بالتزامن مع التحرّك العربي باتجاه لبنان، صعّد تحالف ما يسمّى "المعارضة" مطالبته بـ"حكومة الوحدة الوطنية"، وتهديداته من أن البديل سيكون حكومتَين.
وإذا كان صحيحاً أن هذه المطالبة وتلك التهديدات ليست جديدة، فالصحيح أيضاً أنها تأتي في سياق تطلّع "المعارضة" إلى أهداف جديدة.
"المعارضة" تحاول تحويل الأنظار عن التخريب السوري
لا شك أولاً أن المطالبة والتهديدات تهدفُ إلى الالتفاف على مهمّة الوفد العربي في لبنان. فقد حُدّد "أصلُ" المهمة في القرار الصادر عن مجلس وزراء الخارجية العرب الذي نصّ على تبنّي طلب لبنان مساعدته على ضبط الحدود اللبنانية ـ السورية وعلى الطلب من "جميع الأطراف" منع تهريب السلاح والمسلّحين إليه.
وإذا كان القرار العربي لم تتمّ صياغتُه بـ"أشدّ" العبارات تنديداً بالتدخّل التخريبي للنظام السوري في لبنان، فمن الواضح أن في خلفيّته اقتناعاً عربياً بأن "المشكلة" التي يعانيها لبنان هي مشكلته مع نظام الأسد وقراره تفجير البلد. وبهذا المعنى، فإن في مطالبة "المعارضة" وتهديداتها، محاولةً لتحوير أصل الموضوع بما هو التدخّل السوري وآثاره من جهة، ومحاولة لـ"الشدّ" باتجاه الجانب اللبناني الداخلي على حساب حقيقة أن الأزمة اللبنانية ما كانت لتتفاقم وتتفجّر لولا الصواعق السورية من جهة ثانية.
إيران و"القاعدة"
ولا شك ثانياً، في السياق نفسه، أن مطالبة "المعارضة" وتهديداتها، تندرجُ في خانة محاولة "التستير" على الدور الإيراني الذي يغطّي ـ مهما قيل عن تمايزات إيرانية ـ الدور التخريبي للنظام السوري.
حتى فترة قريبة، كانت لدى قسم كبير من الوسط السياسي، رغبةٌ في الاقتناع بأن إيران صادقةٌ في موقفها ضدّ انزلاق لبنان إلى الفتنة المذهبية السنية ـ الشيعية. وبالفعل تعزّزت هذه الرغبة لدى القسم الكبير من الوسط السياسي من الاتصالات الإيرانية ـ السعودية في الشتاء الماضي، ومن التحرّك الإيراني في كانون الثاني الفائت لضبط تحرّك "حزب الله" وحلفائه "تحت سقف" الفتنة.
بيدَ أن أخباراً وردت في الأيام الماضية سلّطت الضوء على جانب خطير من الأداء الإيراني. ففي تصريح إلى الزميلة "الحياة" في عددها الصادر الأحد الماضي، اتّهم أحد كبار مساعدي الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، وهو أوس الخفاجي، إيران بأنها "تتحوّل إلى عمق استراتيجي لتنظيم القاعدة في العراق"، متحدّثاً عن تورّط جهاز الاستخبارات الإيراني في أعمال تخريب في الجنوب العراقي.
عن السؤال المتكرّر حول العلاقة المحتملة بين إيران و"القاعدة"، جاء الجواب من "التيّار الصدري" في العراق. والمهم في الجواب أنه يصدر عن جهة كانت مصنّفة "إيرانية" على الخارطة السياسية العراقية. فهل "القاعدة" بديلٌ من الفتنة المذهبية؟!.
وبكلامٍ آخر، إن ما يسعى إليه التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان هو بالضبط محاولة تقديم "الداخلي" على "الإقليمي" في الأزمة اللبنانية، علماً أنّ "الداخلي" هو في شطره الأكبر نتيجة لـ"الإقليمي"، وذلك في وقت يُفترض أن يعني التحرّك العربي محاولةً لإنقاذ لبنان من المحور الإيراني ـ السوري واستعادةً للبنان إلى النظام العربي.
14 آذار لتمهيد الأرض لتسوية لبنانية
إذاً، في اعتقاد قسم كبير من الوسط السياسي أن تصعيد "المعارضة" المطالِبة بـ"حكومة الوحدة" وتهديدها بـ"حكومة ثانية"، إنما هما ـ أي التصعيد والتهديد ـ في سياق تضليل التحرّك العربي و"تشتيته". وهنا تبرُز "حقيقة" الصراع في لبنان: في مقابل "المعارضة" المرتبطة بالمحور الإيراني ـ السوري والساعية إلى تشديد الربط، تقفُ 14 آذار داعيةً إلى فكّ لبنان عن المحور الإيراني ـ السوري وعن سائر المحاور الدولية، وفي مقابل "المعارضة" التي تحاول أن تُغطّي على دور دمشق وطهران في الأزمة اللبنانية، تقفُ 14 آذار مطالبةً النظام العربي بـ"تفكيك" الجانب الإقليمي أولاً بما يسمح بالانتقال إلى تسوية بين اللبنانيين بعد "تحرير" الداخل من وطأة الجانب الإقليمي.
وفي الإطار نفسه، ثمّة اعتقادٌ لدى قسم كبير من الوسط السياسي أن ضجيج "المعارضة" بعنوان "حكومة الوحدة" تارةً وبعنوان "الحكومتَين" تارةً أخرى، إنما يهدف إلى تشويش استماع الوفد العربي إلى تفاصيل الخطة الإرهابية للنظام السوري قيدَ التنفيذ في لبنان، وإلى تشتيت اطلاع الوفد على الملفّ الكامل بالوثائق والاعترافات المتعلّقة بالحرب الأمنية الإرهابية لنظام الأسد.
"المعارضة" والهروب من مقرّرات الحوار
غير أن ثمة جانباً مهماً جداً يجب ألاّ يغيب عن البال.
الحكومة و14 آذار ستعرضان أمام الوفد العربي ما يتعرّض له البلد. لكنهما ستقولان له إن لـ"المشكلة السورية" في لبنان، أي لمشكلة لبنان مع النظام السوري حلولاً. وهذه الحلول متضمنة في مقررات الإجماع الصادرة عن مؤتمر الحوار الوطني في العام 2006 من جهة وفي القرارات الدولية ولا سيما القرارين 1559 و1701 من جهة أخرى.
في المقابل، سيحاول "التحالف السوري ـ الإيراني" ان يقول للوفد العربي ان المشكلة لبنانية ـ لبنانية "فقط" وإن حلّها بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية".
لكن هذا الفريق سيكون "مكشوفاً" عندما يُسأل عن الأسس المفترض أن تقوم الحكومة عليها. فهو مكشوف، تماماً لأنه يرفض كلّ مرجعيات البحث والحلّ. فهو نسف مقررات الحوار الوطني، ونسف إجماعات حرب تموز (النقاط السبع)، ونسف مضمون اتفاق الطائف أكثر من مرّة.
وراء التهديد بحكومتين: الخوف
وإذا كان ما تقدّم يشرح أهداف المطالبة بـ"حكومة وحدة" والتهديد بـ"حكومتين" في وجه التحرّك العربيّ، فإنّ السؤال المطروح في هذه الأيام هو الآتي: هل يُقدم التحالف السوري ـ الإيراني على تشكيل حكومة ثانية؟.
في بداية الجواب عن هذا السؤال، من الطبيعي القول إنّه يُمكن، لا بل يجب توقّع "أي شيء"، خاصة من فريق حصد مشروعه السياسي فشلاً تلو الفشل في الشهور الماضية.
غير أنّ تمعّناً في الاعتبارات التي قد تجعل "المعارضة" تندفع نحو "الحكومة الثانية"، يبرزُ أنّ ثمّة اعتبارين يشجّعان هذا الفريق على هذا التوجّه.
الاعتبار الأول، هو أنّ ثمّة خوفاً واضحاً من جانب النظام السوري وحلفائه ـ أو بعضهم ـ من أمرين. أولهما المحكمة الدولية التي من المرجّح أن تتسارع خطوات تشكيلها وبدء ديناميتها في الفترة الفاصلة عن نهاية العام الجاري. أمّا ثانيهما فهو "الملفّ" الذي بحوزة القضاء والحكومة عن الحرب الإرهابية المخابراتية السورية وأدواتها.
..والتهويل بنموذج غزّة
والاعتبار الثاني، هو اقتناع موجود ربّما عند "المعارضة" بإمكان الاستفادة ممّا حصل في فلسطين لجهة "حكومتين" هناك، بالتهويل بهذا "النموذج" حتّى من دون تطبيقه إن لم يطبّق بالفعل.
في قراءة هذين الاعتبارين، يتبيّن أنّ مطالبة "المعارضة" بـ"حكومة وحدة" وتهديدها بـ"حكومتين"، إنّما ينطلقان من خوف معيّن أي من ضعف، من أجل التلويح بـ"قلب الطاولة"، وهو الأمر الذي يعني في "علم السياسة" الوصول إلى الطريق المسدود.
الحكومتان في فلسطين: خطأ استراتيجي هل يمكن تكراره؟
وهنا، من المفيد التذكير بأنّ ما أقدمت عليه "حماس" في غزّة يعدّ خطأ استراتيجياً قاتلاً ليس فقط لـ"حماس" بل لـ"البُعد الإقليمي" وراء "حماس" أيضاً أي لمحور دمشق ـ طهران. فهو خطأ استراتيجي بكلّ المقاييس: انفصال وانعزال وغرق.. بدليل انّ الاعتراف الوحيد بالواقع الغزّاوي الجديد أتى من إيران.
ولذلك، فإنّ السؤال الذي يُطرح هو: هل يستطيع المحور الإيراني ـ السوري تحمّل خطأين استراتيجيين في فلسطين ولبنان معاً؟.
السؤال المطروح "منطقيّ"، لكنّ الجواب السوري ـ الإيراني ـ ليس من الضروري أن يكون منطقياً، أي أن يحسبَ كلّ الحسابات. ولذلك، وفي جواب "واقعي"، يمكن القول إنّ عنوان "الحكومتين" يقعُ بين حدّين: التهويل والضغط من جهة والتنفيذ العملي من جهة أخرى.
الأولوية لمواجهة حرب نظام الأسد
في ضوء كلّ المقدّمات الآنفة، وتأسيساً على المعطيات المتضمّنة فيها، من الضروري صوغ عددٍ من الاستنتاجات.
في مقدّم هذه الاستنتاجات، انّ التعاطي مع التحرّك العربي الراهن لا بدّ أن يأخذ في الاعتبار مضمون المهمّة المحدّد في قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، بما هي مهمّة لوقف الحرب الإرهابية المخابراتية السورية على أرض لبنان، ولـ"فكّ" البلد عن المحور الإيراني ـ السوري.. وكلّ ذلك بما يمهّد لتوفير فرصة لتسوية لبنانية ـ لبنانية برعاية عربية.
وفي الاستنتاجات أيضاً انّ "تشتيت" البحث من جانب "المعارضة" بعنوان "حكومة الوحدة الوطنية"، لا يمكن أن يكون مقبولاً، وذلك من زوايا عدّة: الأولى أنّ الأولوية لوقف الحرب الإرهابية، والثانية أنّ "حكومة وحدة وطنية" لا "تُعطى" لمن يستقوي بالحرب السورية، والثالثة أنّ هكذا حكومة ليست مكافأة تُمنح لنهج تعطيلي تدميري، والرابعة أنّ حكومة للوحدة الوطنية لا تقوم بدون تسوية سياسية متكاملة، مرجعياتها معروفة، والخامسة أنّ "حكومة وحدة وطنية" لا تكون بين فريق يؤمن بالطائف مرجعية للشراكة الوطنية وفريق آخر يريد السلطة بأيّ وسيلة غير ديموقراطية، وقد فشل في إسقاطها بالقوة على أيّ حال.
..وللاستحقاق الرئاسي
وفي الاستنتاجات كذلك، انّ الوقت ليس لحكومة "وحدة وطنية" الآن. الوقت لمواجهة تخريب النظام السوري، ولتنفيذ الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، على أساس انّ موافقة "المعارضة" على الاشتراك في تنفيذ الاستحقاق الرئاسي من شأنها أن تمهّد لحكومة جديدة في سياق طبيعي بعد الرئاسة، فتكون حكومة العهد الجديد.. وببرنامج سياسي واضح ومحدّد.
كفى ابتزازاً سورياً ـ إيرانياً للعرب.. وللبنان. ولتوضع الأمور في مواضِعها الطبيعيّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.