المكان: دارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قريطم
الزمان: الساعة الثامنة من مساء الثلاثاء 12 حزيران
الحضور: رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، الرئيس الأعلى لحزب "الكتائب" أمين الجميل، رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وعدد من المعاونين.
الموضوع: تقويم الوضع وتحديد التوجه في مواجهة التحديات.
مبادرة 14 آذار تقابلها نيّة التعطيل
في هذا الإجتماع الذي تداعى اليه أركان حركة 14 آذار، كان لا بد من بداية للنقاش. فكانت البداية من المبادرة التي أُطلقت من قريطم قبل أسبوعين، بعد صدور القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية.
أجرى القادة "جولة أفق". تبين لهم أن الردود من جانب تحالف ما يسمى "المعارضة" على المبادرة التي تضمنت عرضاً بتسوية "تاريخية" تمهّد لاستحقاقَي رئاسة الجمهورية و"حكومة الوحدة الوطنية" جاءت "مفعمة" بالسلبيّة. ولاحظوا ان "المعارضة" تتمسك بمعبر "حكومة الوحدة" الى الاستحقاق الرئاسي، لكن بشرط حصولها على ما يزيد عن الثلث المعطل فيها. فما كان بإمكان أركان الحركة الإستقلالية والحالة هذه الا أن يستنتجوا ان هدف "المعارضة" الوحيد هو التعطيل، وأن إنتخاب رئيس جديد للجمهوريّة في الموعد الدستوريّ ليس على جدول أعمالها، بدليل ذلك "التفطيس" المتعمّد للإستحقاق وتجهيل مصيره ورفض الخوض فيه وعدم الإستعداد لتقديم أيّ ضمانة بشأن حصوله. وكل ذلك وسط تغييب لافت لـ"السياسة"، أي لـ"مضمون" الحكم في المرحلة المقبلة.
مسلسل شروط "المعارضة"
وراجع قادة 14 آذار ما بلغهم من "إقتراحات" من جانب "التحالف السوري". وقد بدأت "المعارضة" بصيغة 19 + 11، لكنها سرعان ما رفعت سقفها مطالبة بصيغة 17 + 13، ثم عادت لتطلب قبل البحث في التركيبة الحكومية العتيدة باستقالة حكومة الرئيس السنيورة. وأكلمت باشتراط تشكيل "لجنة" من الأطراف للبحث في توزيع الحقائب الوزارية.
كان واضحاً للمجتمعين في قريطم مساء أول من أمس، ليس فقط أن "المعارضة" ترفض السير باتجاه تسوية متكاملة وترفض اليد التي مدها سعد الحريري، وليس فقط انها تصر على التعطيل بل ان "حكومة الثلث المعطّل" هي نهاية المطاف، وليس بعدها "مطاف" آخر، وانّ "حكومة الثلث المعطّل" هي البديل من الاستحقاق الرئاسي، وان هذه "المعارضة" التي تدعي أنها تريد "المشاركة" انما تريد السلطة في واقع الأمر. وما التصعيد في الشروط، حتى عندما كان فريق 14 آذار يبدي إستعداداً لـ"التداول" ايجاباً في صيغة 19+11، علّه يجد ضمانات للمسار الدستوريّ، إلاّ دلالة كافية على نيّة البقاء في نطاق الأزمة. ومع ذلك، لا يجد الرئيس نبيه برّي حرجاً في إتهام الأكثريّة بانها لا تعرف ماذا تريد!
لا مبادرة سعودية أو فرنسية "محدّدة"
والحال ان المجتمعين في قريطم أول من أمس، أكدوا لبعضهم ما يعرفونه، وهو أن ليس ثمة مبادرة سعودية محددة أو فرنسية معينة، تطرح عنوان "حكومة الوحدة الوطنية" وصيغة محددة لهذه الحكومة. كل ما في الأمر ان المملكة العربية السعودية لم تتوقف يوماً، سواء على مستوى القيادة أو عبر السفير في بيروت، عن مساعيها لخرق الجدار الفاصل بين فرقاء الإجتماع السياسيّ اللبنانّي، ويقوم السفير عبد العزيز الخوجة باتصالات مع الجميع على أمل التقريب بين المواقف إذا أمكن ذلك، لكنه لا يقدم قوالب جاهزة. أما بالنسبة الى فرنسا، فقد كان كلام الموفد الفرنسي جان كلود كوسران واضحاً لجهة انّ باريس تسعى الى إحياء الحوار بين الفرقاء اللبنانيين ولا تفرض عليهم شيئاً.
أما ايران فـ"متعلقة" بسوريا
قام قادة 14 آذار بـ"تحليل" هذه المعطيات كافة. خلصوا الى تقدير مفاده ان النظام السوري "المجروح" من المحكمة الدولية، لن يوقف حربه في لبنان، تخريباً بالإرهاب من ناحية وتعطيلاً للدولة والنظام ومؤسساتهما من ناحية ثانية. وفي هذا التقدير، انه على الرغم من كلام تحليلي كثير عن تمايز ايراني عن نظام الأسد، وعلى الرغم من إشارات متناقضة أعطتها طهران بشأن الوضع في لبنان، فان ايران "لا تزال" تشترط موافقة دمشق على أي حل، وقد أبلغت موقفها هذا الى الجهات العربيّة والدولية "المعنية".. ما يعني ان إيران ليست في وارد الدخول في تسوية إقليمية ـ دولية "حول" لبنان بـ"استقلال" عن سوريا ولو في مرحلة أولى.
تفحّص المجتمعون في قريطم ما قادهم التحليل اليه. لم يكن صعباً ان يستنتجوا ان الظروف القائمة و"موازينها" لا تدفع باتجاه الحل أو بداية الحل في المدى القريب.
رهان "المعارضة" على عدم حسم الجيش
عند هذا الحد تطور النقاش. أفضى النقاش الى اتفاق على أن ثمة رهاناً لدى تحالف ما يسمى "المعارضة" على الوقت، وفي إطاره رهان على ألا يتمكن الجيش من إنهاء المعركة التي يخوض ضد العصابة الإرهابية في مخيم نهر البارد وضد سائر الشبكات المخابراتية الإرهابية الأخرى.
وفي القراءة المشتركة لقادة 14 آذار لهذا الرهان لدى "المعارضة"، ان هذه الأخيرة لأسباب عديدة، تأمل أن يشكل عدم حسم الجيش للمعركة نوعاً من "الرافعة" لخطة قلب الوضع السياسي، وهي الخطة التي فشلت في كل مراحلها السابقة. وكان طبيعياً أن يستحضر أركان الحركة الإستقلالية في سياق نقاشهم "الحقيقة" الآتية: فيما طرحت 14 آذار بعد إقرار المحكمة في مجلس الأمن الذي إستبقه النظام السوري بحرب إرهابية إستهدفت الجيش، مبادرة لتسوية تاريخية، طرحت "المعارضة" في الظرف نفسه وللأسباب نفسها "حكومة الثلث المعطل"، أي أنها لم تخفِ "إقتناعها" بأنّ الظرف الذي تعتقد انه لا يمكّن الجيش من الحسم يمكّنها في المقابل إمّا من تحصيل حكومة على شروطها أو من الإستقواء بالأزمة.
قرار اجتماع قريطم: الأولويّة لمعركة الجيش
حيال كل ذلك، ما الموقف الذي أقره إجتماع قريطم؟
انه وقف "مركّب"، أي يُقرأ بتكامله.
الشق الأول منه، هو ان "المعارضة" إذ تخوض في رهان على الوقت بأمل الاّ يتمكن الجيش من إنهاء معركته، "تفرض" على الأكثرية أن تؤكد على أولوية معركة الجيش.
والشق الثاني هو ان لهذه الأولوية اعتبارات "مبدئية" قبل ان تكون تحدياً يرد على رهان معاكس. وفي هذه الإعتبارات المبدئية ان الجيش هو جيش دولة لبنان، وان المعركة التي يخوض ويستبسل فيها هي الآن العنوان الرئيسي لإستكمال الاستقلال دفاعاً عن لبنان ضدّ اعتداء تقوم به دولة أخرى عليه، وان نجاح الجيش في نهر البارد "قد" لا يؤدي الى إطفاء جبهات لاحقة لكنه بالتأكيد يمثل إنجازاً يحسب له حساب، وان نجاح الجيش عامل مهم في "التوازن" بكامل أبعاده: بين لبنان وسوريا، بين اللبنانيين المنتصرين لجيشهم ودولتهم وبين المراهنين على فشلهما..
والشق الثالث هو ان إعطاء الجيش الوقت الذي يحتاج لتحقيق الإنجاز يستحق المثابرة ويستحق ان تأخذ سائر العناوين الأخرى حجمها الطبيعي بالقياس اليه، لا سيما ان الجيش أثبت كفاءته وقدرته على الإنتصار.
والشق الرابع، هو نتيجة منطقية لكل ما سبق ذكره: قرار بتجميد البحث في أي عنوان من العناوين، بل في التسوية، الى أن تنتهي معركة الجيش، ليس فقط لأن "صوت المعركة" لا يعلو عليه صوت آخر، بل لأن لإنتصار الجيش كل المعاني الكبيرة السالفة.
وبعد المعركة.. "بوصلة" بكركي
أما الشق الخامس المبنّي على القرار بتجميد البحث حتى تنتهي معركة الجيش، فهو ان أي معاودة للبحث لاحقاً لن تكون مجدية ما لم يتم الأخذ بمعيار الوحدة الوطنية "الحقيقية" وبمرجعياتها كافة. وفي هذا المجال قرر المجتمعون في قريطم أول من أمس إعتبار ما جاء في البيان الأخير للمطارنة الموارنة لجهة قيام حكومة وحدة وطنية "ذات برنامج متفق عليه" تُعدّ للإستحقاق الرئاسي في موعده الدستوريّ، بمثابة "بوصلة".
والشق السادس، هو الدعم الكامل للرئيس فؤاد السنيورة وحكومته الى أن يخلق الله أمراً كان مفعولاً.
وإستناداً الى هذا الدعم "المشدّد" للحكومة، يأمل قادة 14 آذار أن يفهم "الفريق الآخر" أن الأكثرية ليست في وارد القبول بواحد إضافي من الشروط التعجيزية، والذي يقضي بأن تعيد "الحكومة الجديدة" النظر بكل القرارات التي اتخذتها حكومة الرئيس السنيورة منذ 11 تشرين الثاني الماضي، بالضبط لأن الأكثرية ليست في وارد القبول بالعودة الى الوراء، وفي الأساس ليست في وارد قبول "مبدأ التعطيل".
14 آذار تقطع المناورات
ما تقدم ذكره هو ملخص ما انتهى اليه اجتماع قادة 14 آذار أول من أمس.
وأهم ما في هذا الملخص ـ وقراراته ضمناً ـ انه يكشف ان "المعارضة"، رداً على عرض التسوية "الفعلية"، تقوم بمناورات، وهدفها الثابت حتّى الآن إما أخذ السلطة وإما تعطيلها.
والغريب في الأمر، ان المناورات، بدلاً من الإهتداء الى "سواء السبيل"، تستمر بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات، مما لا يبيح لهذه "المعارضة" إملاء الشروط.
وعلى كل حال، فان 14 آذار هي الآن وراء الجيش، وبعد ذلك لكل حادث حديث.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.