في اللقاءات التي أجراها مع قادة 14 آذار، كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى يقرأ نصّ القرار الصادر عن مجلس وزراء الخارجية العرب الذي يحدّد طبيعة مهمة الوفد العربي في لبنان وأهدافها.
نصّ قرار الجامعة أساس مهمّة الوفد العربي
وبالإستناد إلى نصّ القرار الذي يتضمّن مساعدة لبنان على ضبط حدوده مع سوريا، باعتبارها ـ من دون أن يقول القرار ذلك صراحة ـ معابر للسلاح والمسلّحين وخلايا الإرهاب وفرق الموت من جهة ويتضمّن أيضاً مساعدة اللبنانيين على استئناف الحوار عبر استكشاف آفاقه من جهة اخرى، كان الوفد العربي يُسارع الى استنتاج انّ مهمّته اللبنانية من شقّين: شق خارجي إقليمي، وآخر لبناني داخلي.
بهذا المعنى، سمحت قراءة نصّ القرار وسمح استنتاج الوفد العربي عن الشقّين في مهمّته، لقيادات 14 آذار بالتأكيد على عدد من الأمور.
فمن وجهة نظر 14 آذار، من الواضح أولاً انّ ثمة حرباً سياسية ـ مخابراتية ـ إرهابية يشنّها النظام السوري على لبنان، تدخل في خانة اعتداء تنفّذه دولة عربية على دولة عربية أخرى، كما من الواضح انّ هذه الحرب السورية هي ما دعا الحكومة اللبنانية إلى طلب انعقاد مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، وهي ما استدعى "التدخّل" العربي الراهن.
"القفز" المستحيل من الإقليمي السوري إلى الداخلي
من وجهة نظر 14 آذار إذاً، فانّ الأولوية هي لمواجهة الحرب السورية. وإذا كان لبنان بدولته وجيشه وحكومته وقياداته الاستقلالية، يواجه هذه الحرب "ميدانياً"، فانّ الموقف العربي لا بدّ أن يعبّر عن التضامن مع لبنان، وهذا ما عكسه قرار مجلس الجامعة ولو بعبارات "ديبلوماسية"، لكنّه لا بدّ أن يكون ضاغطاً على النظام السوري كي يوقف حربه ـ لا بل عدوانه ـ ومن أجل الحصول على ضمانات للبنان، أي لأمنه واستقراره.
كذلك، من وجهة نظر 14 آذار، من الواضح ـ والمنطقي ـ ثانياً انّه لا يمكن القفزُ من هذا الجانب الإقليمي الذي تمثّله الخطّة التخريبية للنظام السوري إلى الجانب الداخلي، لأن في هذا "القفز" افتراضاً بانّ للجانب الداخلي صعيداً مستقلاً عن الإقليمي، وافتراضاً بأنّ الحلول الداخلية ممكنة بدون وقف التدخّلات الخارجية الإقليمية. وعلى هذا الأساس، كانت ملاحظة قادة 14 آذار في اللقاءات مع عمرو موسى والوفد العربي انّ ما يُسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" لا تشكّل ردّاً على حرب النظام السوري على لبنان وفيه. ذلك انّ من يطرحها هو النظام السوري نفسه الذي يُبرزها على انّها أحد الأهداف "السياسية" لحربه، ويطرحها حلفاؤه في السياق نفسه. ولذلك يتمسّك حلفاء النظام السوري برفض الاتفاق المسبق على برنامجها، وبما يسمّونه الثلث المعطّل فيها.
"حكومة الوحدة": ثمن سياسي لحرب مستمرة
على هذا الأساس، ولأن "حكومة الوحدة الوطنية" من شأنها أن تكون ثمناً يدفعه لبنان، والاستقلاليون بشكل خاص، للنظام السوري، في وقتٍ لا ضمان لأن تتوقّف حربه، ولا ضمان من أن يكون ثمّة قعرٌ مرئي لها، كان زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري واضحاً في موقفه بعد استقبال الوفد العربي إذ سأل هل توقف "حكومة الوحدة الوطنية" مسلسل التفجير والاغتيالات والقتل؟ وهل تشكّل ضمانة من عدم دفع البلاد إلى فراغ دستوري، على مستوى رئاسة الجمهورية تحديداً؟
إذاً، انطلق النقاش بين قادة 14 آذار والوفد العربي من نصّ قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، ليس لـ"تصويب" مهمّة الوفد العربي، وقد كانت المهمّة واضحة للوفد، بل للتأكيد أمام الوفد انّ الأولوية لوضع حدّ للحرب السورية بما يزيل العامل الرئيسي المفجّر للأزمة اللبنانية وبما يمكّن الفرقاء اللبنانيين من التوصّل إلى تفاهمات أي بما يسهّل التسوية ويمهّد الأرض لها.
التفاهم اللبناني ـ العربي
الحكومة من جهة و14 آذار من جهة ثانية، نجحتا، تأسيساً على نصّ القرار العربي، في توضيح حقيقة انّ "معالجة" الجانب الإقليمي شرط "موضوعي" للانتقال إلى الجانب الداخلي ومعالجته.
ولـ"الأمانة" لم يكن هناك خلاف أو اختلاف لبناني ـ عربي على هذا الصعيد. وجلّ ما في الأمر انّ الحكومة و14 آذار كانتا تؤكدان ـ ضمناً ـ انّ "الحلّ" لا يمكن أن يأتي تحت مطرقة القتل والاغتيالات، وانّ هدف النظام السوري وحلفائه "أخذ" السلطة لا يمكن السماح به، وانّ إيجاد الظروف التي تسمح لـ"المعارضة" بأن تفكّر "لبنانياً" هو المطلوب، وذلك ممرّه "الإجباري" وقف التدخّلات في الوضع اللبناني.
موسى: "المساران المتلازمان"
عند هذا الحدّ، أي في ضوء توضيحات 14 آذار، التي شملت توضيحات تفصيلية لما جرى في فترات سابقة، ممّا كان كافياً لإظهار حقيقة انّ العراقيل كانت تأتي دائماً من "المعارضة" التي لا تملك قرارها، "فسّر" موسى والوفد العربي العلاقة بين شقّي مهمّة الوفد العربي على انها علاقة توازٍ وتزامن. وبكلام آخر، بين اعتبار الأكثرية انّ "معالجة" الجانب الإقليمي بالضغط على النظام السوري لوقف حربه تشكّل شرطاً "موضوعياً" لمعالجة الجانب الداخلي، وبين قفز "المعارضة" عن الجانب الإقليمي والانتقال إلى "حكومة الوحدة الوطنية"، اشتقّ موسى والوفد العربي معادلة "المسارين المتلازمين": مسار البحث الإقليمي (مع سوريا وإيران وغيرهما) ومسار الحوار الداخلي، بـ"أمل" الا يكون ثمّة انقطاع بين "الصعيدين".
14 آذار مع حوار "كامل" و"المعارضة" تنسفه
أكدت 14 آذار موافقتها على "استئناف" الحوار اللبناني ـ اللبناني. وأكدت انّ هذا الحوار لا بدّ أن يشمل كلّ العناوين، من أجل التمهيد للاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، واستكشاف إمكان قيام "حكومة وحدة" ذات برنامج متفق عليه، وبينهما فحص إمكان تجديد الإجماع حول النقاط المتعلّقة بـ"العلاقة" مع سوريا.
حقّق الوفد العربي "اختراقاً" مع 14 آذار: موافقتها على استئناف الحوار اللبناني ـ اللبناني في بيروت بحيث يستطيع الوفد العربي تنفيذ ما جاء في قرار مجلس وزراء خارجية الجامعة في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه المساعي إقليمياً.
بيد أنه لم يُكتب لهذا "الاختراق" أن يكتمل. فـ"المعارضة" بأمر عمليات سوريّ تمسّكت بما يسمى "حكومة الوحدة الوطنية" بالثلث المعطل مدخلاً.. الى الحوار نفسه (!) ناسفةً مجرد الفرصة.
نظام الأسد وإغلاق الحدود
14 آذار الموافِقة على الحوار، والتي خاضت في تجارب حوارية سابقة ساعية إلى إنجاحها، ليست لديها مع ذلك أوهام ولم تكن لديها أوهام في الأصل، ويُفترض أن لا أوهام أيضاً لدى "النظام العربي". لماذا؟
قبل أن يُستأنف الحوار، بادر النظام السوري إلى خطوة إقفال الحدود "الشرعيّة" مع لبنان في البقاع الشرقي، فغدت ثلاثة معابر حدودية "شرعية" بقاعاً وشمالاً مغلقة، وانحصر العبور حتى الآن في نقطة المصنع.
ليس خافياً انّ وراء هذه الخطوة ليس فقط نيّة إيذاء لبنان اقتصادياً، بل نيّة واضحة لـ"قلب الطاولة" في وجه التحرك العربي، في شقّه المتعلّق بالحدود اللبنانية ـ السورية. فالنظام السوري، إزاء المطالبة اللبنانية بترسيم الحدود وضبطها، وإزاء المطالبة اللبنانية والدولية بناء على القرار 1701 بضبط الحدود ومراقبتها، وحيال تحرّك عربي يطالب دمشق بوقف "التسييب"، يحاول تحويل الأنظار عن المعابر غير الشرعية التي يتدفق منها السلاح والإرهابيون، إلى الحدود الشرعية، كي تحلّ المطالبة بإعادة فتح الحدود الشرعية مكان المطالبة بإقفال معابر التهريب وبمراقبة الحدود.
الحوار في ظلّ الحرب السورية
غير انّ هذه الخطوة "العدائية" تفيد انّ النظام السوري "يلاقي" التحرّك العربي بقرار مواصلة الحرب على لبنان.
هذا معناه انّ الحوار اللبناني ـ اللبناني مستحيل على تقاطع قرار سوري بمواصلة الحرب. وإذا أضيف إلى ذلك واقع انّ ثمّة أزمة عربية ـ سورية متعدّدة الأوجه فلسطينياً وعراقياً، وانّ ثمّة أزمة عربية ـ إيرانية خاصة بعد الحدث الفلسطيني في غزّة الذي جعل انّ هناك حدوداً إيرانية ـ في الجيوسياسة ـ مع مصر، وأنّ ثمّة أزمة دولية مع سوريا وإيران لا تبدو المعطيات بشأنها مشيرة إلى أفق مفتوح لتسوية إقليمية ـ دولية في مدى منظور.. فمعنى ذلك انّ الحوار "المطوّق" بحرب سورية مستحيل بما أنّ ثمّة ارتباطاً بين "المعارضة" والمحور الإيراني ـ السوري.
التجربة الحوارية السابقة غير مشجّعة
ثم انّ تجربة الحوار اللبناني في مراحل سابقة لا تدعو إلى التفاؤل.
فبين آذار 2006 وتموز 2006، توصّل مؤتمر الحوار الوطني بمشاركة الزعماء والأقطاب إلى نقاط إجماع، حول المحكمة الدولية، وحول العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا وترسيم الحدود، وتحديدها في مزارع شبعا، وحول السلاح خارج المخيمات الفلسطينية. ونسفت حرب تموز إحتمال التوصّل إلى اتفاق بشأن ما سمّي آنذاك "الاستراتيجية الدفاعية".
رفض النظام السوري هذه المقرّرات جميعاً ليتبيّن انّ وراء رفضه رفضاً لاستقلال لبنان واستقراره، وقراراً واضحاً بـ"استخدام" الحدود وما يسمّى "السلاح الفلسطيني" خارج المخيمات ضدّ سيادة لبنان وأمنه واستقراره. وما كان من حلفاء المحور السوري ـ الإيراني ممّا يسمّى "المعارضة" إلا أن التزموا برفض نظام الأسد حتى لو لم يعلنوا رسمياً تراجعهم عن هذه المقرّرات.
وخلال حرب تموز، توصّلت الحكومة إلى برنامج "النقاط السبع" الذي تمّ التحرّك على أساسه لوقف العدوان الإسرائيلي ولاستصدار القرار 1701، بالإجماع إلى أن كان تراجع "حزب الله" لاحقاً عن هذه النقاط.
وفي الخريف الماضي، انعقد "تشاور" مهّد "حزب الله" له بتخوين الأكثرية وبالتهديد بشتّى أنواع "التحرّك"، لبحث موضوع "حكومة الوحدة الوطنية". وكان واضحاً انّ هذا الطرح الذي حدّد "حكومة الوحدة" على أنها "حكومة الثلث المعطّل"، يهدف إلى تعطيل إقرار المحكمة الدولية.. وإلى "أخذ" السلطة، بدليل استقالة وزراء "حزب الله" و"أمل" بالتزامن مع موعد مناقشة النظام الأساسي للمحكمة.
وبعد ذلك حصلت حوارات بين الرئيس نبيه وسعد الحريري. وتحرّكت وساطات بين الأطراف. وأطلق الرئيس فؤاد السنيورة مبادرة لتوسيع الحكومة على أساس اتفاق سياسي. كلّ ذلك والمجلس النيابي معطّل.. إلى أن كان آخر شرط لـ"المعارضة" صيغة 17 + 13 مع شرط آخر هو إعادة النظر بقرارات الحكومة.. أي بالمحكمة الدولية باختصار.
إذاً، تجربة الحوار غير مشجّعة، فكيف إذا كان القرار الإقليمي، السوري ـ الإيراني قراراً تفجيرياً؟
ومع ذلك كانت 14 آذار ولا تزال مستعدة لإعطاء فرصة أخرى للحوار، حتى لو كانت مقتنعة بانّ "المعارضة" لا تستطيع تقديم ضمانات بأي شيء. فقرار 14 آذار لا يمكن إلا أن يكون تحت "السقف العربي".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.