8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصلحةُ لبنان في تسوية كاملة مديدة لا في تسوية ناقصة

ثمّة إصرارٌ "غريب" لدى فريق ما يسمّى "المعارضة" على قيام "حكومة وحدة و طنيّة"، يوازيه إصرارٌ "غريب" مماثل على عدم الخوض في أسسها السياسيّة، أي في برنامجها.
"المعارضة" لا تريد إلاّ "الثلث المعطّل"
الإصرارُ هذا غريب من عدّة زوايا.
الزاويةُ الأولى، هي انّ هذه "المعارضة" التي تعاملت مع فريق الأكثريّة منذ اندلاع الأزمة في الخريف الماضي بوصفه فريقاً خائناً ومتواطئاً مع مخطّطات مشبوهة، لا تمانعُ ­ مع ذلك ­ في الانضمام إليه ضمن حكومة مشتركة.
والزاوية الثانية، هي انّ "المعارضة"، التي تعتبر انّ الخلافَ مع الأكثريّة يتعلّق بالخيارات الكبرى، لا تمانعُ في "خلطة" حكوميّة بشرط أن يكون لها ­ أي المعارضة ­ الثلث المعطّل ويزيد!.
والزاوية الثالثة، هي انّها تعتبر انّ الوقتَ داهمٌ جداً الى درجة أن لا فرصة كافية لنقاش في قضايا الخلاف، فـ"ماشي الحال": تقوم "حكومة وحدة وطنيّة" فيها ثلث معطّل، وعلى أساسه تعطّل "المعارضة" ما لا تراه مناسباً.
والزاوية الرابعة، هي انّ هذه "المعارضة" العظيمة، عندما تُحشر في السؤال عن سرّ استعجالها الذي يجعلها تمتنع عن القبول بعرض التسوية السياسيّة "التاريخيّة"، تعودُ الى البيان الوزاريّ للحكومة الحاليّة، لكأنّما ما حفل به العامان المنصرمان من خلافات كبيرة من جهة ومن اتفاقات جرى نقضُها من جهة أخرى، لا يستحقّ التبصّر فيه!.
لماذا حكومة الثلاثة أشهر والرئاسة على الباب؟
والزاويةُ الخامسة، هي انّ ثمّة إستحقاقاً دستوريّاً "يبدأ" بعد حوالي ثلاثة أشهر "وينتهي" بعدَ نحو خمسة أشهر، هوَ استحقاق انتخابات رئاسة الجمهوريّة. وإذا كانت المدّة التي تراوح بينَ ثلاثة أشهر وخمسة أشهر، ليست "حرزانة" لتوسيع أو تغيير حكوميّيَن، فإنّها في المقابل كافية جداً لتحقيق توافق سياسيّ حول رؤية متكاملة ينتج عنه اتفاقٌ على رئيس الجمهوريّة.. وعلى الحكومة الأولى في العهد الجديد.
والزاويةُ السادسة، هي انّ غداً، موعد دخول القرار الدوليّ رقم 1757 الذي أنشأ المحكمة الدوليّة حيّز التنفيذ. أحد أركان "المعارضة" الرئيس نبيه بري، في معرض تعليقه على كلام السفيرَين الأميركيّ والبريطاني في مجلس الأمن، الذي "اتهمه" بعرقلة إقرار المحكمة في لبنان، اعتبرَ القرار 1757 "تدويلاً" ضدّ "الدولة". أمّا "حزب الله" فرأى انّ القرار الدوليّ غيرُ شرعيّ وغيرُ قابل للتنفيذ. فـ"حكومة وحدة وطنيّة" على أيّ موقف من المحكمة؟.
والزاوية السابعة، هي ذلك "الربط" المثير للتساؤلات بينَ ما يجري في لبنان الآن والمسارعة بناء عليه الى الإلحاح على المسمّاة "حكومة وحدة وطنيّة". فهل ثمّة اتفاقٌ بين المكوّنات المفترضة للحكومة على توصيف ما يجري؟ هل ثمّة اتفاقٌ على اعتباره إرهاباً؟ هل ثمّة اتفاقٌ على مواجهته؟ أم انّ "حكومة الوحدة الوطنيّة" أي "حكومة الثلث المعطّل" هي الثمن السياسيّ الذي يريده نظام الأسد في دمشق لوقف إرهابه؟ أم انّ "حكومة الوحدة الوطنيّة" هي شعار مرحليّ لمواصلة الإنقضاض على لبنان كياناً ودولةً ونظاماً سياسياً؟
الشكّ: "المعارضة" لا تزال ضدّ المحكمة
إذاً، انّ زوايا النظر الى كون إصرار "المعارضة" على "حكومة وحدة وطنيّة" غريباً، متعدّدة.
والحال، انّ أسباب الشكّ لدى 14 آذار في نوايا "المعارضة" عديدةٌ هي أيضاً.
سببٌ أوّل، هو انّ "المعارضة" قبل إقرار المحكمة الدوليّة في الأمم المتحدّة، وقبل التفجير الارهابي للبلد انطلاقاً من نهر البارد، رداً من جانب النظام السوريّ على انشاء المحكمة تحت الفصل السابع، كانَت تطرحُ عنواناً مركزياً هو التوافق على رئيس الجمهورية كي توافق على إتمام الإستحقاق. فلماذا هذا التعديل في الأولويّات؟.
وسببٌ ثانٍ للشكّ، هوَ انّ عدم اعلان "المعارضة" لموقف واضح بالالتزام بالمحكمة الدوليّة، أي بالتعاون مع متطلباتها، يضمر تعطيلاً مستمراً للمحكمة من داخل الحكومة.
"حكومة وحدة" للتعطيل؟
وسببٌ ثالث للشكّ، هوَ انّ خطّة النظام السوريّ التفجيريّة، تهدُف الى ضرب مؤسساته الدستوريّة. ومرات عدّة سرّب مقرّبون من نظام الأسد "برنامج" هذه الخطّة، سواء تشكيل حكومة "ثانية" أو منع الانتخابات الرئاسيّة. فهل تكون "حكومة الوحدة الوطنيّة المعرّفة من جانب "المعارضة" على انّها حكومة "الثلث المعطّل"، عنواناً لتعطيل مؤسسّة السلطة الاجرائيّة بعدَ تعطيل مجلس النواب؟
وسببٌ رابع للشكّ، هوَ أن لا ضمانَ لالتزام "المعارضة" بما توافق عليه وما تعدُ به. ألم يسبق لبعض ممثليها أن وافقوا على النقاط السبع ثم نكثوا؟ ألم يكن اللبنانيون موعودين بصيف هادئ و"منتج" العام الماضي ولم يحصلوا عليه؟
14 آذار والمبادرة: التسوية للرئاسة فالحكومة
إنطلاقاً ممّا تقدّم، ووضعاً للأمور في "نصابها"، لا بدّ من إعادة الاعتبار لعدد من العناوين الأساسية.
من نافل القول انّ فريق 14 آذار ليس في وارد الاستسلام للإنقلاب المدار سوريّاً ضدّ البلد، فكيف إذا كان هذا الإنقلاب فشل في تحقيق هدفه المركزي المتمثل في إسقاط السلطة، وفشل في تحقيق الفتنة؟. كذلك، هو ليس في وارد تسليم البلد إلى "المجهول" فيما تستمر حرب النظام السوري بالإرهاب والتفجير، وهي الحرب الموجّهة بالدرجة الأولى ضدّ ضمانات البلد: الجيش وقوات الطوارئ الدولية.. والمحكمة.
لكنّه في المقابل يتمسّك بالمبادرة التي أطلقها قادته من دارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قريطم. وهذه المبادرة تقوم على معادلة واضحة: التسوية السياسية ـ الوطنية التاريخية فرئاسة الجمهورية فحكومة "وحدة وطنية". والمنطق وراء هذه المبادرة غير خافٍ: التسوية هي الضمانة للاستحقاقات الدستورية، وبدونها ليس ما يضمن أن "تأخذ" المعارضة الحكومة ثم تتحكم بانتخاب الرئيس أو تعطّل الاستحقاق الرئاسي.
وفي المنطق أيضاً انّ من "يمون" على الجميع لإدخالهم في "حكومة وحدة وطنية" بالرغم من الخلاف العميق، يستطيع أن يمون عليهم بالاتفاق سياسياً، فيكون من يمون عندئذٍ مساعداً في التأسيس لـ"حالة" دستورية ـ سياسية "أكثر" تماسكاً، وقادرة معاً على مواجهة تخريب النظام السوري. وبالمناسبة لم تتقدّم "المعارضة" بأي "اقتراح" بشأن كيفية مواجهة الإرهاب أو كيفية إنهاء التخريب.. عدا اقتراح بعضها "المعالجة السياسية" للظواهر الإرهابية. فهل سيكون على "حكومة الوحدة الوطنية" أن تدير "المعالجة السياسية" هذه؟ وبأية وسائل؟.
الاتصالات الإقليمية ـ الدولية
على هذا الأساس، أي الحرص على تسوية كاملة سياسية و"دستورية"، من المنطقي أن تتعامل حركة 14 آذار مع "الاتصالات" الإقليمية ـ الدولية، أي مع الاتصالات الفرنسية ـ الأوروبية ـ السعودية ـ الإيرانية من ناحية ومع مبادرة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى دعوة ممثلين للقوى السياسية في لبنان إلى اجتماع "غير رسمي" في باريس نهاية الشهر الجاري من ناحية ثانية.
المملكة
سبق لحركة 14 آذار أن تعاطت بإيجابية مع المبادرات السعودية التي يوجهها خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبد العزيز، ومع تحرّك السفير عبد العزيز الخوجة بين الأطراف. واعتبرت 14 آذار على الدوام انّ المملكة التي تقف على رأس النظام العربي تشكّل سقفاً وضمانة في آن. وأكثر من ذلك، أدخلت 14 آذار "إعلان الرياض" الصادر عن القمة العربية ضمن مبادرتها الأخيرة، باعتباره "استراتيجية" ملزمة للبنان الدولة.
وسبق لحركة 14 آذار أن تابعت باهتمام وبترحيب الاتصالات السعودية ـ الإيرانية. وإذا كانت هذه الاتصالات لم تسفر عن "حلّ" للأزمة في لبنان بالرغم من توصّل الرياض وطهران إلى اتفاق معيّن تعرف إيران، وتحديداً رئيس "مجلس الأمن القومي" فيها علي لاريجاني انّ النظام السوري عطّله، فإنها ـ أي الاتصالات ـ نجحت في تكوين موقف مشترك أبقى لبنان بعيداً عن الفتنة المذهبية.
فرنسا ـ أوروبا ـ إيران ـ سوريا
وإذا كانت المعلومات التي أكدت انّ إيران طلبت من نظام الأسد "التهدئة" في لبنان، دقيقة، وإذا كانت المعلومات عن تحرّك فرنسي ـ أوروبي باتجاه إيران لـ"إستجلابها" إلى التصالح مع المجتمع الدولي من ضمن تسوية إقليمية ـ دولية، دقيقة هي أيضاً، وإذا نجح هذا التحرّك، وإذا كانت المعلومات التي أكدت انّ وزير الخارجية الايطالي مسيمو داليما دعا رأس النظام السوري إلى الانسحاب تماماً من حياة لبنان المستقل وإلى التعاون مع المحكمة الدولية في مقابل استعداد أوروبي لفتح صفحة جديدة معه، دقيقة بالفعل.. فمعنى كلّ ذلك هو الآتي: يعني انّ المملكة العربية السعودية الواقفة على رأس النظام العربي بجدارة وإقتدار هي في صميم بحث إقليمي ـ دولي "يمكن" أن يعطي ثماراً، ويعني انّ البحث جارٍ حول دور إيجابي لإيران في لبنان والمنطقة، ويعني انّ فرنسا "الساركوزية" مع المملكة لا تخوضان في محاولة تسوية إقليمية ـ دولية على حساب لبنان المستقل السيد الحر.. ويعني أخيرا ان المجتمع الدولي، وأميركا أساسا، لا يمكن ان يقف ضد تسوية اقليمية ـ دولية تقع ضمن الشرعية الدولية وقراراتها.
إلى أين تتّجه إيران؟
هذا في الجانب "المعلوماتي" وتحليلاً له ممّا يوضّح أن ليس الآن ثمّة "مبادرة" ثلاثيّة بل "تواصل" معيّن، وأن ليس الآن ثمّة صيغة مبادرة محدّدة. وإذا كان مؤكداً وثابتاً انّ فرنسا والمملكة بجانب لبنان دائماً، فانّ الأسئلة المطروحة في الوسط السياسيّ تتّجه الى "أمكنة" أخرى: هل انّ ايران حسمت بخيار تسوويّ مع المجتمع الدوليّ؟ هل دخلت مع النظام السوريّ في خلاف استراتيجيّ أم انّ الخلاف تكتيكيّ أو هو على ترتيب الأولويات؟ وهل حسمت طهران بـ"فكّ" الأزمة اللبنانيّة عن الأزمة الاقليمية؟ وهل انّ النظام السوريّ في مثل هذه التبدلات ـ إن حصلت ـ سوف "يتعقّل" أم انّه سيواصل بمنحى تخريبيّ؟ وكيف ستساعد ايران "على" نظام الأسد؟.
أسئلة كثيرة لا تتعلّق بالموقفَين السعوديّ والفرنسيّ، بل تتعلّق بـ"الموقع" الايرانيّ الراهن وبالعلاقة الايرانيّة ­ السوريّة، تجعلُ تقدير الآفاق الإقليميّة غير سهل، أي تجعل تقدير آفاق نهاية الأزمة اللبنانيّة بصلتها بالجانب الاقليميّ، صعباً.
تسوية تخدم لا تسوية ناقصة
مِن هنا، من الطبيعيّ ألا تتعاطى 14 آذار مع الاتصالات الإقليمية ­ الدوليّة بـ"حساسّية" أو بـ"تحسّس". ذلك انّه اذا كانت هذه الاتصالات تعدُ بتطورّات ايجابيّة في المنطقة، يكون ذلك خيراً للبنان، أمّا اذا كانت تندرج في إطار "محاولات" فيُفترض ألا تكونَ "منقّزة" خاصّة اذا أمكن لها أن تسفر عن "تحييد" لبنان عمّا يجري في المنطقة واحتمالاته المختلفة.
ولذلك، مهمّ جداً ان تطلب 14 آذار من المملكة وفرنسا، مساعدة لبنان على إنجاز تسوية كاملة. ذلك انّ لبنان لا يحتمل تسوية "ناقصة" وغير مضمونة سياسيّاً.. ولا تخدمُ إن خدَمت سواء ثلاثة أشهر على الأكثر. ذلك انّ ما تصر "المعارضة" عليه يدخل البلد في "خلطة سمك لبن تمر هندي" متفجّرة في أيّ وقت.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00