لا مفرّ من الاعتراف بأن البيان الشهري الأخير لمجلس المطارنة الموارنة أحدث "عاصفة رعدية" في سماء لبنان. بيدَ أن هذا الاعتراف لا يمكن إلاّ أن يكون مقروناً بتسجيل حقيقة أخرى، هي أنه كان له وقع المفاجأة.
لبنانيون كثر فوجئوا، لأنهم اعتادوا أن يكون البيان الشهري بمثابة جردة سياسية عامة لأحداث الشهر الذي سبق، وأن يتضمّن المواقف الحاسمة للكنيسة حيالها.. وما انطلقت الكنيسة في مواقفها يوماً إلاّ من موقع لبناني عام.. وفي أحيان قليلة لكن مفصليّة من الموقع المسيحي في الشراكة الوطنية.
خلوّ البيان من أحداث حزيران
بهذا المقياس، فوجئ لبنانيون كثر أن يأتي بيان شهر تموز خلواً من مواقف تجاه ما جرى في شهر حزيران الماضي من أحداث كثيرة وخطيرة. ذلك أن شهر حزيران شهد انطلاق المرحلة الجديدة من حرب النظام السوري على لبنان بعد إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع في مجلس الأمن، فشهد اعتداء عصابة "فتح الإسلام" الإرهابية على الجيش في نهر البارد، واغتيال النائب الشهيد وليد عيدو، والاعتداء على "اليونيفيل" والقرار 1701. وشهدَ إفشال النظام السوري وحلفائه لمبادرة الوفد العربي برئاسة الأمين العام عمرو موسى. وخلال تموز الجاري يناقش مجلس الأمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول تطبيق القرار 1701 بعد أن كانت لجنة دولية مستقلة تقصّت الحدود اللبنانية ـ السورية وأوصت بنشر مراقبين دوليين عليها. وفي تموز أيضاً التقرير الفصلي لرئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس. وفيه تقف المنطقة على أبواب "المجهول" الذي يهدّد لبنان بعد أن أُوقف عشرات الإرهابيين الذين اعترفوا بخططهم التخريبية، وبعد أن كشف الحلفاء السياسيون لنظام الأسد نواياهم تجاه المستقبل السياسي والدستوري للبنان.
المطالب المُثارة: أين الخلل في الشراكة الوطنية؟
غاب كل ذلك عن البيان الشهري الأخير. وحلّ مكانه ما يشبه البيان "المطلبي".
ربّ سائل هنا: وهل الكنيسة، خصوصاً رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير بحاجة كل شهر الى تقديم "أوراق اعتماد" سياسية لدى الرأي العام اللبناني؟ والجواب السريع عن هذا السؤال هو: طبعاً لا فللكنيسة وبطريركها مخزونٌ سياسي وطني كبير لا ينضب.
وربّ سائل آخر يسأل: وهل إذا لاحظت الكنيسة خللاً في موقع المسيحيين في أي مكان، تسكت عنه؟ والجواب السريع عن هذا السؤال هو أيضاً: طبعاً لا فللكنيسة واجب في هذا المجال.
غير أن ما أثاره بيان تموز من مطالب "مسيحية" انطلاقاً من عناوين تملك الأراضي من غير اللبنانيين وانضمام لبنان الى عهد حقوق الطفل في الإسلام، وامتحانات قوى الأمن الداخلي، لا يدخل في خانة الخلل على مستوى التوازن الطائفي ـ الوطني. لماذا؟
لأن واقع الأمر أن الأرقام في ما يتعلّق بموضوع العقارات، ليست كما جرى تصويرها، وهي في إطار القوانين المرعيّة. وعلى أي حال فإن توضيحات مجلس الوزراء أمس يفترض أن تكون كافية.
ولأن المسألة في قوى الأمن الداخلي باعتراف بيان المطارنة ليست مسألة "توازن" بل هي مسألة "كفاءة" كما قال.
ولأن الانضمام الى معاهدة حقوق الطفل المسلم يمكن مقاربته على أساس أن لبنان بلد العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي وبما يفرضه من صيغة للتعاطي مع أي معاهدة من أي نوع.
"حملة المطران" وبؤس شعار "الأسلمة"
ومع ذلك، وعلى افتراض أن ثمة أخطاء ما، ألا يمكن معالجتها بـ"طريقة" أخرى؟
لذلك، فإن المفاجأة من بيان تموز ليست متأتية فقط من التغييب غير المبرّر لـ"السياسة" الوطنية، وليست متأتية من وجود شكوى للمسيحيين من أداء معيّن بصرف النظر عن صحة الشكوى من عدمها، بل هي ناجمة عما تبع البيان من حملة قادها أحد المطارنة مرّة في مقابلة تلزيونية وأخرى في مقابلة صحافية تحت عنوان أن لبنان يتعرّض لـ"الأسلمة"، وهو الأمر الذي وجد صداه في بيان صادر عن أحد المراكز الإعلامية.
يستحيل تصوّر أن البطريرك موافق على الحملة. لماذا؟
لأن الطرف المسلم "المتّهم" من جانب ذلك المطران بـ"الأسلمة" هو رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة وزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري. فهل يصدقنّ أحد أن السنيورة والحريري يؤسلمان لبنان؟ وهل نسي أحدٌ، لا سيما المسيحيون أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي اتهم في وقت من الأوقات بأنه يؤسلم لبنان من المطران نفسه وعدد من الأشخاص في الكنيسة في لعبة مخابراتية آنذاك، استشهد بالضبط لأنه شكل الرافد المسلم للاستقلال اللبناني الثاني، ولانه تمسك بـ"التوازن الوطني" وترجم تمسكه هذا بالشراكة مع البطريرك؟ وهل نسي أحد أن مأثرة رفيق الحريري في الطائف كانت تمسّكه بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين أياً يكن العدد؟.. وهل يكون الشريك المسلم الذي لاقى المسيحيين في شعار "لبنان أولاً" متهماً بنيّة الأسلمة؟
ثمّ هل يمكن أن يكون سعد الحريري في صدد مواجهة الإرهاب المتلطّي بـ"الإسلام"، والتخريب السوري وهو في نفس الوقت في صدد "الأسلمة"؟ وهل يصدّق أحد أنّ قوى الأمن الداخلي عندما تتصدّى لعصابة العبسي، تفعل ذلك لمصلحة سنّية؟ أو أنّ الشهداء السنّة في الجيش سقطوا من أجل أن يسيطر المسلمون السنّة على البلد؟.
التناقض بين البيان ومقررات المجمع البطريركي
هذه الأسئلة تجد الجواب عنها في المقررات السياسية ـ الوطنية للمجمع البطريركي العام الماضي.
وعلى ذكر المجمع البطريركي الماروني، فإن أهم مقرراته على الاطلاق، جسّده تبنّي الكنيسة لعنوان "الدولة المدنية الحديثة". وبالمناسبة فإن الاستجابة الأولى لهذا العنوان جاءت ممن يتهمهم المطران نفسه بالأسلمة. والكنيسة في طرحها والاستجابة المسلمة لهذا الطرح، شددا على أن اتفاق الطائف هو مرجعية بناء "الدولة المدنية الحديثة"، تماماً لأن الطائف يشتمل على الضمانات لـ"التوازن الوطني".
لذلك، فإن المفاجأة من بيان تموز لمجلس المطارنة الموارنة، بالإضافة الى كل ما سبق ذكره من أسباب، هي من ذلك التناقض بين "خطاب الدولة المدنية" في مقررات المجمع الماروني من جهة وبين "خطاب التفاصيل" في البيان من جهة أخرى. فهل ما يطمح اليه مجلس المطارنة هو "تغيير" الدولة أو إبقاؤها على ما هي عليه.. ودائماً مع التذكير بضمانات اتفاق الطائف؟
ثم، حتى لو كان ما تضمنه بيان تموز صحيحاً مئة في المئة، وهو ليس كذلك بالرغم من اخطاء التنسيق بين الحكومة وبكركي، هل يصح ان تنكفئ الكنيسة من موقعها كمرجعية وطنية عامة الى الحديث في تفاصيل حصة هنا او هناك مما يمكن ان تقوم به "الرابطة المارونية" على سبيل المثال؟
لحود مصدر الخلل: هكذا كان موقف الكنيسة دائماً
ثمة شك في ان يكون البطريرك في "جو" الحملة.
ويزداد الشك، بالعلاقة مع اعتبارات يمكن بسهولة استقاؤها من مواقف مشهودة للبطريرك ومجلس المطارنة من ناحية ومن معطيات راهنة لا يمكن للخطة تصوّر أن الكنيسة محايدة إزاءها من ناحية ثانية.
سبق للكنيسة ـ ورأسها ـ أن حددت مصدر الخلل بالنسبة الى موقع المسيحيين في الشراكة الوطنية. في العام 2004 رفضت الكنيسة بوضوح التمديد لإميل لحود لاعتبارات وطنية ودستورية، ولاعتبارات مسيحية. وفي العام 2005 جَردت الكنيسة النتائج الكارثية للتمديد. وفي العام الحالي 2007، طالب البطريرك لحود علناً بالتنحي ووجه له رسالة بهذا المعنى أيضاً. ولم يتوقف البطريرك عن تحذير لحود من الفراغ في رئاسة الجمهورية ومن تقسيم السلطة التنفيذية.
مصدر الخلل بحسب الكنيسة، عظات للبطريرك ومواقف معلنة وبيانات شهرية، هو الواقع الحالي لرئاسة الجمهورية. فكيف بين ليلة وضحاها يصبح مصدر الخلل بالنسبة الى أحد المطارنة أو بعض المطارنة مشروع لـ"أسلمة" البلد يحمله الفريق المسلم في ثورة الارز؟
"حملة الأسلمة" تشجيع للانقلاب السوري
ويزداد الشك في أن يكون البطريرك في "جو" الحملة من حقيقة أن هذه الحملة تخدم لحود ومن ورائه محور دمشق ـ طهران.
هذا الاستنتاج يبدأ أولاً من "الشكل". فلو كانت الغاية تصحيح "أخطاء ما" اقترفها مجلس الوزراء لكانت المعالجة سلكت طريقاً مختلفة.
لكن الاستنتاج قائم على الربط السياسي بين مختلف أجزاء "الصورة".
فليس خافياً على أحد، وعلى المطارنة الموارنة بالتحديد أكثر من غيرهم، أن لحود يدعي أن حكومة الرئيس السنيورة "غير شرعية" مستنداً في ادعائه الى أن الحكومة تفقد التغطية الشيعية السياسية. وليس خافياً على أحد، وعلى المطارنة الموارنة بالتحديد، أن وصول بعض المطارنة الى حد اتهام الحكومة، وهي حكومة الاستقلال الأولى بعد الوصاية السورية المباشرة، بأنها تؤسلم البلد، يعني إسقاط التغطية المارونية عن الحكومة، وهي تغطية استمدتها من بكركي، لأن البطريرك كان ولا يزال الموقع الاستقلالي الأول.
إن "المستفيد" من الحملة هو لحود الذي سيجد فيها غطاء لخطّته الانقلابية الهادفة الى تشكيل ما يسمى "حكومة طوارئ" من خارج الدستور ونصوصه الواضحة.
ثمة شك في أن يكون البطريرك في جوّ "الحملة"، بالضبط لأن هذه الحملة في "السياسة" تعني تشجيع المشروع الانقلابي المُدار من دمشق ـ وطهران ـ ضد استقلال لبنان وضد مساره الديموقراطي. وقد يكون "بعضهم" ضخّم أمامه العناوين المُثارة، موحياً بأن بياناً يصدر عن الاجتماع الشهري لمجلس المطارنة سيكون مفيداً لتصحيح الوضع، لكن هذا "البعض" كان يبيّت نيّة الحملة بأغراض سياسية.
الانقلاب هو مصدر الخطر على المسيحيين
تأسيساً على ما تقدّم، لا بد من القول إن الحملة يجب أن "تنطفئ" بأمر بطريركيّ فوريّ. ويجب أن تؤسس توضيحات مجلس الوزراء لمعالجة شفّافة.
ويجب إعادة الاعتبار فوراً لثلاثة أمور مترابطة. الأول هو أن لبنان لا يزال في صميم معركة استكمال الاستقلال لبناء دولة الاستقلال، والبطريرك هو القائل أن هذه المعركة لم تنتهِ بعد. والثاني هو أن بكركي تمثّل الركن الأول في حركة الاستقلال وفي معركة الاستقلال. والثالث هو أن سيد بكركي يجسّد المرجعية الوطنية "العامة" لمعركة الاستقلال والحرية، ومن موقعه هذا، لا بد أن يكون بالمرصاد للانقلاب السوري ـ والإيراني ـ ضد لبنان.
لا خطر من الشريك المسلم، وهو ليس في وارد ما تقوله "حملة المطران". الخطر على لبنان، وعلى المسيحيين هو من الانقلاب في حدّيه الأدنى والأقصى. الأدنى أي الفوضى والتفجير. والأقصى أي إعادة النظر في "الصيغة".
أما اللبنانيون الذي فاجأهم بيان تموز، فسيعودون الى قراءة كتاب المجمع الماروني، حيث انتقدت الكنيسة التجارب المسيحية السابقة وتضييع الهدف بما هو العيش المشترك والدولة المدنية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.