ثمة مقولة "اخترقت" القاموس السياسي في الأيام القليلة الماضية، تفيد ان الإنقسام السياسي في البلاد "يرهق" الجيش، وان "التسوية" توقف مسار "إرهاقه". ولدى التدقيق في "التسوية" التي يقترحُها أصحابُ هذه المقولة، يتبين انها "ما غيرها" القائمة على توسيع الحكومة الحالية لتصبح من ثلاثين وزيراً، تأخذ "المعارضة" منهم ما يسمى "الثلث المعطل".
مخاطر مقولة "الجيش المرهَق"
ان هذه المقولة ـ وأهدافها ـ خطيرة للغاية.
هي خطيرة أولاً، لأنها تتماشى مع الاتهامات التي وجّهها فرقاء أساسيون في ما يسمى "المعارضة" الى الحكومة والأكثرية بـ"توريط" الجيش في مواجهة الإرهاب في نهر البارد، ولأنها "تغطي" كلام فرقاء في "المعارضة" عن ان الأكثرية تقوم بـ"تغذية" الانقسام لتؤسس عليه مشروعاً "يستخدم" الجيش والقوى الأمنية الأخرى.
وهي خطيرة ثانياً، لأنها تواكب المعركة التي يخوضُها الجيش بمحاولات لـ"تهبيط" معنوياته.
وهي خطيرة ثالثاً، لأنها تدرج الإرهاب الذي يواجهه الجيش، من ضمن الانقسام السياسي في لبنان، لكأنه من الطبيعي ان تنشأ حول الإرهاب "وجهات نظر"، أو لكأنه من المنطقي ان تتأسس تسوية ما حول مفهوم الإرهاب، ذلك الإرهاب الذي يقاتله الجيش الآن بالتحديد.
وهي خطيرة رابعاً، لأنها توحي بأن التسوية التي تقترحها، أي صيغة الحكومة بالثلث المعطل، كفيلة بإخراج الجيش من "المأزق"، اي سحبُه من المعركة، فتكون بذلك في صدد تشجيع العصابات الإرهابية على الامعان في إرهابها.
يكن و"التنظيم الدولي للقاعدة"!
وهي خطيرة خامساً إذ تتزامن مع ما تبرع "صلة الوصل" بين النظام السوري وعصابة "فتح الاسلام" فتحي يكن بإعلانه أول من أمس حيث ادعى ـ مِن داعية! ـ ان الملف بات في عهدة "تنظيم القاعدة الدولي" كما قال. والحال ان يكن يعارض عمداً كل ما يقوله المتخصّصون والمحلّلون المتابعون عن ان تنظيم "القاعدة" أضحى "قواعد" لا تسلسل هرمياً بينها.. الا اذا كان يقصد ان "التنظيم الدولي" هو النظام السوري نفسه.
وهي خطيرة سادساً، لأنها تقدّم "تغطية" لنظام الأسد في سوريا. ذلك ان هذا النظام الذي فشل خلال الشهور المنصرمة في تحقيق أهدافه بإسقاط النظام السياسي والدولة، وفي "تفجير" المحكمة الدولية، لجأ الى تصعيد الارهاب تنفيذاً لتهديدات أطلقها بنفسه، فتأتي "المقولة" موضوع البحث لتقترح اعطاءه ثمناً سياسياً.
محاولات لاجهاض إنجاز استقلاليّ كبير
ان أوجه الخطورة عديدة اذاً. بيد ان أخطر ما يواجهه الوضع السياسي اللبناني حالياً، عبر هذه المقولة و"أخواتها"، هو محاولة إجهاض مسبق لانجاز استقلاليّ كبير.
فالجيش وقد اعتدي عليه جهاراً نهاراً، انما يخوض الآن معركة ليست في ظاهرها سوى معركة ضد أوكار إرهابية صُدّرت الى لبنان عبر المخابرات السورية، وبينها وبين هذه المخابرات "ضباط ارتباط" وأحدهم موقوف، لكنها في العمق معركة لـ "انهاء" وجه رئيسيّ من وجوه التدخّل السوري في لبنان. ولا شك ان نجاح الجيش في القضاء على العصابة الإرهابية في مخيم نهر البارد، لن يكون ـ بهذا المعيار ـ انتصاراً على الإرهاب في احدى أكثر حلقاته خطورةً فحسب، بل سيكون إنجازاً في خانة الاستقلال اللبناني "عن" سوريا.
"جيش الدولة"
ولا شك أيضاً ان خروج الجيش منتصراً من هذه المعركة، لن يكون فقط أول انتصار لجيش لبنان على "عدو" يفوق العدو الاسرائيلي خطورة، بل سيكون أهم مدماك في بناء الدولة، أي أنه سيكون جيشاً لدولة. وينبغي هنا تسجيل حقيقة انّ الحكومة الحالية هي أول حكومة في تاريخ البلد تعتبر ان ثمة مؤسسة عسكرية لها وظائف، وتدعو الجيش الى ممارسة دوره، من إرساله الى الجنوب حتى تغطية معركته ضد الاعتداءات عليه.
ومن نافل القول في هذا المجال ان افشال الجيش سيرتدّ على نواح عديدة.
سيعنى سقوطاً للدولة. وسيعني تشجيع الطروح "الكانتونية"، و"الفيدرالية". وسيعني ضربةً لـ"اليونيفيل" التي جعلها القرار الدولي رقم 1701 ـ بموافقة الحكومة عليه ـ جزءاً لا يتجزأ من منظومة أمنيّة متكاملة، لا مبالغة في القول انها منظومة تابعة لـ"سيادة" الدولة اللبنانيّة. والأخطر ان افشال الجيش سيرتدّ على الانجازات الأخرى.
معركة الجيش حلقة مركزيّة في مسار الاستقلال
في خانة الاستقلال اللبنانيّ الثاني إنجازات محددة. الانسحاب السوري إنجاز.. لكنه غير مكتمل باستمرار استباحة المخابرات السوريّة وشبكاتها وأوكارها للأمن الوطني اللبناني. والمحكمة الدولية إنجاز... وإن كانت مفاعيله "الردعية" تحتاجُ الى وقت قبل أن "تتبلور". والقرارات الدولية الداعمة لاستقلال لبنان وسيادته ودولته إنجاز. وفي خانة الاستقلال معركة تدور حالياً "تَعِدُ" بإنجاز كبير.
لذلك، لا بد من إعطاء المعركة التي يخوضها الجيش الآن ومعه سائر الأجهزة الأمنية، بُعدها "الفعلي": إنها الحلقة المركزية في تأكيد الاستقلال اللبناني الثاني وتحصينه.
مبادرة 14 آذار ومعنى المصالحة بين الإنجازين
على أساس ما تقدم، وهو قراءة "14 آذارية" أي من ضمن "تيار" 14 آذار، ثمة مقاربة "14 آذارية" أيضاً لموضوع التسوية.
عندما أطلقت 14 آذار مبادرتها بعد صدور القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كانت الحركة الاستقلالية تطرح بالفعل تسوية سياسية تاريخية، وقد دعت في نطاق هذه المبادرة الى ما سمته المصالحة بين إنجاز التحرير عام 2000 وإنجاز التحرّر عام 2005.
..أي عدم تجاوز إنجاز الاستقلال
كثيرون اعتبروا ـ ربّما ـ قبل نحو أسبوعين عندما أطلقت المبادرة أن فيها ترفاً فكرياً وثقافياً. غير أن "المعنى" يكتسبُ في هذه "الساعات" كامل "مقاصده". فبالمعادلة المطروحة تعلن 14 آذار إرادتها في إنهاء الانقسام في البلد... لكن على أساس عدم تجاوز استقلال العام 2005، وعلى أساس رفض أي تفريط به وبإنجازاته المتحقق منها وقيد التحقق. وإذ تعلن أن لا تناقض من وجهة نظرها بين التحرير "ضد" اسرائيل والتحرر من وصاية النظام السوري، فإنها تطالب "الفريق الآخر" بالاعتراف بمحطة الاستقلال كي تُبنى التسوية على أساس الإنجازَين... وإلا فلا تسوية ممكنة إن كانت لإجهاض الاستقلال وإن كانت لإعادة الوصاية من "النافذة" بعد أن طُردت من "الباب".
"الشُبهة" في "الثلث المعطل"
هذه هي الخلفية الواضحة لمبادرة 14 آذار: لا تجاوز للاستقلال كما لا إسقاط للتحرير.
من هنا، فإن الردود على المبادرة، من مثل "المقولة" التي جرى التوقف عندها قبل قليل، لا تفيد بنيّة الوصول الى تسوية حقيقية وفعلية.
بداية، ثمة "قفز" مشبوه في الردود عن إنجاز المحكمةالدولية وتقصّد لرفض إعلان الالتزام بالقرار 1757. ويوازي "القفز" عن المحكمة، خطاب عن "الانقسام السياسي" يغطي إرهاب النظام السوري ويهوّل على الجيش.
ثم هناك إصرار من جانب تحالف ما يسمى "المعارضة" على استبعاد الأساس السياسي ـ الوطني المتين لـ"التسوية".
وهناك "تجهيل" لمصير الاستحقاق الرئاسي، في مقابل استعجال توسيع الحكومة، وتمسك ببيان وزاري "متقادم"، أي أن الأحداث تجاوزته بالفعل.
وأخيراً، هناك إصرار على "الثلث المعطل" وإلاّ "حكومة ثانية".
كل ذلك مثير للريبة... ولـ"الشبهة"، بالضبط لأن المخطط السوري لم يُفرِغ بعد كل ما في جعبته من تخريب، والمؤسسات الدستورية في مقدمة أهداف هذا التخريب.
التسوية المقبولة من 14 آذار
وكل ذلك مثير للشبهة، لأن "المعارضة" تكتفي من "التسوية" بإرادة التعطيل.
فهل يعتقدنّ أحد أن 14 آذار يمكنها أن تقبل بتسوية محصورة بالمسألة الحكومية لا سيّما أن لا ضمانَ لعدم تعطيلها ولا ضمان من أن يكون "مفعولها" كمفول "حكومة ثانية" فيكون الأمر كمن حاول درء شيء فوقع فيه نفسه؟.
إن الجواب الـ"14 آذاري" بديهيّ: التسوية السياسية المتكاملة هي المطلوبة، أي التسوية المتضمنة رؤية مشتركة للحكم ولإدارة البلاد، وهذا ما أكّد عليه المطارنة الموارنة مؤخراً، والمؤسَّسة على الاجماعات الوطنية، والتسوية التي تصون إنجاز الاستقلال هي المقبولة، أي التسوية التي لا تفتح طريق العودة الى الوراء، والتسوية المؤطرة للانجازات لا سيما إنجازا المحكمة والجيش، هي "الهدف". فلا استعداد لـ"تسويات" من شأنها تمديد المرحلة الانتقالية أو تمديد الأزمة.. للاكتفاء بـ"إدارتها" على حساب استقرار لبنان وسلامة مساره السياسي والدستوري.
انتصار الجيش في نظر خبراء استراتيجيين
قبل بضعة أيام، كان نقاش شارك فيه "خبراء استراتيجيون"، ودار حول ما بعد إنتصار الجيش على العصابة الإرهابية.
في هذا النقاش، أكد الخبراء أن انتصار الجيش ليس مجرد احتمال، لكنه "محتّم".
وأكدوا أن انتصار الجيش، هو أول انتصار لـ"استخدام" الجيش. لكنهم لفتوا الى أن هذا الانتصار لن يؤدي الى "جموح" للمؤسسة العسكرية تطلباً لانتصارات في مجالات أخرى.
واعتبروا أن الانتصار لا يبرر خوف أي من الفرقاء الداخليين، و"حزب الله" تحديداً، لسبب "بسيط" هو أنه لن يكون مطروحاً في أي حال من الأحوال حصول اي "مواجهة" بين الجيش ومقاومة "حزب الله". بل على العكس ان انتصار الجيش من وجهة نظر هؤلاء الخبراء، سيشكل سبباً رئيسياً لتعزيزه، بما في ذلك تعزيز قدرته على استيعاب "سلاح حزب الله" عندما يحصل اتفاق سياسيّ "كبير" على ذلك.
ورأوا ان التجربة التي يخوضها الجيش حالياً سوف تستدعي تغييراً بنيوياً من ناحية وتعريفاً متجدداً للاستراتيجية العسكرية والأمنية من ناحية ثانية وتعريفاً متجدداً أيضاً لـ "الأمن القومي" للبنان من ناحية ثالثة وأخيرة.
لا لثلث معطل لقرار المؤسّسة العسكريّة
ان فتح القوسين لاستحضار ما ذكره هؤلاء الخبراء، يهدف ـ ربطاً بمسألة التسوية ـ الى القول ان الحديث عن "ثلث معطل" بدلاً من الحديث عن تسوية متكاملة سياسية ـ وطنية ـ دستورية، يثير الشكوك حول نية تعطيل "القرار السياسي" للمؤسسة العسكرية، في لحظة تُحقّق المؤسسة إنجازاً غير مسبوق.
ولذلك كله، يبدو اللبنانيون، ومجتمعهم السياسي خاصة، بحاجة الى دعمهم عربياً ودولياً باتجاه تسوية حقيقية. ذلك ان استقلال لبنان من جهة وقوة مؤسساته من جهة ثانية، ليسا فقط مسؤولية لبنانية ـ عربية ـ دولية، بل هما حاجة للنظام العربي وللمجتمع الدولي، بمعنى ان قدرة لبنان "المتعدد" على إلحاق الهزيمة بالإرهاب هي مصلحة للشرعيتين العربية والدولية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.