خلال اليومين الماضيين، دارَ نقاشٌ حول ما إذا كانت قوى 14 آذار أخطأت في توقيت مبادرتها الداعية الى "تسوية تاريخية"، ولا سيما أن الردود عليها من جانب الرئيس نبيه بري و"حزب الله" جاءت سلبية ورافضة، وذلك في ظل القرار المتّخذ من النظام السوري بـ"تفجير" لبنان.
مبادرة 14 آذار:
إرادةُ إنهاء الأزمة بتسوية متكاملة
بدايةً، ليس سراً أن "القرار" بالمبادرة لدى 14 آذار كان متخذاً قبل إندلاع المواجهة بين الجيش والقوى الأمنية من جهة والإرهاب السوري عبر عصابة "فتح الإسلام" من جهة ثانية. وليس سراً أن المبادرة تمثّل العنوان الذي أرادت 14 آذار به افتتاح مرحلة ما بعد القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى. وليس سراً أخيراً أن المبادرة هي "الصورة" التي أرادت 14 آذار تقديمها باعتبارها راغبةً في إنهاء الانقسام السياسي ـ الوطني في البلد، والذي "اعتقدت" أن سحب المحكمة من "مواده" يمكن أن يمهّد للبحث في تسوية شاملة حول سائر "بنوده".
وتأسيساً على قولها إن المحكمة ليست انتصاراً لفريق على آخر، أي تأسيساً على إرادتها في ألاّ تجعل من إنجاز المحكمة انتصاراً لها، ذهبت 14 آذار الى هدف كبير هو التسوية التي تحقّق المصالحة بين "التحرير" و"الاستقلال"، والتي تقوم على أسس واضحة أهمّها الإجماعات الوطنية "السابقة". واعتبرت أن تحقيق هكذا تسوية من شأنه أن يتيح الوصول الى الاستحقاقات الدستورية بشكل طبيعي.. وآمن، على أساس الاستحقاق الرئاسي أولاً وبعده الحكومة.
وبكلام آخر، فإن "جوهر" المبادرة هو التسوية الكاملة بديلاً من بحث عقيم في قيام ما يسمى "حكومة الوحدة الوطنية" أو الاتفاق على الرئيس المقبل شرطاً لموافقة "المعارضة" على تأمين النصاب. ذلك أن تغييب "السياسة" ـ أي التسوية ـ من شأنه أن يبقي الاستحقاقات الدستورية في حلقة مفرغة، والأخطر أنه يديم الأزمة بما هي أزمة انقسام حول خيارات من ناحية وبما هي أزمة حُكم ودولة من ناحية ثانية.
.. ومبادرة الحريري: الحوار للشراكة
وبلغت إيجابية زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري حداً أعلى. فانطلاقاً من مبادرة 14 آذار، توجه الحريري بدعوة الى الحوار مع بري ومع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. ومع تبنّيه للمبادرة الصادرة من قريطم، أكد الحريري أن هذه المبادرة تتضمن رؤية 14 آذار للتسوية ولا تطرح شروطاً مسبقة، أي أنه أبدى استعداداً لحوار يطرح فيه الفريق الآخر ما عنده وتُستطلع فيه إمكانية التوافق.
الآن، وبعد انقضاء أسبوع على مبادرتَي 14 آذار وسعد الحريري، من الواضح أن الجواب عليهما جاء بالرفض وبشرط واحد على لسان بري، وعلى لسان نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم: إستقالة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة و"حكومة الوحدة الوطنية". هكذا، وبلا أي حوار ومن دون "أساس" سياسي. والجواب الموحّد يعني شيئاً واحداً: أعطونا السلطة!
جواب بري و"حزب الله"
في ظلّ قرار الأسد بتفجير لبنان
يجب القول هنا إن الجواب الآتي من بري و"حزب الله" لم يكن مفاجئاً. وأن تكون المبادرتان رُفضتا، فذلك لا يعني أن إطلاقهما كان خاطئاً من أساسه. فالرفض يكشف فريق "المعارضة" أي أنه يكشف "الموقع" الذي تنطلق منه، وفي المقابل يستدعي من 14 آذار الحساب الدقيق للخطوات التالية.
وعند هذا الحد، لا بد من أن تكون أسباب رفض بري و"حزب الله" واضحة تماماً، كما لا بد أن يكون واضحاً أن هذا الرفض ليس صادراً عن قوة.
لا شك أولاً أن الرفض يأتي مواكبةً من "المعارضة" للحرب التي يشنّها النظام السوري على لبنان في ظل قراره "تفجير" البلد. ولا يمكن أن يكون الجواب غير ذلك عندما يكون "الحليف" أو "الراعي" الإقليمي لفريق "المعارضة" مصمّماً على متابعة حربه.
ولا شك ثانياً أن الرفض المواكب لحرب النظام السوري، يعبّر عن رغبةٍ في إعطاء فرصة لهذه الحرب، علّها تسفر عن تغيير في "السياسة"، ويمثّل رهاناً على إمكان تحقيق "شيء ما" في هذه الحرب لم يمكن تحقيقه في الصراع السياسي المستمر منذ أشهر عدة.
الجواب في امتداد الفشل
بيدَ أن الجواب بالرفض على مبادرة 14 آذار ينبغي ألاّ يخفي حقيقة أن النظام السوري وحلفاءه يواجهون أفقاً مسدوداً. والبراهين الأساسية هي الآتية:
لا بد من التذكير بأن المرحلة السابقة ـ قبل إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن ـ لم تشهد أي إنجاز لنظام الأسد وحلفائه في "المعارضة"، فلا تعطيل إقرار المحكمة في مجلس النواب حال دون تحوّل المحكمة الى معطى واقعي، ولا الحكومة أسقطت، ولا التهويل حدّ ملامسة الفتنة المذهبية أحدث هذه الفتنة أو دفع 14 آذار الى "الهلع".
ولا بد من لفت الانتباه أيضاً الى أن الفشل الذي انتهت إليه المرحلة السابقة من خطة النظام السوري التي استنفرت الحلفاء "السياسيين" وسائر الأتباع، هو السبب في انتقال الخطة الى مرحلة ثانية عنوانها التفجير بالإرهاب.
معلومة: الأسد كان يريد فتنةً سنية ـ شيعية
وهنا، قبل التوسّع في استعراض البراهين على انسداد الأفق السياسي في وجه الخطة السورية، يفيد إيراد معلومة تردّدت عن الاتصالات السورية ـ الإيرانية في الآونة الأخيرة. تقول هذه المعلومة التي يرويها مصدر ديبلوماسي إنّ وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي سعى خلال زيارته الأخيرة الى دمشق، من أجل "تهدئة" رئيس النظام السوري بشار الأسد، وأنه أبدى نوعاً من "الإنزعاج" حيال "إستخدام" النظام في سوريا لعصابات إرهابية في لبنان كما دأبه في العراق. وتضيف المعلومة ان متكي "توقف" ملياً أمام السعي الحثيث لنظام الأسد الى عقد صفقة ثنائية مع إسرائيل، وكان "عاتباً" على أساس أن مقتضيات المرحلة من وجهة النظر الإيرانية تتطلب تسوية متكاملة إقليمية ـ دوليّة، ترى طهران أن تتم بين النظام العربي وتركيا وإيران من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، أي تسوية "شراكة" بين الدول الإقليمية وأميركا.
ويروي المصدر الديبلوماسي أن متكي سمع من الأسد والمسؤولين في نظامه إصراراً على المضي قدُماً باتجاه اسرائيل، وعتباً على إيران لأنها لم تساعده على إسقاط المحكمة الدولية. كيف؟ لأن الاتصالات الإيرانية ـ السعودية أسفرت عن ضبط الفتنة السنية ـ الشيعية!.
ان إيراد هذه المعلومة يهدف الى إيضاح أن مضمونها ـ أي المعلومة ـ يفيد أن ثمة إختلافاً في الأولويات بين النظامين الإيراني والسوري، لا يمكن ولا يجوز حتى الآن إعتباره افتراقا بين الجانبين. غير أن اللافت هو ان نظام الأسد كان يريد أن يلعب ورقة الفتنة السنية ـ الشيعية، أي ورقة الحرب الأهلية في لبنان.
"الصعود الى تحت":
من "حزب الله" الى العبسي
لذلك لا بد من ملاحظة أن المرحلة الحالية من الخطة السورية، القائمة على "التفجير"، تأتي بعد فشل الرهان على إغراق البلد في حرب أهلية، والأهم هو ملاحظة أنه عندما "يستبدل" النظام السوري عنوان خطته من "المعارضة السياسية" و"حزب الله" تحديداً الى عصابة "فتح الاسلام" و"أخواتها" فإنه يكون كمن يمارس "الصعود الى تحت"(!).
والحال ان نظام الأسد بـ"صعوده الى تحت"، حصد حتى الآن خسائر صافية، ومعه حلفاؤه. خسر الجيش اللبناني، أي أنه وضع الجيش في المواجهة مع أدواته، ما يجعل حلفاءه الذين وضعوا خطوطاً حمراً في وجه الجيش يخسرون "العلاقة" بالمؤسسة العسكرية. وخسر الفلسطينيين، أي أنه خسر محاولة الدفع باتجاه مواجهة لبنانية ـ فلسطينية من جهة وإستنفر الموقف الفلسطيني "الشرعي" في مؤازرة الدولة والجيش والحكومة الشرعية من جهة أخرى.
لذلك، وبالعودة الى الرفض الذي جبهت به مبادرة 14 آذار ودعوة سعد الحريري الى الحوار، لا مفر من إستنتاج ان هذا الرفض يواكب المرحلة الحالية من الخطة التفجيرية لنظام دمشق، لكنه يصدر عن موقع ضعف، بالنظر الى الفشل في المرحلة السابقة والى الخسائر السياسية الصافية مع بدايات المرحلة الحالية، وبالنظر الى حقيقة ان الخطة في "حلتها" الراهنة لا تشق أفقاً سياسياً.
التمسك بالحكومة
وعليه، فإن السؤال المطروح هو الآتي: حيال كلّ هذه المقدمات، كيف يكون أداء 14 آذار "مناسباً"؟
من البديهي ان تبقى مبادرتها قائمة علامةً على إرادة.. لكن من دون توقعات إيجابية في مدى منظور، في ظل المعطيات المحلية والإقليمية الراهنة.
ومن الطبيعي أن تتمسك 14 آذار بالحكومة، طالما أن ما يسمى "المعارضة" يرفض التسوية السياسية التاريخية.
ومن الطبيعي ان تواصل مواكبة تشكيل المحكمة الدولية، وأن تواصل دعم الجيش حتى تحقيق إنجاز "حاسم" ضد الإرهاب.
لا تردد في طلب القوات الدولية الى الحدود
على ان ثمة ما ينبغي ان تمعن 14 آذار في درسه. فلبنان في ظل قرار النظام السوري بتفجيره، يواجه إرهاباً جوالاً ومتنقلاً. وأمس كانت مدينة صور في الجنوب على موعد مع رسالة إرهابية موجهة الى قوات الطوارئ الدولية. وخلال الأيام الماضية، رُصدت تحركات مشبوهة لجماعة أحمد جبريل على الحدود اللبنانية ـ السورية، وتسربت أسلحة وضبطت شاحنات "تكزدر" محملة أسلحة ثقيلة.
يحصل ذلك، فيما "مع" الحكومة القرار 1701 الذي ينص في أحد بنوده على حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية وعلى مراقبة الحدود اللبنانية مع سوريّا.
وفي اعتقاد العديد من الأوساط السياسية والشعبية، أن لا مبرر للتردد في طلب تواجد القوات الدولية على هذه الحدود. ويعزز ذلك ما ورد إعلامياً عن تحضيرات لفتح "جبهة" مع الجيش إنطلاقاً من الحدود بقاعاً. وعليه، فان طلب القوات الدولية يكتسب مشروعيته من ان النظام السوري لا يحترم القرار 1701 ولا يحترم الحدود اللبنانية، ويقفل حدوده و"يسيّب" الحدود اللبنانية، ومن ان ثمّة مخططاً لإنهاك الجيش والقوى الأمنية، في محاولة لـ"تعويض" الفشل السياسي بالإرهاب.
فجور "المعارضة".. وهجومية 14 آذار
والى ذلك كله تضاف مسألة في غاية الأهمية.
يراهن النظام السوري على خوف اللبنانيين وحركتهم الإستقلالية. ويعتبر حلفاؤه عدم رغبة 14 آذار في تقديم نفسها منتصرة "إحتمال ضعف" ويقرأون في عرض "التسوية التاريخية" فرصة معطاة لهم كي "يحاولوا" سياستهم مرة أخرى.
في خطابهم السياسي ثمة "فجور". لكن في أدائهم إنتحاراً سياسياً.
و"لا بأس" والحالة هذه أن تواكب 14 آذار مبادرتها التي تبقى قائمة الى أن "يلمس" فريق ما يسمى "المعارضة" أن لا بديل من التسوية، بأداء سياسي "هجومي" إذا جاز التعبير، بالضبط لأن المبادرة صادرة عن موقع قوة، وأن تتصرف على أساس ان "الحرب" قائمة وان للحرب عدتها السياسية.
نعم بلا تردد للأمن الدولي على كل الحدود اللبنانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.