في الأيام القليلة المقبلة، ثمّة موعدٌ للبنان مع استحقاقَين دوليّين بارزَين.
الأول هو تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول القرار 1701. وبطبيعة الحال، على هذا التقرير أن يتوقّف أمام مسألتَين واجهتا تطبيق القرار الدولي، لا سيما في الآونة الأخيرة: الإعتداء الذي تعرّضت له قوات "اليونيفيل" في الجنوب وأودى بستة جنود من الكتيبة الإسبانية من جهة، والوضع على الحدود اللبنانية ـ السورية وقد أوصت لجنة التقصّي الدولية المستقلّة بنشر مراقبين دوليين عليها لمساعدة السلطة اللبنانية على ضبطها من جهة أخرى.
بالتأكيد، هناك عناوين أخرى للمتابعة في القرار 1701، خصوصاً ما يتعلّق بمزارع شبعا واقتراح وضعها في عهدة الأمم المتحدة كمرحلة انتقالية نحو استعادتها الى السيادة اللبنانية بعد أن تكون الإجراءات القانونية قد استكملت. بيدَ أن مجلس الأمن، يعتبر محقاً أن الاعتداء على "اليونيفيل" وتهريب السلاح والمسلّحين من سوريا الى لبنان، يشكّلان كلاً مترابطاً يستهدف نسف القرار الدولي من أساسه. ومن المفترض، والحالة هذه أن يكون له موقفٌ وأن تكون له قرارات، "أقلّها" الموافقة على توصية لجنة التقصّي بنشر مراقبين على الحدود اللبنانية ـ السورية.
أما الاستحقاق الثاني، فهو تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي سيرج براميرتس. ومع أن قواعد عمل براميرتس وتقاليده صارت معروفة، وأنه لن يسمّي متّهمين إلاّ أمام المدعي العام الدولي، فإن تقريره الفصليّ الحالي يأتي في مناخ إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، ما يعني أن براميرتس يملك قابلية "تصعيد" الوضوح في تقريره من ناحية، والحثّ على تسريع الخطوات التنفيذية لتشكيل المحكمة من ناحية ثانية.
هذان الاستحقاقان، على أهميّتهما بالنسبة الى استقرار لبنان وأمنه تأكيداً للالتزام الدولي بسلامة الوضع اللبناني، فإنهما بالنسبة الى تحالف ما يُسمّى "المعارضة" يشكّلان حافزاً للمضيّ في الانقلاب، وللنظام السوري حافزاً للإمعان في التخريب والإرهاب. ذلك أن هدف نظام دمشق وحلفائه، هو إسقاط المحكمة الدولية وإسقاط القرار 1701 في آن.
قراءةٌ إقليمية
هذا الاستنتاج، على صحّته من زاوية منطقية، بحاجة مع ذلك الى مقاربته واقعياً، أي من زاوية قدرة نظام الأسد وحلفائه على تحقيق نتائج "سياسية" من الانقلاب والإرهاب.
وعلى هذا الأساس، يجب أن تبدأ المقاربة الواقعية من الإطار الإقليمي.
في هذا المجال، لا شك أن تقويماً دقيقاً لما جرى في غزّة الشهر الماضي، من شأنه أن يكون مفيداً جداً.
فبصرف النظر عما تقوله حركة "حماس" من أنها لم تقم بانقلاب بالقوة العسكرية، بل هي استبقت انقلاباً فتحاوياً مرعيّاً عربياً وإسرائيلياً وأميركياً، وبغض النظر عن مقولاتها حول "الفساد" في الأجهزة الأمنية الفلسطينية ما جعل القطاع غابة، فإن ما جرى ـ بالمعنى السياسي ـ كان "تغييراً" يُحسب على صعيد التقاطعات الإقليمية لصالح محور دمشق ـ طهران، فضلاً عن كونِه ضربةً موجعة للقضية الفلسطينية، أكانت "حماس" نفّذته بقرار ذاتي منها أو لا.
"حماس" وما بعد غزّة
غير أن المسألة لم تعُد هنا بالضبط. ذلك أن "حماس" في اللحظة التي "انتصرت" فيها عسكرياً، كانت تفشل سياسياً. ولعلّها لم تتأخّر كثيراً في اكتشاف الفشل السياسي على الرغم من أن فشلها لا يُسجّل نجاحاً للسلطة الفلسطينية. فقد اكتشفت "حماس" أن الفصل بين القطاع والضفة خطيرٌ على الشعب الفلسطيني وقضيّته، وأن القطاع معرّضٌ للاجتياح بذريعة إضافية، وأنها مهما تكن إيرادات الحكومة المقالة لا تستطيع تحمّل أعباء الوضع فيه.. واكتشفت أنها في عزلة عربية.
حيال ذلك، تعلّقت "حماس" بقرار مؤتمر وزراء الخارجية العرب، واشتغل رئيس الوزراء المُقال اسماعيل هنية على تفسير ما حصل مبدياً حرصه على عدم القطع مع الرئيس محمود عباس، وأوصلت ما عندها الى الجهات العربية المعنيّة أكثر من غيرها، و"تعلّقت" بالدعوة العربية الى الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني للعودة الى اتفاق مكة أو ما يشبهه. وأبدت الحركة استعدادها لتشكيل حكومة وحدة وطنية "جديدة" وموافقتها على الذهاب الى انتخابات تشريعية مبكّرة.
يُستفادُ مما تقدّم أن الانقلاب، أكان فعلاً أو ردّ فعل، وصل الى أفق سياسي مسدود. وإذا كان صحيحاً أنه ما كان يجب أن يحصل أصلاً، فالصحيحُ أيضاً أن "قانون" الوضع الفلسطيني يُفترض أن يتغلّب على ما عداه.
إذاً، حيال استحقاقات تُحفّز النظام السوري وحلفاءه على المضيّ في الانقلاب في لبنان، يبدو واضحاً انّ "نموذج غزّة" ليس مثالاً يُحتذى، وهو نفسه انتهى "عملياً" وإن كانت نهايته السياسية "الأخيرة" بحاجة إلى ممّرات طويلة.
طهران ودمشق.. والحرب الإقليمية
وفي الإطار الإقليمي أيضاً، انّ احتمالات الحرب في المنطقة تتقدّم على احتمالات التسوية.
لم تنجح المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية بـ"وسائطها" المختلفة في التوصل إلى تسوية في الملف النووي الإيراني. ولم تتمكّن إيران من "فكّ" الموقف الدولي ومن الدخول مع أطراف أوروبية في تسويات وصفقات بالرغم من "مرونة" متبادلة أوروبية وإيرانية إزاء ملفات إقليمية معينة، منها لبنان على سبيل المثال حيث أبلغت طهران باريس تأييدها انعقاد اللقاء اللبناني في "سان كلو".
ونظام دمشق الذي سعى باستمرار إلى "شيء كبير" يقلب الوضع الإقليمي رأساً على عقب بما يؤدي إلى إسقاط المحكمة الدولية وإلى تجديد التفاوض الدولي والإقليمي معه كلاعب رئيسي، يجد نفسه اليوم أمام احتمال حرب إسرائيلية "استدعاها" بنفسه، وهي حرب تلبي مصلحة إسرائيل في تحسين صورة جيشها بعد حرب تموز 2006.
تأسيساً على ما تقدم، وأخذاً للإطار الإقليمي في الاعتبار، يتبيّن انّ الإنقلاب في لبنان الذي يمثّل استراتيجية النظام السوري وحلفائه، يفتقد إلى "النموذج" من ناحية ويسابق احتمالات حربية في المنطقة تجعل مصير هذا الانقلاب رهناً بنتائج الخطوط الحربية الإقليمية من ناحية ثانية.
داخل "المعارضة": عون وبرّي
في الانتقال إلى الجانب الداخلي، داخل "المعارضة" تحديداً، تتبدّى صورة من الارتباك السياسي الحقيقي.
في هذه الصورة، تؤكد أوساط مطلعة انّ الجنرال ميشال عون الذي تبنّى خلال كلّ المرحلة السابقة خطاب "المعارضة" بالكامل، يجدُ نفسه في المرحلة الراهنة غير قادر على السير في الانقلاب إلى آخره. وتقول الأوساط انّ عون يؤكد انه لا يحتمل أمام البيئة المسيحية السير في "حكومة ثانية" يطلبها محور دمشق ـ طهران، وانّ أكثر ما لا يحتمله هو الاحتمالات الأمنية الخطيرة التي يمكن أن تواكب الانقلاب، قبله وبعده. وتلفت إلى احتمال تمييزه لنفسه في وقت من الأوقات، على غرار تمييزه النسبي لنفسه في ما يتعلّق بأحداث مخيم نهر البارد وتداعياتها لجهة وقوفه بجانب معركة الجيش.
وفي الصورة أيضاً، ما تفيدُ به مصادر سياسية عن رفض الرئيس نبيه بري "الحكومة الثانية" وأي خطوة من قبيل حلّ المجلس النيابي، وهذا ما يعبّر عنه في صيغة التمسّك بـ"حكومة وحدة وطنية". وتلفت المصادر أيضاً إلى تميّز مواقف بري من أحداث نهر البارد ومن الجيش.. ومن القرار 1701 في "مناسبة" الاعتداء على "اليونيفيل".
الارتباك والمأزق
صحيح انّ العادة جرت أن يتّخذ "المركز" الإقليمي السوري ـ والإيراني ـ القرار نيابة عن حلفائه. وصحيح انّ "تذمّرات" أطراف في "المعارضة" لم تدُم طويلاً كما تدلّ التجربة، وانّ سياسة مسايرة مطالب النظام السوري البلاحدود أدّت إلى نتائج سلبية على البلد وعلى هذه الأطراف. وصحيح انّه من المبكّر الحديث عن نضوج "تناقضات" داخل تحالف "المعارضة" لأنّ لذلك علاقة بتطوّرات كثيرة محلياً وإقليمياً. بيد انّ الصحيح في المقابل، هو انّ ثمّة ارتباكاً تجاه "الصيغة السياسية" للانقلاب، وانّ ثمّة "عُسراً" في مقاربة "المعارضة" للمرحلة التالية.
والسؤال المطروح بعد ذلك هو: ماذا إذاً؟
بالنظر إلى الانقلاب في الإطار الإقليمي وفي الإطار الداخلي لـ"المعارضة" نفسها كما في الإطار الداخلي اللبناني ككل، يتبيّن انّ النظام السوري وحلفاءه يواجهون مأزقاً هو بالتعريف مأزق الترجمة السياسية للانقلاب، أي مأزق الصيغة السياسية.
الخطّ الأمني
هذا الاستنتاج يجب تسجيله، لكن معه لا بدّ من الانتباه إلى مسألتين.
الأولى انّ ذلك لا يعني انّ العقل الجهنّمي للنظام السوري سوف "يستسلم"، لانه مرشّح دائماً لأن "يخبط خبط عشواء" من دون النظر إلى العواقب، خاصة في مرحلةٍ يعتمد شعار "عليّ وعلى أعدائي".
أمّا الثانية، وهي الخطيرة جداً، فأن يعبّر الفشل السياسي عن نفسه بـ"خطّ أمنيّ"، أي أن يُخليَ "الخطّ السياسي ـ الأمني المركّب" مكانه لـ"خطّ أمني" صافٍ لا يفتح أي أفق سياسي لكنه يكتفي بقدرته التفجيرية.
بناء على كل ذلك، لا شك انّ حركة 14 آذار "تتقدّم" بنقاط كثيرة على "الفريق الآخر". فهي تتقدّم على صعيد الموقفَين العربي والدولي. وتتقدّم قياساً إلى المأزق السياسي لـ"المعارضة".
بيد انّ ذلك لا يعفيها في أي لحظة من مسؤولية متابعة إنعكاسات مأزق "المعارضة" على مكوّنات هذا الفريق، ومن مسؤولية الكشف المستمر لـ"الخطّ الأمني" ضمن هذه "المعارضة"، ومن مسؤولية الانتباه الشديد إلى "الوضع الميداني".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.