لم يكن في الاعلان الأميركي عن إعتقال قيادي أمني من "حزب الله" في العراق أي مفاجأة "نظرية". وفي مراحل معينة بعد العام 2000، عندما أُعلن فلسطينياً وإسرائيلياً ان لـ"حزب الله" دوراً على صعيد تقديم "الخبرات" للانتفاضة وان له حضوراً معيناً في المناطق الفلسطينية، لم يكن ثمة مفاجأة "نظرية" أيضاً.
فائض الطاقة
ليس من مفاجأة "نظرية" بمعنى انّ أخباراً من هذا النوع قابلة لـ"التصديق". وهي كذلك لأن المشروع "الايديولوجي" للحزب "يحتمل" تمدداً في أكثر من "ساحة" تحت عنوان تكامل حلقات "المقاومة" ضد "المشروع الأميركي" في المنطقة. وهي قابلة للتصديق لأن "حزب الله" اعتبر مقاومته "نموذجاً" قابلاً للتعميم من جهة ولأنه اعتبر ان في تجربته فائض طاقة يمكن تصريفه او تصديره الى ساحات أخرى من جهة ثانية، مؤسساً في ذلك على "صورة" اكتسبها في العالمين العربي والاسلامي.
دور "الوكيل"
بيد ان ما يسترعي الانتباه عندما تُستجمع كل ميادين فعل الحزب، يتعلق بأمرين رئيسيين. الأول هو ان هذه الصورة للحزب بين لبنان وفلسطين والعراق (على الأقل) تفيد انه ليس مجرد حزب حليف للجمهورية الاسلامية الايرانية في لبنان، بل انه جزء عضوي من "القيادة الايرانية" في مكان ما، أي أنه جزء من الاستراتيجية الايرانية اقليمياً. والأمر الثاني هو ان "حزب الله"، بموجب هذا "الموقع" المعطى له ضمن آليات نظام الجمهورية الاسلامية أو "التنظيم الاقليمي" الايراني، يبدو "وكيلاً" لايران جعل من لبنان نقطة انطلاق وارتكاز.
بكلام آخر، ان ربط كل أجزاء الصورة، يسمح بـ"إعادة" اكتشاف العلاقة "البنيوية" بين ايران و"حزب الله"، وباعادة تحديد الأمور على حقيقتها، أي أن ثمة مشروعاً إيرانياً إقليمياً، يشارك "حزب الله" في قيادته "ميدانياً". وبالنسبة الى كثيرين، قد يكون إعلان إعتقال القيادي من "حزب الله" في العراق حجة مضافة في السجال السياسي تؤكد ان الحزب "تابع" لايران وللمحور الايراني ـ السوري، أي أن مجرد الاعلان هذا يكشف ما كان الحزب ينكره عن دور خارجي لـ"مقاومته" بكل لوجيستيتها.
حزبٌ في لبنان وعضو في مركز خارجي
غير انّ ما تقدم على صعيد استجماع الصورة، يطرح مشكلة لبنانية كبرى. ففي لبنان حزب "فوق لبناني" لا بل حزب عضو في "مركز" اقليمي، أو في "كومنترن" إيراني ("الكومنترن" كان في وقت من الأوقات صيغة مركزية للأحزاب الشيوعية السوفياتية)، أي أن "لبنانيته" مجرد "تلوين" يدخل على "هويته". وفي لبنان لا يكشف "حزب الله" البلد على "الخارج" بل هو بهذا المعنى التعبير المباشر عن هذا "الخارج".
من حق كثيرين أن يسألوا: وما الجديد في كل ذلك؟ وماذا تريد هذه المقدمات أن تقول؟
لا شك بداية ان إشكالية "الداخل" و"الخارج"، تاريخية في لبنان. وتاريخياً كان أثر "الخارج" على "الداخل" كبيراً، ولو بدرجات متفاوتة بين مرحلة وأخرى.
تجارب سابقة.. فاشلة
لكن لم يسبق في التاريخ السياسي اللبناني ان مرّت حالة حزبية شبيهة بـ"حزب الله" أو تجربة مشابهة لتجربته التي اتسع "مداها" في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية.
في التاريخ السياسي اللبناني المعاصر علاقةٌ مشهودة لتشكيلات عروبية مع ناصرية جمال عبد الناصر. حصل استقواءٌ بعبد الناصر، غير انّه لم يعرف انّه كان للزعيم المصري العربي حزبٌ "خاص" في لبنان جزءٌ من البنية القيادية في مكان ما منها. ومع ذلك، يذكر التاريخ ان الزعيم الراحل حرص بعد العام 1958 على مراعاة الخصوصيات اللبنانية بنسبة كبيرة، وانه أقام مع "الدولة" اللبنانية لا سيما مع فؤاد شهاب علاقة "متوازنة".. وانه كان خلال مؤتمرات القمة العربية يوصي بالانتباه الى حساسيات الوضع اللبناني.
وفي التاريخ السياسي اللبناني المعاصر علاقةٌ مشهودة لـ "اليسار" مع "الثورة الفلسطينية". حصل استقواءٌ بها لتحقيق تغيير في الداخل اللبناني.. وانقسم البلد بشأنها. و"اعتقد" اليسار انه يستطيع ان "يوظف" الثورة الفلسطينية. لكن أحداً من "اليسار" في لبنان لم ينفذ عمليات لحساب "الثورة الفلسطينية" لا في فلسطين المحتلة ولا في الأردن ولا في أي بلد عربي آخر. ومع ذلك، كانت التجربةُ فاشلة في نتائجها.
باختصار، ان الهدف من هذا الايجاز "التاريخي" السريع، هو القول انّ التجارب السابقة استقوت بـ"الخارج العربي" لكنها لم تشكل جزءاً عضوياً من "تنظيم اقليمي أو دولي" مصري أو فلسطيني، ولم تنفذ استراتيجيات اقليمية. ثم عادت لتكتشف ان في الاستقواء تدميراً للداخل، ما فتح امامها سبل المراجعة والعودة الى لبنانيتها.. علماً ان هذه التجارب بالرغم من فشلها كان اصحابها يستطيعون ادعاء ان لهم "قضية".
يرفض التسوية الداخلية
لأنه لا يطرح مسألة لبنانية
إذاً، وبالعودة الى نقطة الانطلاق، لا مفرّ من الاعتراف بأن حال "حزب الله" بما هو جزء مكوّن من البنية القيادية والاستراتيجية الايرانيتين، تطرحُ مشكلة كبيرة تفسّر استعصاءات الازمة اللبنانية الراهنة.
ففي ضوء هذه الحالة الحزب اللهية، لا يمكن القول ان ما يجري في لبنان صراع سياسي طبيعي او لعبة سياسية ديموقراطية يدوران من جانب "حزب الله" حول عناوين داخلية فعلية.
وفي ضوء هذه الحالة، من الواضح ان "حزب الله" يتصرف تجاه فرقاء الداخل بوصفهم عدواً، بما انه يعتبر نفسه جزءاً من معسكر يهدف الى هزيمة "المشروع الاميركي" في المنطقة ككل. يصنّف فرقاء الداخل عدواً، ويرى فيهم في "احسن الاحوال" تفاصيل، فهو "اقليمي" يتعاطى مع "محليين هامشيين".
وفي ضوء هذه الحالة ايضاً، يُفهم تماماً لماذا يرفضُ "حزب الله" البحث في تسوية لبنانية لا بل يمنعُ حصولها. فهو لا "يصارع" من اجل قضية لبنانية بل من اجل ان ينتصر المشروع الاقليمي الذي يتبناه، في لبنان، فكيف اذا كانَ مستعداً للذهاب حتى العراق لمقاتلة اميركا او لتدريب المقاتلين ضدها؟
أفق مسدود
إذاً، في ضوء هذه الحالة، يمكن فهم حقيقة ان لا أفق مفتوحاً لتسوية مع "حزب الله" الذي يشكل لبنان بالنسبة اليه ساحة من ساحات المشروع الاقليمي، ومجرد "تفصيل". ولبنان يعني له مكاناً يجب ان يكون "آمناً" لتمدّده اقليمياً، وتخضع الامور عنده لمعيار "حاجة" المشروع الاقليمي.
يحصلُ ذلك في مرحلة كان ثمة رهانٌ لبنانيّ على استعادة دور "الداخل" تدريجاً، ولو بدءاً بـ"هامش"، وذلك كي تستقيم العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية بمرجعياتها الميثاقية والدستورية، وكي تستويَ العلاقات اللبنانية مع الخارج العربي والدولي على قدر من التوازن الفعلي.
هل هذه المقدمات جميعاً تتضمّن دعوة الى اليأس من "حزب الله" ومن إمكان التوصّل معه الى تفاهمات؟.
في الجواب عن هذا السؤال، يجب القول اولاً ان التوصيف السابق لواقع "حزب الله" وموقعه يفيدُ ان ثمة استحالةً لأي حل، بالضبط لأن ما يصارع الحزب من أجله ليس مسألة لبنانية، ولأن الجانب اللبناني الذي يطرحُه يندرجُ في خانة تحسين شروط وظروف المشروع الاقليمي "الأكبر".
ولا مفر من القول ثانياً ان إستحالة التوصل الى حل، خاصة في مدى منظور، ناجمة عن ان المشروع الاقليمي لا يزال مندفعاً، ويعتقد اصحابه ان آفاقه مفتوحة، وقد رددوا مراراً في الشهور الماضية ان المشروع الاميركي يفشل وانه سيُهزم.
عندما يدرك أنّ مشروعه حرب أهلية
غيرَ ان فتح الباب يتوقف على ثلاثة امور.
الاول هو ان يستفيد "حزب الله" من تجارب من سبقوه، ممّن حملوا مشاريع "فوق لبنانية" في لبنان وممن جعلوا الوضع اللبناني مرتبطاً حكماً بالوضع الاقليمي وممّن افترضوا ان استدعاء "الخارج" يؤسس لتغيير في "الداخل".
والثاني هو ان يدرك "حزب الله" ان مشروعه جعل لبنان ساحة من ساحات المشروع الاقليمي وان تمدّد طرف في لبنان باتجاه ساحات اقليمية اخرى، من شأنهما تفجير حرب أهلية في البلد، ناهيك عن جعل البلد ساحةً لتصفية حسابات دولية مع هذا الطرف، وانه إذ ذاك لا يعود معنى لا للحزب ولا لـ"أحلامه الثورية". ويكفي تذكيره هنا بأن أقدس قضية، وهي القضية الفلسطينية لم تستطع ان تعوّض ما أصابها من الحرب الاهلية اللبنانية الا بعد سنوات عندما قررت قيادتُها الانتقال بالقضية الى الداخل الفلسطيني. ويكفي تذكيرُه بأن أقدس قضية عادت لتتلقى أشد الضربات خطورة عندما اقتتل اهلها بفعل التدخل من جانب المشروع الاقليمي أياه الذي ينخرط فيه "حزب الله".
أما الثالث، فهو ان يقتنع "حزب الله" بأن دوره في اطار المشروع الاقليمي الايراني لـ"مواجهة" المشروع الأميركي لن يغير الموازين والمعادلات، ذلك ان للحروب الاقليمية "قوانينها" وللتسويات الاقليمية ـ الدولية ظروفها وشروطها.. وان دوره لا يفعل سوى انه يسلط الضوء عليه سياسياً في حين لا "يقدّم" في الملفات التي يشتغل فيها بل "يؤخر" فعلياً.
أوان التغيير؟
هذه الأمور الثلاثة، لا يبدو ان "حزب الله" في صددها الان. وبكلام آخر، لا يبدو ان "حزب الله" مستعد للاقتناع بأن ما يقوم به يدمّر البلد ومستقبله، ويؤذيه هو نفسه. فعندما يُقال لحزب الله انّ "القضية" التي تدافع عنها، حتى لو كانت "صحيحة"، تفجّر حروباً أهلية في لبنان وفلسطين.. وفي العراق، يُفترض ان "ينتبه" الى الخطر الذي دفع غيره قبله أثمانه وقبع بعدَها في زاوية التاريخ.. والنسيان.
لكنّه مصمّم على التجربة. وحيال ذلك يجب ان يُقال له، من دون توقع استجابته، انّ أوان التغيير قد حان. ففي انكفائه الى "الطابق اللبناني"، لا خسارة لأنّ المساهمة في بناء وطن ودولة هو "قضية" تستحق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.