الإسرائيلي الواسع والشامل على لبنان.
لـ"حزب الله" أن يحيي الذكرى أو أن يحتفل بها بوصفها ذكرى انتصاره على إسرائيل. غير انّ لفريق آخر من اللبنانيين أسباباً كثيرة للتعامل مع المناسبة بتوصيف مختلف وباستنتاجات مختلفة.
ذكرى القطيعة: تحوّل سلاح "حزب الله" إقليمياً
في 12 تموز 2006 كانت القطيعة الكبرى بين فريقين في لبنان. وفي 12 تموز 2007 لا تزال هذه القطيعة قائمة ولا تزال أسبابُها موجودة. ولذلك فانّ الذكرى اليوم بقدر ما هي ذكرى العدوان، هي ذكرى القطيعة.
في 12 تموز 2006، كانت القطيعة بين فريق 14 آذار من جهة وفريق 8 آذار بقيادة "حزب الله" من جهة ثانية، لان ذلك اليوم من العام الماضي كرّس تحوّلاً "استثنائياً" على صعيد سلاح "حزب الله" من سلاحٍ رادع لإسرائيل، كان حوارٌ تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية" يدور حول كيفية استيعابه في منظومة عسكرية متكاملة لجيش الدولة، إلى سلاح منخرط في استراتيجيات إقليمية من جانب وإلى سلاح تُوظّف نتائج استخدامه إقليمياً في الداخل اللبناني لتحقيق السيطرة على الحكم من جانب آخر.
.0.وربط لبنان بسوريا وإيران
في 12 تموز 2006 إذاً، انفجر الخلاف الفعلي بين الفريقين، وهو الخلاف بين قناعتين. الأولى لـ14 آذار بضرورة تحقيق حياد لبنان عن المحاور الإقليمية والدولية، و"نسبة" من التحييد عن صراعات هذه المحاور. والثانية لـ"حزب الله" و8 آذار بربط لبنان بأحد المحاور أي المحور الإيراني ـ السوري وبربطه بـ"أزمة المنطقة" تالياً.
والحال انّ حرب تموز 2006، من ضفّتها اللبنانية الحزب اللهية، كانت تربط لبنان بالصراعات الإقليمية والإقليمية ـ الدولية. والحال أيضاً انّ فريقاً لوحده ـ أي 14 آذار هنا ـ لا يمكنه منع ذلك الربط. والحال أخيراً انّ الربط إقليمياً إستدعى التدويل استدعاء.
إذاً، اليوم 12 تموز 2007، لا مفرّ من القول انّ الخلاف كان هنا بالتحديد في اليوم نفسه من العام الماضي وليس في أي مكان آخر. ولمّا كانت حرب تموز ـ من صفّتها الحزب اللهية ـ حرب الربط المشار إليه، انفجر الخلاف، وتصاعد بعد انتهائها لدى تطلع "حزب الله" إلى صرف نتائجها في الداخل انتصاراً على الفريق الآخر.
12 تموز 2006: انفجار الحوار والتسوية
وبانفجار الخلاف في 12 تموز 2006، تفجّرت "التسوية". والمقصود هنا أمران.
الأول، هو انّ "شبه تسوية" أو "تسوية ضمنية"، كانت قامت بين فريقَي 14 آذار و8 آذار، بعد الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان أواخر نيسان 2005، في "مناخها" تمّت الانتخابات النيابية وتشكّلت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وكانت التسوية في حدودها آنذاك، من وجهة نظر 14 آذار، بهدف تأمين مرحلة انتقالية هادئة من الوصاية السورية إلى الاستقلال من ناحية، وبهدف تشكيل نوعٍ من شبكة الأمان الداخلية للاستقلال وللعملية السياسية السلمية الديموقراطية من ناحية ثانية، وبهدف التأسيس لتسوية "ثابتة" لمرحلة جديدة من ناحية ثالثة. وإذا أُخذ البيان الوزاري للحكومة مثالاً، يتبيّن بوضوح انّ النصّ نفسه من طبيعة "انتقالية"، فهو مشدود في جانب إلى المرحلة السابقة ومفتوح على المرحلة الجديدة في جانب آخر.
مؤتمر الحوار انفجر عند نقطة سلاح الحزب
أما الأمر الثاني فهو انّ التسوية "الضمنية" أو المتضمنة "غموضاً بنّاء" لم تدُم طويلاً، واهتزت عند محطة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني، وما تلاه من طلب للحكومة بتشكيل المحكمة الدولية وبتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية.
في آذار 2006، دُعي الأطراف من قبل الرئيس نبيه بري إلى مؤتمر الحوار الوطني. طُرحت في المؤتمر بنود عدّة من شأن التفاهمات حولها أن تشكّل تسوية متينة.
صحيح انّه أعلن حينذاك ان المتحاورين توصلوا إلى مجموعة من المقرّرات بالإجماع، وهم اتفقوا على المحكمة الدولية وعلى العلاقات الديبلوماسية مع سوريا وعلى ترسيم وتحديد الحدود معها وعلى السلاح "الفلسطيني" خارج المخيمات. غير انّ الصحيح أيضاً انّ هذه المقرّرات عُطّلت بقرار إقليمي سوري.
وما إن وصل الحوار إلى بند "الاستراتيجية الدفاعية" أي إلى بند "سلاح حزب الله" حتّى حصلت حرب تموز.. و"طار" الحوار. واليوم، لدى التدقيق في النهاية الدراماتيكية لمؤتمر الحوار، يتبيّن انّ الحوار "طار" بقرار إقليمي، وانّ "سلاح حزب الله" إقليمي وانّ التسوية حول هذا السلاح ممنوعة إقليمياً بالضبط لانّه إقليمي.
ممّا تقدّم، لا بدّ من استخلاص نتيجتين رئيسيتين. الأولى هي انّ الخلاف الذي انفجر في 12 تموز 2006 هو خلاف بين نظرتين إلى لبنان في الإطار "الخارجي" وإلى "سلاح حزب الله". والثانية هي انّ تجربة عام بين تموز 2005 تاريخ تشكيل الحكومة و12 تموز 2006 تفيدُ انّ التسوية ممنوعة من جهة ومستحيلة في ظل هذا المنع الإقليمي من جهة اخرى. والدلائل على هذه النتيجة الثانية كثيرة: فمنذ عام لم يحصل حوار، ومنذ عام يتهرّب "حزب الله" وفريق 8 آذار من بحث القضايا الفعلية للخلاف، ومنذ عام يقف النظام السوري إقليمياً و8 آذار محلياً وراء فشل المبادرات العربية.. ومنذ عام يجري انقلاب موصوف على السلطة والدولة.
الخلاف مكانه اليوم.. و"حزب الله" يستعدّ لحرب إقليمية
واليوم 12 تموز 2007، ماذا يُمكن أن يُقال؟
إضافة إلى التذكير بأنّ ذكرى حرب تموز هي ذكرى القطيعة، والقطع لا بل "الكسر" بين فريقَي 14 آذار و8 آذار، بالعلاقة مع الطبيعة الفعلية المحدّدة للخلاف، لا بدّ من تسجيل عددٍ من الوقائع والحقائق.
لا بدّ من القول انّ الخلاف لا يزال يراوح عند المسألة نفسها وانّ "حزب الله" ماضٍ في "الربط الإقليمي".
ذلك انّ كلّ المعطيات المتوافرة، بما فيها الوقائع الميدانية، تفيد انّ الحزب استكمل استراتيجيته العسكرية وهو يعلن ذلك أصلاً. لقد حوّل البقاع إلى منطقة عسكرية "كاملة"، وقام فيها بـ"أشغال" ذات وظائف عسكرية وأمنية، وقام بـ"توصيل" مناطق وقرى ببعضها عسكرياً. وإذ يحتفظ جنوب الليطاني بوجود عسكري وأمني، ركّز قدرات كبيرة شمال الليطاني.
كلّ المؤشرات، لا سيما على صعيد الموقع المركزي للبقاع في خطته، تفيد انه يستعدّ لحرب "إقليمية" بعنوانَين مترابطين، حماية "خاصرة سوريا" في البقاع وتوجيه "قوة نارية" إلى إسرائيل من هناك. انه يستعد لحرب سورية ـ إسرائيلية على الأرجح، وفي حال جاءت الحرب من مكان آخر أي في حال كانت حرباً إيرانية ـ أميركية تكون استعداداته قائمة.
الحرب السورية ـ الإسرائيلية تبدو وفقاً للعديد من التقديرات احتمالاً كبيراً بل الاحتمال الأكبر. فإذا حصلت، سيكون "حزب الله" شريكاً ولبنان سيكون احدى "ساحاتها". وحتى إن لم تحصل، فانّ "حزب الله" يُعلن "إقليميته".
لهذا فشلت مساعي الحلّ
إذاً في 12 تموز 2007، لا تزال أسباب القطيعة قائمة.
وعلى هذه الخلفية، لا يعود ما يجري مُستعصياً على الفهم. فتفشيل المسعى العربي من جانب النظام السوري وحلفائه، يؤكد هدف ربط لبنان بمحور دمشق ـ طهران، ويعكس رهاناً على انفجار إقليمي. أما المطالبة بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية"، أو بالتوافق على الرئيس المقبل، فهي إعلان عن الاستمرار في تطلّب أخذ السلطة، وإلا تعطيل وتخريب.
لذا، يكون ساذجاً من يعتقد، في مثل هذه الأجواء وفي ظل هذه المعطيات، انّه من الممكن تحقيق اختراق في جدار "الأزمة اللبنانية". ويكون ساذجاً من يظنّ انه يمكن فصلُ "الحل" في موضوعَي الرئاسة والحكومة عن المضمون، أي عن المسألة المركزية في الخلاف بين النظرتين إلى لبنان موقعاً ودوراً.
بين "سان كلو" وبرّي وميشال المرّ
في جلسة سياسية قبل يومَين، أبدى أحد المشاركين فيها تفاؤلاً نسبياً. قال انّ لقاء الحوار في "سان كلو" يمكنه أن يتطرّق إلى الموضوعات التي تمّ الإجماع بشأنها في مؤتمر الحوار في ساحة النجمة لـ"تفقّدها"، وإلى تلك التي استجدّت بعد حرب تموز، وإلى القضايا الخلافية الإشكالية. وقال انّ توصّل "لقاء سان كلو" إلى تفاهمات يمكن أن يبلور وثيقة لبنانية، وانّ هذه الوثيقة "المرعيّة" فرنسياً يمكن أن تُضمّ إلى المبادرة العربية بنقاطها الثلاث حول الرئاسة والحكومة والمسألة الأمنية ـ الحدودية، لتكون بمثابة "ملحق مرجعي" للحلّ.
وسأل آخر من المشاركين في الجلسة عن "مبادرة" قيل انّ الرئيس بري سيُطلقها بعد "سان كلو". أجاب ثالث انّ معلومات تفيد انّ بري "وعد" بأن يقترح خلال هذا الشهر "آلية" للوصول إلى الاستحقاق الرئاسي.
"كبير القوم": علينا الانتظار والصمود
المهمّ، بعد أن جال المناقشون على عناوين عدّة بما فيها حركة النائب ميشال المر، سأل "كبير القوم" أسئلة جوهرية: هل مسموح أصلاً الوصول إلى تفاهمات أو وثيقة تفاهمات حتى لو كان الحوار خارج الأراضي اللبنانية؟ وهل يقبل النظام السوري تفاهماً لبنانياً "الآن" في وقت يؤكد انّ الحلّ في لبنان "يبدأ" بتسوية عربية ـ دولية معه؟ وهل يسمحُ نظام دمشق باتفاق فيما يراهنُ على حرب إقليمية؟. وسأل أيضاً: بصرف النظر عن ذهاب "حزب الله" إلى "سان كلو" أو عدمه، هل في ما نُسب إلى الرئيس نيكولا ساركوزي معنى آخر غير انّ فرنسا تؤكد رفض التعاطي مع "حزب الله الإقليمي" في مقابل ترحيبها بالتعامل مع "حزب الله اللبناني"؟ وهل يجب تصديق انّ هناك اختلافات إيرانية ـ سورية فعلية؟
طرح "كبير القوم" أسئلته ليقول أن ليس الآن عدّة احتمالات، وانّ الاحتمال واحد، وهو انّ الأزمة مستمرة لأن تسويتها مستحيلة. استحالة تسوية لبنانية ـ لبنانية لاستحالة تسوية إقليمية ـ دولية تحضنها. واستحالة تسوية إقليمية ـ دولية في مدى مرئي. "علينا الانتظار طويلاً.. وعلينا الصمود" قال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00