8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الكنيسة المارونية: المعركة بينَ مَن مع البلد ومَن ضدّه ولا حياد

خلال الشهور والأسابيع الماضية، طرأ على خطة النظام السوري حيال "الساحة الإسلامية" تعديل، لكن هذه الخطة حيال "الساحة المسيحية" بقيت ثابتةً لم تتغيّر.
الفتنتان في الساحة الإسلامية
فبالنسبة الى "الساحة الإسلامية"، لم يكن خافياً للحظة واحدة أن النظام في سوريا "يرغب" في اندلاع فتنة سنية ـ شيعية. وقد بلغت محاولات استدراج هذه الفتنة ذروتها في أحداث يومَي الثلاثاء والخميس الأسودَين في 23 و25 كانون الثاني الماضي. بيدَ أن هذه المحاولات باءت بالفشل لأسباب عدّة، مِن بينها الاتصالات السعودية ـ الإيرانية آنذاك التي نجحت في تطويق احتمال الإنزلاق في هذا الاتجاه.
قد لا يكون نظام الأسد أقلعَ نهائياً عن هذه "الرغبة"، لكنه انتقل بعد ذلك الى الاشتغال على فتنة سنية ـ سنية. والخطة التي اكتُشفت من خلال المداهمات التي جرت لعصابة "فتح الإسلام" الإرهابية، كما من خلال اعترافات عناصرها الموقوفين، كانت تقضي كما صار معروفاً بتحويل الشمال اللبناني الى مجموعة من "الإمارات الإسلامية" من جهة وبتحويله منطقةً خارجة على الدولة والسلطة بمساعدة حركات إسلامية محلية وبغطاء من قياديين محليين من جهة ثانية، وأحد الأهداف الرئيسية هنا هو محاولة إحداث انشقاق سني عن "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري. وغنيّ عن القول أن هذه المحاولات جميعاً لو نجحت، كانت لـ"تعمّم" بشكل أو بآخر. ومَن ينسى أن المخابرات السورية، خلال وجودِها العلنيّ في لبنان وبعد الانسحاب الرسمي منه، نظّمت في غير مكان مجموعات بواجهات سياسية وبلا واجهات سياسية، كي تكون "غبّ الطلب" وتؤدي الأدوار القذرة.. والمعدّة دائماً لاستهداف "المستقبل" والحريري والاعتدال الإسلامي السني؟
حتى التفجير الإرهابي انطلاقاً من مخيم نهر البارد، والذي تلى ضرب "خطة الإمارات" في المهد، كانت إحدى غاياته إحداث فتنة سنية ـ سنية. ذلك أن الهدف كان إحداث انقسام فلسطيني ـ لبناني، وإحداث انقسام لبناني ـ لبناني ضمن السنة. أما إقحام "القاعدة" في المشهد السياسي، فإن له الغاية نفسها: فهذه "القاعدة" السورية المنشأ والصُنع موجّهة لاستهداف السنة من أهل الاعتدال والوسطية.. والاستقلال.
تخويف المسيحيين: فزّاعة التوطين
هذا كلّه مما كان مكشوفاً ومفضوحاً.. وفشل.
أما بالنسبة الى "الساحة المسيحية"، فقد اعتمدت الخطة السورية التي كلّف رئيس التمديد إميل لحود بجزء رئيسي منها، شيئاً من الابتعاد عن الأضواء، والهدف تخويف المسيحيين.
ركّز إميل لحود، بطلب من نظام دمشق، على تخويف الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، من الأوضاع وتطوّراتها، ومن المستقبل الأسود الذي ينتظر مسيحيي لبنان. زار البطريرك والتقاه أكثر من مرة وكلّف "فرقة" أعطاها مهمة واحدة: ملازمة بكركي أطول وقت ممكن و"النقّ" والإحباط.
بلغت هذه الخطة ذروةً معيّنة في الأسابيع الأخيرة. استُخدمت في حملة تخويف الكنيسة "فزّاعة" التوطين. وقد قيلَت للكنيسة أكاذيب مخابراتية سورية: فإذا بالعصابة في مخيم نهر البارد تنفّذ خطة للولايات المتحدة والأكثرية للتوطين، وإذا بمحاولات معالجة أوضاع المخيّمات محاولات لتكريس التوطين!
التخويف من فشل الجيش
ولم تقِف الأكاذيب عند هذا الحدّ. فلحود وأعضاء "الفرقة" أو "الجوقة" تباكوا أمام رأس الكنيسة على الجيش. قالوا إن الجيش وُرّط. وقالوا إنه مُتعب ومرهق وانه قد "يفرُط". وقالوا إنه لن يستطيع ضرب "الظاهرة" الإرهابية. وقالوا إن الجيش ـ الذي يُفترض بحسب ادعاءاتهم أنه يواجه التوطين ـ سيخرج من المعركة "مبرّحاً"!
على خط موازٍ، اشتغل لحود "على" الجيش. وكان همّه النيل من عزيمة المؤسسة العسكرية وإحباط قرارها بالحسم مع الإرهاب. لبسَ وجه الحرص على المؤسسة والخوف عليها. لكن هدفه لم يكُن خافياً، وهو الحؤول دون انتصار يسجّله الجيش في هذه المعركة. وهذا الهدف لا يخدم حملة التخويف للكنيسة والمسيحيين من خلالها وحسب، ولا يشكّل فقط تلاعباً بمؤسسة تُعدّ تاريخياً في "الخانة المسيحية" نظراً لائتمارها بقيادة مسيحية ولو أن قيادتها لا تتصرّف طائفياً.. إنما الهدف هو ما فضحه "مصدر رسمي" سوري قبل يومين حين اعتبر أن الجيش ـ أي قراره السياسي ـ فشل وأن هذا الفشل هو فشلٌ للمشروع الأميركي!.
التخويف من المسلمين
على أن "الفرقة اللحودية"، ولمزيد من التخويف، لجأت في الأيام الماضية الى "عدّة شغل" قديمة هي تخويف المسيحيين من المسلمين.
كان قرار مجلس الوزراء القاضي بإلغاء عطلة "الجمعة العظيمة" والاكتفاء بعطلة إثنين الفصح، قد اتخذ، بصرف النظر عن صحّته من عدمها، بالتشاور مع عدد من المطارنة. وفي "أسوأ" الأحوال أو "أحسنها"، فإنّ القرار المذكور يتعلّق باختلاف مسيحي ـ مسيحي في تقدير الموقف، ولا علاقة للمسلمين به، أي أن القرار ليس موقفاً مسلماً ضد المسيحيين.
المطران الراعي و"الفخ اللحودي"
اختار لحود المطران بشارة الراعي ليلعب لعبته. فالمطران الراعي كان بعيداً عن المشاورات المشار إليها ولا يعرف تالياً كيف وُلد القرار. ذهب موفدو لحود جماعةً او أفراداً، وقد ذكرت معلومات انهم وزيران مارونيّان سابقان في "حكومة ما بعد التمديد" ومرشّح شيعيّ لحودّي مِن جبيل، الى الراعي عند صدور القرار في الجريدة الرسمية لـ"يحرّضوه". قد يكون المطران اعتقد انّ ثمة "تهريبة" ما، فإذا به يقع مع الأسف في الفخّ، فأطلق العنان في مقابلة تلفزيونية لكلام عن "أسلمة" البلد. وبالفعل، إنّه أخطأ، لأن مطراناً مسؤولاً لا يقول كلاماً من هذا النوع، ولأنه قاله في لحظة التوجّه ـ بعد التشاور مع البطريرك ـ الى إلغائه، ولأنّه لا يمكنه أن يحكم من دون معرفة ما كان حاصلاً، وإن كان عارفاً فـ"المصيبة أعظم".
إذاً، اعتمدت الخطة السورية حيال "الساحة المسيحية" التخويف من المستقبل والمصير: من التوطين، من عدم قدرة الجيش، من "الأسلمة"، وكل ذلك فيما لم يجرِ "إعفاء" المناطق المسيحية من التفجيرات الإرهابية التي كان هدفها ترويع المجتمع الأهلي.
"محاولة" تكرار "جوّ" 2005
غير انّه كان للتخويف هدف سياسي. وهذا الهدف السياسي هو إيجاد "جوّ" مسيحي شبيه بـ"الجوّ" الذي ساد عشيّة الانتخابات النيابية الأخيرة العام 2005. وبكلام آخر، كانت الغاية خلق مناخ يعيد شدّ البيئة المسيحية باتجاه البحث عن "حماية"، فيتم بذلك تعويم "الحليف" الجنرال ميشال عون من جديد.
ولا يقف الهدف السياسي هنا فقط. فخطّة نظام الأسد عبر إميل لحود مستعدّة للذهاب الى حدّ تأليف حكومة ثانية. صحيح انّ حكومة ثانية هي إنقلاب على الطائف وعلى الدستور. وصحيح انّها من أجل إدخال البلد في النفق. بيد انّ "الخطّة" تريد أن "توحي" بأنّ لها قاعدة أي أنّها تستند الى تمثيل "كبير" لطائفتين كبيرتين، هما الطائفة الشيعية والطائفة المارونية. وبهذا المعنى، فإنّ للتخويف وظيفة هي تأليب الوضع المسيحي باتجاه "التيار الحليف" ليندرج في الحكومة الثانية. لكن حتى "التيار الحليف" واجه تحذيراً قبل بضعة أيام مصدرُه مسؤول نيابي في "حزب الله". فقد قال هذا المسؤول ما مفادُه أنّ موقف الحزب من أي مرشح الى رئاسة الجمهورية سيعتمد مقياساً أساسياً هو موقف هذا المرشح أو ذاك من الانتخابات النيابية الفرعية!. وهذا التحذير واضح: إنه يعني أنّ "حزب الله" لا يعلن حتى الآن أنّ مرشحه الرئاسي هو رئيس "التيار الحليف"، ويدعو رئيس "التيار" الى مقاطعة الانتخابات الفرعية.. لأنّ "مشروع الحكومة الثانية" قائم ويمثّل الحلقة الرئيسية التي يجب ان يندفع "التيّار" اليها.
موقف الكنيسة ومعادلتها
وكما فشلت الخطّة السورية في الدائرة السنّية ـ الشيعية وفي الدائرة السنّية، فهي فشلت مسيحياً.
والتعبير الأهم عن ذلك الفشل، جاء في صيغة معادلة حدّدها مسؤول كنسي كبير باسم الكنيسة المارونية، قبل أيام.
أكد المسؤول الكنسي الكبير أنّ ثمّة في البلد الآن معركة تدور حول استقلال لبنان وسيادته وحريته وعيشه المشترك وموقعه ودوره. وأكد انّ الكنيسة ليست محايدة في هذه المعركة. وقال إنّ هناك في لبنان من هم مع البلد، وهناك من هم ضدّه. وخلص إلى أنّ موقف الكنيسة هو مع البلد ومع من يقف معه. نأخذ البلد أولاً ثم نرى، نأخذه ثم نختلف.. قال.
وفشلت أيضاً لأن الجيش تقدّم وأنجز. وفشلت إذ غدا البحث في "حكومة ثانية" بحثاً عن تركيبة غير ذات قاعدة تمثيلية.
تلك المقدّمات جميعاً، تشرحُ ما وصلت إليه خطّة نظام الأسد في الداخل اللبناني. وفي هذا الإطار، لا جدال في أنّ ثمّة تلاقياً إسلامياً ـ مسيحياً حول عناوين الاستقلال والحرية، والتعلّق بمستقبل لبنان.
على انّ هذا الفشل السوري في الداخل اللبناني، على الرغم من الأكلاف الباهظة ومن مواصلة نظام الأسد التخريب والتفجير، يفسّر الى حدّ كبير حال التوتّر و"الجنون" التي يعيش فيها.
الرسالة الدموية إلى "اليونيفيل": النتيجة المعاكسة
والتعبير "الأصدق" عن الجنون الناجم عن محاولة مسابقة الزمن، هو الرسالة الدامية التي وجهها الى المجتمع الدولي من طريق التفجير الذي استهدف الكتيبة الاسبانية العاملة في "اليونيفيل" والذي أودى بستّة جنود إسبان.
كان واضحاً أنّ نظام الأسد، على أبواب مناقشة مجلس الأمن تقرير الأمين العام بان كي مون حول سير تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تقرير اللجنة الدولية المستقلّة لتقصّي الأوضاع على الحدود اللبنانية ـ السورية، إنما أراد بذلك التفجير الدموي، توجيه رسالةٍ الى الدول الأوروبية بأن "تبتعد" عن الولايات المتحدة و"إلاّ" فإن القوات الأوروبية في إطار "اليونيفيل" ستكون بمثابة "رهائن"، أي أن "اليونيفيل" كلها ستكون في خطر.
أعطى "الإنذار" السوري نتيجةً معاكسة. فقد أوصت بعثة تقصي الحدود بنشر خبراء دوليين لمساعدة لبنان على مراقبة حدوده مع سوريا وضبطها. وفي غضون الساعات المقبلة يتّخذ مجلس الأمن قراره في هذا المجال.
لا أفق لـ"الجنون"
إذاً، يستطيع النظام السوري أن يخرّب وأن يفجّر. ويستطيع أن يُطلق رصاصاته كلها ودفعة واحدة. ويستطيع أن يبدو قادراً على تنويع وسائل الإرهاب. ويستطيع أن يبدو مالكاً زمام المبادرة في ملء الوقت بالتخريب والقتل.
غير أنه في النتائج "السياسية" لا يحقّق أي إنجاز. ولا يبقى أمامه إلاّ المزيد من "الجنون". تبقى أمامه كما قال رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط "محاولة" استدراج نزاع إقليمي واسع، لا يتوقّف عليه وحده. ومثل هذا السيناريو سوف يستخدم لبنان، لكنه آيلٌ الى الفشل. فزمن السبعينات ومرحلة الحرب الباردة.. وضعف الولاء اللبناني للبنان في طوائف عدة.. أمور لم تعُد قائمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00